مذكرات جمال البنا المتمرد الذى فضح العالم السرى لـ«الإخوان» الحلقة الأولى

shello
shello 2014/03/04
Updated 2014/03/04 at 10:46 صباحًا


 thumbgen

يقوم  أمد للاعلام  للمرة الثانية بإعادة نشر مذكرات شقيق حسن البنا نظرا لضياع الحلقات من الموقع على أيدى مجموعة الخزى والعار التى تعمل ليلا ونهاراً لاختراق الموقع لاسكات الصوت ولكننا سنعمل جاهدين على توصيل الحقيقة مهما كلفنا ذلك .

 

فى الحلقة الأولى من مذكراته تحدث عن كيفية امتهان والده تصليح الساعات، وبيع أسطوانات غنائية، وهو شيخ معمم دون أن يرى أى تحريم لذلك، وتفاصيل زواج والده من والدته (أم السعد)، التى كان يعمل والدها تاجر مواشى، وأدق تفاصيل تحصيل حسن البنا علومه الأولى فى كُتّاب القرية، وعملية انتقال الأسرة من المحمودية إلى السيدة زينب.

( من عرف تاريخ من قبله أضاف أعمارا إلى عمره) هذا هو المبدأ الذى جذبنى إلى عالم كتابة مذكرات المشاهير بشكل عام، ولكن مذكرات جمال البنا بشكل خاص هى عالم خاص وحياة مليئة بالمعلومات والتفاصيل والأسرار، التى تنشر لأول مرة، وما زالت «المصرى اليوم» تنشر مذكرات جمال البنا، فيقول:

لقد وقع حادث دل على أن شقيقى حسن البنا، رحمه الله، مسوق إلى قَدرِه، فبعد أن أتم الدراسة تبدى خيال دار العلوم، التى عزم عدد من زملائه على التقدم إليها، وفى الوقت نفسه عينه المجلس المحلى للبحيرة مدرسا فى قرية «خربتا» وكان كل شىء يوحى بقبول هذا التعيين، فهو يتيح له أن يكون مدرسا، ويحقق له الاستقلال، وقد يمكنه من إعانة الأسرة، ويبقيه قريبا من المحمودية وما حولها، كما كانت تتملك شقيقى وقتئذ مشاعر الزهد فى المناصب، والعزوف عن الشهادات، وأن الحرص عليها فيه شبهة الإقبال على الدنيا، والتمسك بمظاهر الجاه والثراء.

وهذه الحالة النفسية تتفق مع المشاعر والأحاسيس الصوفية، التى انغمس فيها وقتئذ وبوجه خاص بعد قراءة «الإحياء» للغزالى، والتأثر به، وكاد حسن يستسلم لمشاعره تلك فلم يستذكر ما يؤهله للتقدم للقسم العالى بدار العلوم لولا أن وضع الله فى طريقه رجلا كان التقدير متبادلا بينهما، واستطاع بلباقة أن يحمله على التقدم.

ومرة أخرى فأنا أرى أن دار العلوم وحدها هى التى كان يمكن أن تخرج الداعية الإسلامى المطلوب، لأن الدراسة الأزهرية لها طريقة متعسفة تقليدية محدودة، ودار العلوم هى الوحيدة التى تجعل دارسها متمكنا فى اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، إلى جانب حظ غير قليل من علوم التاريخ والاجتماع.

وهناك وقائع أخرى تؤكد ما قدرته من أن عناية الله كانت تهيئ المسار لشقيقى حسن، فهذا القسم العالى لدار العلوم كان سيلغى فى العام التالى، ولو لم ينتهز هذه الفرصة لاستحال عليه دخول دار العلوم، وصاحبه توفيق غير مألوف فى الكشف الطبى والامتحان التحريرى، وأخيرا فإنه عندما دخلها كان يجب أن ينجح بتفوق حتى يضمن التعيين، لأن الوزارة لم تعين من الناجحين إلا خمسة أو ستة، فعندما جاء ترتيبه الأول بين الناجحين، فإنه ضمن التعيين، وقطع على الوساطات، التى كان يمكن أن تؤخر توظيف الثالث أو الرابع، فتحقق التعيين، وجاء هذا التعيين فى الإسماعيلية، التى لم يطلبها، أو يستشعر نحوها عاطفة خاصة من حب أو كره، لأنها كانت هى المهد الأمثل لظهور دعوة الإخوان.

ويحدث أن تحكم الظروف على الناس بأن يحترفوا مهنا لا يحبونها، لأنها لا تتفق مع قابلياتهم وملكاتهم فيشقوا بهذا، وتتشتت جهودهم ما بين هواية وحرفة، ولكن حسن أراد أن يكون معلم بنين على وجه التحديد، وتلك مهنة لم تكن الطُلْبة بضم الطاء وسكون اللام التقليدية للطموحين من الفتيان، الذين يجدون فى المحاماة أو الطب أو الهندسة الطريق الموصل للمناصب العليا والثروة والشهرة.

كانت مهنة التدريس بالذات مهنة متعبة، ولكن حسن كان يرى فى التعليم سبيلا للهداية، التى حث عليها الإسلام، وأن تعليم الصغار تأهيل لتعليم الكبار، وهذا واضح تماما من موضوع الإنشاء الشهير، الذى كتبه قبيل تخرجه ردا على سؤال «اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التى تعدها لتحقيقها».

وبلور حسن رسالته العامة والخاصة فحققت له دار العلوم ما أراد، فأصبح معلما، وحقق له التعليم أيضا ما أراد، وقدم إليه خبرات ثمينة ساعدته فى تعليم الكبار، واكتساب الجماهير، منها الأسلوب التربوى، الذى أخذته الدعوة، ومنها القدرة الفائقة على تذكر الوجوه، وحفظ الأسماء، وهى ملكة يمكن أن تكون من الملكات الشخصية له، ولكن لا بد أن ممارسة التعليم فى الفصول قد نمتها وعمقتها.

وبالإضافة إلى هذا الدور العام للإسماعيلية، فإن هذه المدينة كانت هى التى قدمت لـ«حسن» الزوجة الملائمة تماما لظروفه ودعوته، وهى واقعة لها انعكاساتها على شخص الداعية، وبالتالى على الدعوة فكانت الزوجة، التى وقع عليها اختيار الوالدة، رحمها الله، وهى بالمناسبة الوحيدة التى اختارتها الوالدة، أما زوجات بقية أشقائى فلم يكن لها دور فى ترشيحهن، فكانت زوجة حسن شابة مديدة القامة، وبيضاء البشرة، وذات طبيعة طيبة وفطرة مستقيمة، وعلى جانب كبير من الحياء.

كانت تعلم أنها تتزوج داعية تتحكم فيه ظروف الدعوة، ولا تدع له أو لها حريةً أو خيارا.. فكيفت نفسها طبقا لذلك وحققت لزوجها الاستقرار العاطفى، الذى مكنه من أن ينطلق لدعوته محصنا من فتنة النساء، وما أكثر ما اعترضت طريق الدعاة دون أن تهاجمه نوازع الشهوات، أو تعكر صفوه مشاغبات الزوجات.

ولربما قيل إن حسن البنا كان يمكن أن يجد زوجة أكثر جمال وثقافةً فى غير الإسماعيلية، أو حتى فى الإسماعيلية نفسها كانت بالفعل موجودة ولكن ما يعد ميزة بالنسبة لأحاد الناس قد لا يكون كذلك للقادة والدعاة، فلو كانت الزوجة ملكة جمال لكان لهذا أثره فى استحواذها على زوجها، وهو أمر لا تتسع له الدعوة، التى لا ينتطح فيها عنزان، ولو كانت أكثر مالا لساندت الدعوة.

وتتوالى على ذاكرتى بعض مشاهد طفولتى، التى واكبت تلك الأيام، فمن المراحل المهمة فى حياة الفرد مرحلة الطفولة، والطفولة كانت بها عوامل لها تأثيرها القوى على شخصيتى، وأنا أعتقد أن الميلاد الأفضل للمواطن المصرى البسيط أن يولد فى الريف، وليس فى المدينة، وذلك لما يتمتع به الريف من أرض رحبة وواسعة وطبيعة نقية وهواء غير ملوث، وأيضا يفضل ألا تكون الأسرة، التى يولد بها الفرد غنية جدا أو فقيرة جدا، فالوسطية خير الأشياء، وذلك لأن الأسرة الغنية تحول دون أن يتحمل الفرد فيها أعباء الحياة ومسؤوليتها فتعمل على تلبية جميع احتياجاته.

وأيضا يجب ألا يكون الفرد فقيرا وجائعا، بينما الوسطية تخلق بداخل الفرد الطاقة على العمل والابتكار، ويتعلم الاعتماد على النفس، وأنا ولدت فى أسرة من هذا النوع المحبب لى «المتوسطة»، فأسرة فلاحين بمعنى الكلمة، «الذين يكدحون فى الأرض».

ولم تكن طفولتى سعيدة فحرمتنى ظروفى الصحية من ممارسة اللعب، وممارسة الرياضة، وركوب الدراجات كباقى الأطفال، وأيضا لم يكن لى أصدقاء طفولة، لأنى لن أتحمل صراعهم وضربهم، وهنا بالتحديد اضطررت أن ألجأ لما يناسبنى ويناسب وضعى بأن ألجأ لأتعلم القراءة والكتابة، فقبل أن أقرأ أو أكتب كنت أمسك بالكتب والمجلات، وأشاهد ما بها من صور.

وبعد ذلك تعلمت القراءة والكتابة، وبدأت مرحلة أخرى، وهى مرحلة روايات الجيب، وهى كانت داعمة لنشر الفكر الإنسانى، خاصة روايات الكتاب الروس مثل «دستيوفيسكى وتلستوى»، وكان ثمن الرواية قرش صاغ واحدا، وكانت سهلة القراءة والاستيعاب بالنسبة لى، ثم بدأت الاطلاع على كتب مختلفة فى مكتبة المنزل، فكان يوجد بمكتبة عبدالرحمن البنا وأيضا حسن البنا نسخة من كتاب الأغانى للأصفهانى فقرأته، وأيضا قرأت العهد الفريد وكتبا أخرى لا حصر لها.

كان من عادة والدى أن يعود من مكتبه بعد المغرب، وكانت والدتى وشقيقتى فوزية تنظفان السطح قبل عودته وتفرشانه، ونجلس نتناول العشاء فى أيام الصيف حيث الهواء والجو الهادئ الجميل، ونصلى العشاء، ونسهر قليلا، ثم ننزل للنوم، ولما بلغ عمرى خمس سنوات لم أقبل فى المدارس الحكومية، فكما هو معلوم القبول عند تمام ست سنوات، فأدخلنى والدى رحمه الله فى مدرسة أهلية، وكانت فى طريق مكتبه.

كان الوالد يأخذنى معه صباحا إلى أن يوصلنى إلى المدرسة، وأتذكر أننى فى الشتاء كنت أرى بائع البليلة وأشتهيها، فأطلب منه أن أتناولها فكان يشترى لى، ويقف ينظر إلى، وبعينيه لمعة حب وحنان، وعندما بلغت السن القانونية للقبول بالمدارس الحكومية فدخلت مدرسة العقادين الابتدائية، وكانت ملامح صورتى الشخصية الملحقة باستمارة التقدم للمدرسة تدعو للضحك «الطربوش مكبوس فوق رأسى»، وكانت قريبة من المنزل على ناصية حارة الروم، وكانت عبارة عن مبنى قديم ملحق به سبيل مثل الأسبلة التى كانت تقام فى القرون الوسطى.

وجاء اختيار تلك المدرسة، لأن حياة الأسرة كانت فى القاهرة قائمة ومتحركة فى نطاق ضيق بين السيدة زينب والدرب الأحمر والحسين والخليفة، وكانت حارة الروم مكانا مختارا للشيخ الوالد وللأسرة فى فترة من الفترات، وكان مكتب الوالد بجوار المدرسة، وبيت الأسرة كان أيضا قريبا.

وأتذكر أن شقيقتى فوزية كانت شريكتى فى كل هذه الأحداث، وذلك يرجع لأنها الوحيدة بين أشقائى الأقرب لى عمرا، وكثيرا ما كنت أتشاجر معها، ولكنى كنت سريعا أسعى لإرضائها، وفى الحقيقة أننى لم أكن من التلاميذ المتفوقين داخل المدرسة، ولم أكن أجيد حفظ الدروس دون فهم، وكنت لا أجد متعة فى دراسة «الهندسة والجبر و اللغة الإنجليزية»، وكانت المواد المحببة لى «العربى والبلاغة»، فكان مستواى الدراسى عكس مستوى شقيقىّ حسن وعبدالرحمن، فهما كانا دائما من الأوائل فى دراستهما، ولكن الأسرة فقدت تلك الصفة بالنسبة لباقى أبنائها، وأيضا مما أتذكر فيما كان يجرى بينى وبين شقيقتى فوزية فى هذا العمر أننى كنت أذهب معها لقضاء بعض المتطلبات، وذات مرة ذهبنا لنشترى خبزا ومعنا «سبت»، وأثناء الطريق اختلفنا على من يحمله، ولا أدرى هل كان معها أولا أم كان معى، فكنت أقول لها احملى «السبت»، وهى ترد قائلة «لا. احمله أنت»، وفجأة وضعنا السبت على عتبة منزل، وهرولنا ليعود أحدنا ويحمله، وعندما أرهقنا وقفنا واتفقنا على أن نعود، ويحمله كل منا مسافة معينة، ولكن مع الأسف بعد عودتنا لم نجد السبت فى المكان، الذى تركناه فيه، وضاع السبت بما فيه من خبز، وعدنا إلى المنزل فهمت شقيقتى الكبرى لتعاقبنا بالضرب، لكنى نزلت مسرعا على السلم، وحصلت فوزية على علقة ساخنة، ولا أذكر أن الوالدة أو الوالد، رحمهما الله، ضربا أحدا منا أبدا.

ورغم ظرف الأزمة الاقتصادية، التى غزت الأسرة فترة، وسبق أن أشرت إليها، فإن الأسرة لم يخل يوم من أن تكون لديها خادمة، وكانت عادة تكون من أقاربنا فى الريف، وكانت تعامل كفرد فى الأسرة، وفى البداية، وقبل أن يكبر الأبناء، وكل منهم ينشغل بحياته الخاصة كان أفراد الأسرة يقضون وقت فراغهم فى المنزل يتسلون بالحكايات والفوازير، التى كان معظمها ساذجا مثل «عدا الميه وما تبلش»، والرد «العجل فى بطن أمه»، أو «قد الكف ويقتل ألف»، والرد «المشط»، كما كان الشقيقان محمد وعبدالباسط يتداولان المطارحات الشعرية فينشد أحدهما بيتا يكون على الثانى أن يذكر بيتا آخر يبدأ بآخر حرف فى قافية البيت الأول.

وفى بعض الحالات كانت تتم منافسة بين الشقيقين محمد وعبدالباسط، حول تحطيم أكبر عدد من أعواد قصب السكر على الركبة، كما كان التزاور يشغل وقتا، فلقد كان المألوف أن يتزاور الناس، خاصة الأقارب على نقيض ما يحدث حاليا إذ قد لا يعرف الجار جاره اللصيق، وكانت الزيارات مجالا لأحاديث متبادلة عن أحداث عائلية أو شائعات، فالمهم أن المنزل المصرى قبل أن يظهر الراديو، ودع عنك التليفزيون، كان يشغل وقت فراغه فى مجالات للتسلية والثقافة والرياضة، وأن هذا كان يأخذ شكلا من أشكال التكامل الجماعى، ويتفق مع الحياة التقليدية المستقرة.

وأذكر ذات مرة اجتمعت جميع شُعب الإخوان المسلمين من البلاد، وكانت إمكانيات الجمعية لا تسمح بالحجز فى الفنادق، فقرر إخوان القاهرة أن كل أخ يستضيف فى منزله عددا من الضيوف بقدر إمكانياته إلى أن يتم توزيعهم جميعا، ويبدو أن نصيبنا كان عددا أكبر، لأن والدتى وشقيقتى صنعا طعاما كثيرا، وأصنافا متعددة وشاركتهما فى قضاء بعض الطلبات، لأن الخادم لا يمكنه عمل كل شىء فأخذت أنا وشقيقتى فوزية صينيتى بطاطس، وذهبنا إلى الفرن.

وبعد أن تمت تسويتهما وفى طريق العودة شعرنا بسخونة الصوانى، ولم نستطع تحمل السخونة فاهتزت الصينية فى يدى، ونزلت على الأرض أما فوزية فوجدت رجلا جالسا أمام باب دكانه، فأسرعت إليه، ووضعت الصينية فى حجره إلى أن بردت، وذهبنا إلى المنزل، ولم يبق من الصينية، التى كنت أحملها إلا جزءا قليلا من البطاطس، وكان الإخوان كل صباح يجتمعون فى أحد المنازل، ويخرجون سويا لنشر الدعوة وزيارة بعض الأماكن، وأذكر مرة سمعنا أنهم سيذهبون إلى الهرم فطلبت من الشقيق عبدالباسط، رحمه الله، أن يصطحبنا معه أنا وفوزية، لأننا كنا أطفالا، ولن يسمح أحد لنا بالذهاب، وبالفعل اصطحبنا، وكنا نسير فى المقدمة تحت العلم، وكان الشقيق عبدالباسط يقف أمام المقاهى والأماكن المزدحمة، ويهتف بأعلى صوته «الله أكبر ولله الحمد.. جمعيات الإخوان المسلمين بالقطر المصرى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر»، ويتكلم عن الدعوة، وكان يرتدى ملابس الجوالة.

أما طريقة المواصلات، فكانوا يركبون المواصلات العادية، فلم تكن عندهم سيارات خاصة، فيذهبون إلى أول محطة ترام أو أتوبيس ويركبون عربة أو اثنتين حسبما يتيسر لهم، وكان معنا كرة، وعند الهرم أخذنا نلعب بها أنا وفوزية، وكان الشيخ الباقورى، رحمه الله، جالسا وإذا بالكرة تضربه فى جبهته، وتنزل فى حوض أبوالهول.

وعلاقتى بشقيقى حسن كانت رائعة على عكس ما يردد أنه كان يحبسنى ويضربنى، من أجل الانضمام لجماعة الإخوان، فحسن كان مرشد الإخوان، ومرشدى أنا أيضا، رغم أننى خارج الإخوان، ولم يكن يتدخل للتأثير على قراراتى، فلم تكن تدار أسرتنا بالشكل الديكتاتورى سواء من الوالد أو من الأشقاء، بل على العكس كان دائما بيننا جميعا نوع من احترام الإرادة الشخصية.

وبعد أن تجاوزت العام الأول من المرحلة الابتدائية كان تم تعيين شقيقى حسن مدرسا بإحدى مدارس الإسماعيلية الابتدائية براتب كبير جدا بمقاييس ذلك التوقيت خمسة عشر جنيها، وكان يرسل للوالد منها خمسة جنيهات لمعاونته على سد احتياجات الأسرة، وهنا اصطحبنى معه كنوع من التغيير، ومن تخفيف الأعباء عن الأسرة، وقضيت هناك فترة من دراستى الابتدائية، وكان حسن أستاذى ومعلمى بالمدرسة، وأيضا بالمنزل فكان دمث الخلق، ومخلصا فى أن ينصحنى ويعلمنى، وأتذكر الإسماعيلية فكان يوجد بها مبنى يسمى «الجمعية التعاونية». كان يحتوى على جميع أنواع السلع الغذائية والحلوى وغيرها من الأطعمة المحببة للأطفال، فكان يصطحبنى معه، ويشترى لى علب الشيكولاتة، وانتهت المرحلة الابتدائية فى عام ١٩٣٣، لكن كانت الدراسة فيها بالنسبة لى باهتة، وليس لها قيمة، وذلك كونى عكفت على القراءة قبل أن ألتحق بالدراسة النظامية، فلدى اطلاع وثقافة تفوق ما يُدرّس لى.

ولذلك لم تكن مدرستى هى محرابى الأول، لكن كان محرابى هو مكتب والدى ومكتبتى شقيقى «حسن وعبدالرحمن»، التى كانت مليئة بالكتب، وبالفعل لقد ساعدنى الحظ كى أعيش فى غابة غنية بالكتب والعلم والثقافة، وعلى عكس ما كان أثاث المنزل، الذى نعيش فيه بلا قيمة، كان بالمنزل مكتبة تحمل كامل القيمة، فهذا كان عالمى، الذى أعيش بداخله حتى من قبل دخولى الدراسة النظامية.

وكنت أنظر للدراسة على أنها لا تناسبنى كونها تعد مجرد «أكل عيش»، فخريجو المدارس والجامعات فى النهاية يرغبون فى أن يتخرجوا ليعملوا بمهن تكسبهم ما يكفى احتياجاتهم الغذائية، وكانت أمانى ورغبات جميع من يحيطون بى أن يكونوا أطباء أو محامين أو ضباطا وغيرها من المهن المعروفة، ولكنى لم أتمن فى يوم من الأيام مثلما تمنوا فيبدو أننى لم أكن حريصا على المستقبل، فلم أشغل بالى أو يعنينى كيف سأعيش، أو كيف سأستقل بحياتى، فأنا فى النهاية فرد واحد وأعيش فى أسرة سواء كانت أسرتى وسط والديى وأشقائى أو حتى بعد ذلك عندما يصبح لى أسرة خاصة بى، خاصة أننى بعد أن بدأت أكتب وأنشر فى بعض الصحف بالقطعة بعد ذلك أصبح لدى دخل يكفينى، ولم تكن أبدا لدى احتياجات مادية برجوازية.

وفى بداية عام ١٩٣٤ انتقلت للمرحلة التالية بمدرسة «الخديوية»، وكانت تعد من أرقى المدارس الثانوية فى ذلك التوقيت بالنسبة لأبناء الطبقات الشعبية، ذلك لأن الأثرياء كانت لهم مدارس فرنسية وإنجليزية، وكان الخديوية الثانوية ملحقا بها مسجد يقرأ فيه الشيخ محمد رفعت.

وكانت المدرسة عريقة جدا، وكان مقرها بالحلمية، التى كانت موطنا لسكن ومعيشة الأمراء والأثرياء، وتمتاز بأفخم القصور والفيلات، وأكثرها مساحة واتساعا، والدال على ذلك أن أحد الباشوات تبرع بقصر كان يملكه بالحلمية وأنا شاهدت ذلك فتم تقسيم أرض القصر، وبنيت على مساحته أربع مدارس كبيرة جدا، وكانت ضمن أشهر القصور آنذاك، وكانت ملاصقة لها سرايا نسيم باشا.

وداخل المدرسة الخديوية كانت مادة اللغة الإنجليزية من المواد، التى وجدت صعوبة فى استيعابها، وكان من يُدرسها يكتب لى دائما فى كراسة المادة «سيئ جدا»، وكان يدرسها فى أغلب الأحوال مدرسون إنجليز، ووقع صدام بينى وبين مدرس اللغة الإنجليزية فما زلت أتذكر مشهد دخوله الفصل وهو يضع فوق رأسه «برنيطة مهكعة وقديمة»، فأنا أخطأت حينها فى شىء ما، فوقف وقال لى بالإنجليزية من حقك أن تقول لى «أنا آسف يا سيدى»، ولأنى كنت كما قلت بليدا فى الإنجليزية ففهمت الكلام بشكل خاطئ، وتصورت أنه يهيننى، فرفضت الاعتذار.

وهنا تعمد أن يسقطنى فى امتحان مادة اللغة الإنجليزية، وأيضا قام بإسقاطى فى الملحق، وهنا أعلنت حالة العصيان الحازمة، ورفضت الاستمرار فى الدراسة، واقتنعت بأن طريقى لم يختلف تماما عن الطريق التقليدى بالمدارس، ولكن كل أفراد الأسرة لم يقتنعوا بوجهة نظرى، ومارسوا ضغوطا رهيبة على، لكى أتراجع عن قرارى، فقلت لهم أنا لا أرغب فى أن أكون محاميا أو طبيبا، أنا أريد أن أكون كاتبا، والكتابة لا تحتاج إلى مدرسة، وفى المنزل مكتبة لا أجد لها مثيلا فى الجامعات ستساعدنى على إتقان موهبتى.

ولكنهم أقنعونى بأن ألتحق بـ«مدرسة التجارة الثانوية»، لكى أكون على أقل التقديرات حاملا لشهادة، وإرضاء لهم وافقت على الالتحاق بها، وكانت الدراسة بها ثلاث سنوات، وكان موقعها فى الجيزة بجوار شركة السجائر، واكتشفت أننى كنت أصغر تلميذ بالمدرسة عمرا وحجما فجميعهم شباب مفتولو العضلات.

لكنى وجدت الدراسة بها جميلة وممتعة ومختصرة، وجمعتنى صداقة بناظر المدرسة «الدكتور لهيطة»، فوجدته شخصية مثقفة، وعندما زرته بمنزله فى مصر الجديدة اكتشفت أن لديه مكتبة ضخمة وقيمة، حتى إننى بعد ذلك كنت مهتما بالحصول على جزء كبير من تلك المكتبة بعد وفاته من بائعى سور الأزبكية، لمعرفتى المسبقة بأنه حصل على الدكتوراه من لندن، وكان موضوع الرسالة يتعلق بالعمل والعمال.

وأيضا كان ضمن من يدرسون لى بمدرسة التجارة شخص نابه جدا اسمه عيسى عبده إبراهيم، وكان والده مسيحيا وأسلم، حتى إنه فى ذلك التوقيت كان بدأ يتعرف على جماعة الإخوان، وأصبح من أصدقائى المقربين، وكنا نتناقش فى أمور عدة أتذكر منها نقاشا طويلا دار بيننا حول معاهدة ١٩٣٦.

وأتذكر أننى ذات مرة خرجت فى مظاهرة مع باقى طلبة مدرسة التجارة، وكنا نهتف «يسقط هور ابن الطور»، وهور هذا كان وزير خارجية بريطانيا، ومرت فترة المراهقة فى حياتى مرور الكرام، فلم أكن أملك من المواصفات الجسمانية والشكلية ما يؤهلنى لأكون «دنجوان»، وأقيم علاقات الحب والغرام مع بنات الجيران، فأنا كنت بعيدا كل البعد عن هذه الأشياء، وغارقا بكامل أعماقى فى القراءة والكتابة فقط، وفى عام ١٩٣٧ حصلت على شهادة الدبلوم التجارى.

 

المصرى اليوم

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً