مرحلة فلسطينية جديدة .. وحرجة بقلم: خيرالله خيرالله

shello
shello 2018/03/13
Updated 2018/03/13 at 9:17 صباحًا

تنحى محمود عبّاس (ابومازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ام لم يتنحّ. ليست تلك المسألة، علما انّه من الصعب ان يفكّر في التنحي بسبب ظروف خاصة به وذلك على الرغم من تقدّمه في العمر. صارت المسألة مرتبطة كلّها بمرحلة ما بعد “ابومازن”، أطال الله عمره. ايّ فلسطين بعد مرحلة امتدّت من وفاة ياسر عرفات في تشرين الثاني – 2004 الى يومنا هذا. انّها مرحلة مرشّحة لان تمتد سنوات اخرى وباتت مرتبطة برجل كان يرمز في الماضي الى القدرة على استيعاب المعطيات الدولية والإقليمية بما جعله يلعب دورا محوريا في الوصول الى اتفاق أوسلو بحسناته الكثيرة وعيوبه.
في النهاية، لولا “أبو مازن” وفريق العمل الفلسطيني الذي تفاوض سرّا مع الإسرائيليين في اوسلو، لما كان الاتفاق الذي أعاد ياسر عرفات الى ارض فلسطين. الاهمّ من ذلك كلّه انّه لولا اتفاق أوسلو لما دخل “أبو عمّار” البيت الأبيض في يوم من الايّام ولما كان في السنة 2000، أي في السنة الأخيرة من ولاية بيل كلينتون اكثر زعماء العالم تردّدا على مقرّ الرئيس الاميركي.
خلف محمود عبّاس ياسر عرفات. في 2004، لم يبق من الزعماء التاريخيين لحركة “فتح” لدى وفاة الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني سوى “أبو مازن”. كان الوحيد من أعضاء القيادة التي أسست الحركة الذي لا يزال يمتلك وضعا داخليا وعربيا ودوليا يسمح له بان يكون خليفة للشخص الذي وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. لا شكّ ان اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو اياد)، الاول على يد الإسرائيليين والآخر على يد احد المجرمين التابعين لـ”أبو نضال”، جعل أبو مازن الرجل الثاني في “فتح” وفي منظمة التحرير الفلسطينية في السنوات الـ15 التي سبقت غياب ياسر عرفات.
تبيّن مع مرور الوقت ان التركة التي خلفها “أبو عمّار” ثقيلة جدا. يعود ذلك الى سببين على الاقلّ. اولهما البيروقراطية الفلسطينية التي تضخمت بسبب أسلوب العمل لـ”أبو عمّار”، وهو الاسلوب القائم على توظيف الفلسطينيين عشوائيا في الإدارة التي تأسست بعد اتفاق أوسلو. انّه الأسلوب نفسه الذي اتبعه ياسر عرفات قبل ذلك في بيروت وتونس والذي كان يقوم على فكرة انّ المساعدات العربية لا يمكن ان تتوقّف في يوم من الايّام…
امّا السبب الآخر والاهمّ، فهو “عسكرة” الانتفاضة في السنة 2001، وهو قرار انهى اتفاق أوسلو عمليا وادّى الى محاصرة ياسر عرفات في “المقاطعة” في رام الله وصولا الى نقله الى باريس لضرورات العلاج حيث كان رحيله.
كان قرار “عسكرة” الانتفاضة الجديدة التي بدأت بالزيارة الاستفزازية التي قام بها ارييل شارون للمسجد الأقصى أواخر العام 2000 من أسوأ القرارات الفلسطينية. استفادت منه “حماس” والذين يقفون خلفها الى ابعد حدود وسهلت على الإسرائيليين، بفضل العمليات الانتحارية، اتخاذ قرار محاصرة “أبو عمّار” الذي كان بمثابة وضع رئيس السلطة الوطنية في الاقامة الجبرية. اكثر من ذلك، لعبت هذه العمليات الانتحارية دورا في خدمة اليمين الإسرائيلي الذي عارض منذ البداية اتفاق أوسلو وايّ كلام عن تسوية يمكن ان تؤدي الى قيام دولة فلسطينية مستقلّة.
كان أبو مازن على حقّ عندما اعترض على عسكرة الانتفاضة واعتبر هذا القرار اقرب الى كارثة من ايّ شيء آخر. لم يكن سرّا ان الرئيس الجديد للسلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وزعيم “فتح” كان دائم الاعتراض على سياسات ياسر عرفات. كان معترضا حتّى على الطريقة التي تصرّف بها ياسر عرفات في لبنان. واذا كان من كلمة حقّ تقال فهي انّ أبو مازن لم يتورط بايّ شكل في الحرب اللبنانية التي كان الفلسطينيون جزءا لم يتجزّأ منها.
تكمن المشكلة في انّ أبو مازن خلف “أبو عمّار” في كلّ المواقع التي كان يشغلها من دون ان يتمكن من احداث أي تغيير نوعي نحو الافضل في ايّ مجال من المجالات. على العكس من ذلك.
صحيح ان “أبو عمّار” كان يمارس التفرّد، لكنّ الصحيح أيضا انّه كان يعترف بوجود قياديين غيره يصلحون لادوار معيّنة تصبّ في النهاية في خدمة ما يريده. كان يحسن استخدام هؤلاء افضل استخدام، اكانوا في واشنطن او موسكو او نيويورك… او في عواصم أوروبية او عربية.
لم تمض سنوات قليلة، على انتخاب أبو مازن رئيسا للسلطة الوطنية، الّا واختفى عن المسرح السياسي، وحتّى الأمني، أي قيادي فلسطيني يمكن ان تكون له حيثية او رأي مفيد او يتمتّع بكفاءة ما. شمل ذلك اقرب الناس الى “أبو مازن”، بمن في ذلك أولئك الذين شكّلوا فريق العمل الذي أوصل الى أوسلو واوصل ياسر عرفات الى البيت الأبيض.
لا يمكن التذرّع بالتركة الثقيلة لياسر عرفات، لتفادي التعاطي مع الواقع الذي خلقته مرحلة ما بعد غياب الرجل في خريف العام 2004. لا يمكن حتّى التذرّع بأخطاء كبيرة لياسر عرفات من نوع اعتقاده ان تهريب أسلحة بواسطة السفينة “كارين- إي” يمكن ان يساعده في المواجهة مع إسرائيل في مرحلة ما بعد “عسكرة” الانتفاضة. هناك مرحلة مضت وهناك تعنت إسرائيلي. لا تعبّر عن هذا التعنت التحولات التي طرأت على المجتمع في إسرائيل فحسب بل الرغبة في استمرار الاحتلال الى ما لا نهاية أيضا.
لا ضرورة لاعلان أبو مازن عن تنحيه او عن رغبته في البقاء رئيسا حتّى اليوم الأخير من حياته كي يحصل اعتراف بأنّ هناك مرحلة فلسطينية انتهت. في السنوات الأخيرة من تلك المرحلة التي شهدت انفصال غزّة عن الضفة الغربية واقتصار العلاقة الفلسطينية – الإسرائيلية على التنسيق الأمني، ثمّة حاجة الى التفكير بطريقة مختلفة. البداية تكون بطرح أسئلة من نوع أي جيل سيقود الفلسطينيين في المرحلة المقبلة بعدما استنزف الوقت القيادة التي جاءت من الخارج بعد اتفاق أوسلو؟
السؤال الأخطر ما العمل بالضفة الغربية التي حوّل الاحتلال ما بقي منها الى ثلاثة كانتونات؟ أي مستقبل لغزّة التي تحوّلت الى قنبلة سكانية في مساحة ضيقة؟ كيف سيُربط مصير غزّة بمستقبل سيناء؟ أي دور لمصر في هذه العملية التي تتجاوز مصر وتصل الى التعاون الذي سيقوم بينها وبين المملكة العربية السعودية والاردن في اطار مشروع “نيوم” السعودي؟
الثابت الوحيد في المرحلة التي يبدو ان القضيّة الفلسطينية مقبلة عليها هو الشعب الفلسطيني الذي لا يمكن حذفه من المعادلة الشرق أوسطية. يكشف وجود هذا الشعب قصر النظر الإسرائيلي الذي لن تعوّض عنه إدارة دونالد ترامب التي تنوي طرح مشروع للمنطقة من خلال نظرة شمولية. يفترض في مثل هذه النظرة الشمولية، في حال كان مطلوبا ان تكون لديها فرصة في النجاح، عدم تجاهل انّ من الصعب الغاء شعب يمتلك هوية وطنية ويمتلك ارضا مهما حققت إسرائيل من نجاحات عسكرية… ومهما كان الوضع العربي مزريا.

Share this Article