مشكلات اللاجئين في مخيمات لبنان

2012/09/15
Updated 2012/09/15 at 11:29 صباحًا

مشكلات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كثيرة ومتشابكة. والسبب الرئيسي في هذا التشابك المعقد هو أن الدولة اللبنانية امتنعت منذ أربع وستين سنة عن الإسهام الجدي في حل هذه المشكلات أو حتى بعضها. ويمكن تلخيص هذه المشكلات بست فقط هي التالية:
أولاً: عدم الأمان؛ فقد خضع الفلسطينيون منذ النكبة في سنة 1948 لشروط مهينة من العيش، فأقاموا خمس سنوات متواصلة في العراء تقريباً، أي في الخيمة، حتى سمح لهم بأن يبنوا جداراً في محيطها، فصار في إمكان الواحد منهم ان يسند ظهره. وانتظروا خمس سنوات اخرى حتى بات في إمكانهم ان يضعوا ألواح «الزينكو» (التوتياء) فوق رؤوسهم، ثم انتظروا حتى سنة 1969 لينتزعوا حق العيش في منزل ذي سقف من الباطون بدلا من الزينكو الذي كان المطر يجيد النقر عليه في الشتاء، ويتحول إلى فرن لاهب في الصيف. وفي المراحل اللاحقة خضعت المخيمات إلى العدوان الإسرائيلي الدائم فدمر مخيم النبطية في سنة 1974، وجرف تل الزعتر وجسر الباشا وأجزاء من ضبية في معمعان الحرب الأهلية اللبنانية، وسحقت مخيمات اخرى في حروب المخيمات بين 1985 و1987، وكان آخرها ما حل بنهر البارد، وهو أمر لا يزال ينذر بكوارث حتى الآن.
ثانياً: السكن؛ إن معدل مساحة المنزل الواحد في المخيم هو 14 متراً مربعاً (او 2,2 غرفة) مرصودة لستة أشخاص. وجميعنا يعرف كيف تتلاصق البيوت بحيث يصبح اختراق أشعة الشمس لتتخلل المنازل بنورها أمراً في غاية الصعوبة. وهذا يعني وجود رطوبة عالية في هذه المنازل وأمراض صدرية وجلدية مقيمة بصورة دائمة.
ثالثاً: الصحة والبيئة؛ وهي مرتبطة معا برباط وثيق ومتصلة بطريقة بناء المنازل، وهي طريقة عشوائية تماماً. فالمجارير مكشوفة، ومكبات النفايات قريبة من المنازل، وفي حالات كثيرة تنتشر بين المنازل، وتختلط مياه الشرب بالمياه الآسنة لان قساطل الجر مهترئة ومتداخلة فوق الأرض.
رابعاً: التعليم؛ كان الفلسطينيون في لبنان من أكثر فئات المجتمع تعليماً في الحقبة التي أعقبت نكبة 1948 وحتى نهاية سبعينيات القرن العشرين. لكن، منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في سنة 1982 بدأت ظواهر التسرب من المدارس لدى التلاميذ من الفئة العمرية 10ـ17 سنة (المرحلتان المتوسطة والثانوية) تتزايد بسبب الاضطرار إلى الالتحاق بورش العمل لإعالة العائلة التي فقدت الزوج على سبيل المثال. وهذه الحال ما زالت تتفاقم باطراد حتى اليوم. وبسبب ضمور سوق العمل للمهن اليدوية غير المدربة، فإن هذه الفئة العمرية تجد نفسها عالقة بين السعي إلى الهجرة (وهو خيار محدود)، او الالتحاق بالفصائل المسلحة.

مخيم شاتيلا غداة المجزرة

خامساً: العمل والبطالة؛ إن نسبة البطالة في المخيمات الفلسطينية هي 48% مقارنة بـ8,2% في لبنان. وهي فجوة مروعة يعرف الباحثون عقابيلها السياسية والأمنية والاجتماعية. وتتفرع من هذه الحال ظاهرة عمالة الأطفال (10ـ14 سنة)، وهي ظاهرة مرتبطة بالفقر وببعض المشكلات الأسرية لفقدان الأب او الأم او التوقف عن الدراسة لعدم وجود أوراق ثبوتية مثلا. وفي جميع الاحوال، فإن معدل الدخل الشهري للعائلة الفلسطينية المؤلفة من ستة أفراد لا يتجاوز 350 ألف ليرة لبنانية، أي نصف الحد الادنى للأجور تقريباً. والمعروف ان قوانين العمل اللبنانية ولوائح النقابات المهنية اللبنانية تمنع الفلسطيني من العمل في مهن كثيرة، ولا سيما الطب والهندسة والصيدلة والمحاماة… الخ. فالمهندس الفلسطيني إذا وجد عملا، فإن توصيفه الوظيفي يكون «فورمان» حتى او عمل مهندساً. والطبيب الفلسطيني إذا افتتح عيادة له في داخل احد المخيمات يصبح مطلوبا للسلطات بتهمة ممارسة مهنة طب من دون ترخيص.
إن اليد العاملة الفلسطينية ليست منافسة لليد العاملة اللبنانية على الاطلاق بل مكملة لها، لأن وجود نحو 350 طبيباً، ونحو 80 محامياً و300 مهندس وأعداد قليلة وغير محدودة من الصيادلة لا يضير المجتمع اللبناني حتى لو عملوا كلهم. وعلاوة على ذلك فإن قوة العمل الفلسطينية في لبنان لا تتجاوز اليوم 50 ألفا، وهذا العدد هو نصف عدد الجالية المصرية العاملة في لبنان.
سادساً: السلاح؛ لا تحتاج هذه المسألة تفصيلا بل معالجة نهائية وحاسمة، لان من الغلط التركيز على مسألة السلاح الفلسطيني وحده، ولا سيما ان الفلسطينيين أنفسهم ايقنوا، بعد تجربة نهر البارد، ان السلاح كان كارثة عليهم، فهو لم يحمهم من «فتح الإسلام» على سبيل المثال، وان ما يضمن لهم الأمن والأمان هو التفاهم مع الدولة اللبنانية والتعاقد معها تعاقداً اخوياً بما لا ينتقص من سيادتها على الاطلاق.

* * *

نظرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة إلى الفلسطينيين كعبء بشري وتهديد أمني، فأوكلت إلى اجهزة الأمن ضبط المخيمات، وتركت للاونروا الرعاية الصحية والتعليمية والتشغيل. إن هذه النظرة ما عادت صحيحة اليوم، وفي جميع الاحوال فإن معالجة الملفات الفلسطينية هي مصلحة لبنانية اولا وأخيراً، ومصلحة صافية للسلم الأهلي في لبنان، ولا سيما ان المخيمات مثلها مثل الأحياء الشعبية في المدن اللبنانية، تشهد انجرافاً قوياً نحو التدين، وتنمو فيها أفكار التطرف والتكفير. أما المعالجة، فأحسب انها يجب ان تبدأ من القوانين المجحفة مثل إلغاء الاستثناء الذي يحول دون اكتساب الفلسطيني حقوقا عقارية، ومثل إصدار تشريعات تتيح حق العمل الفلسطيني مع إلغاء اجازة العمل المفروضة. وما الضير في ان يستفيد العمال والمستخدمون الفلسطينيون من تقديمات الضمان الصحي وما دام رب العمل يدفع عنهم الرسوم القانونية والاشتراكات المنصوصة في القوانين اللبنانية؟ وما الضير في ان تقوم الدول اللبنانية بجانب من الرعاية الاجتماعية والبيئية للمخيمات مثل تعبيد الطرق وشق اقنية الصرف الصحي وتسهيل خدمات الهاتف والإنارة ما دامت تتلقى الرسوم والضرائب والجباية معاً؟
إن المادة (17) من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ان «لكل شخص حق التملك بمفرده او بالاشتراك مع غيره… ولا يحق تجريد احد من ملكيته تعسفا». لكن لبنان خالف هذا الاعلان حينما منع الفلسطيني من ان يمتلك منزلا له، ثم عمد إلى نزع ملكيته حينما حال دون حق الفلسطيني في توريث ما كان يملكه سابقا لأولاده. وهذا الأمر هو إساءة بالغة لسمعة لبنان ما كان يجب الاقدام عليها مهما كانت المبررات، وصار من الضروري انهاء هذه الإساءة. وفوق ذلك، فإن معاهدة اللاجئين لسنة 1951 التي لم يوقعها لبنان حتى الآن (وهذه المعاهدة لها قوة القانون الدولي حتى لو لم يوقعها بلد ما من بلدان العالم) تنص على ما يلي: «توفر الدولة التي تستقبل اللاجئين معاملة متساوية لتلك التي تعامل بها هذه الدولة مواطنيها» (المادة 4)، و«في حال اتخاذ تدابير لحماية العمالة المحلية في وجه المنافسة الاجنبية فإن اللاجئ يستثنى من هذا المبدأ» (المادة 17)، و«يعامل اللاجئون كمعاملة المواطنين عبر الحق في تلقي التعليم العام» (المادة 22).
لا يطلب الفلسطينيون من لبنان ما هو فوق طاقته، لكنهم يعتقدون ان في إمكان الحكومة اللبنانية ان تبادر إلى صوغ التشريعات الملائمة لتعديل قانون منع التملك للفلسطينيين، والسماح لهم بالعمل في مختلف المهن، وتسهيل حقهم في تأليف الجمعيات والمؤسسات الأهلية التعليمية والصحية والرياضية بما في ذلك انتخاب هيئاتهم التمثيلية وإصدار الصحف والمجلات… الخ، وإشراك السكان في صنع القرارات المتعلقة بمستقبلهم كإدخال اللجان الشعبية الفلسطينية المنتخبة في الهيئات المشتركة اللبنانية ـ الفلسطينية التي ربما تنشأ في المستقبل. وهذه التشريعات لا تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية التي لها الحق في الدخول إلى المخيمات كلها، وان تنشئ في كل مخيم مخفراً يمثل سلطتها المباشرة على ان يكون واضحا تماما ان لا عودة إلى ما قبل سنة 1969، ولا عودة إلى ما قبل سنة 1982 في الوقت نفسه.

فلسطين – السفير اللبنانية .

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً