مصر: عن القضاة والجنرالات

shello
shello 2014/04/01
Updated 2014/04/01 at 9:50 صباحًا

rrdlde3l

بوصفه كبير قضاة لمحكمة جنائية في مدينة المنيا يوم 24 آذار (مارس)، لا شك أن سعيد يوسف جذب الكثير من الانتباه، وليس فقط بسبب الـ529 رجلاً الذين حكم عليهم بالإعدام. فقد أثار الحكم الجماعي الذي تم النطق به بعد جلستي استماع قصيرتين فقط، احتجاجات جماعات حقوق الإنسان الأجنبية والمحلية، ونقابة المحامين المصرية، والحكومات الغربية والأمم المتحدة. كما اندلعت الاحتجاجات في الشوارع والجامعات في جميع أنحاء مصر، تعاطفاً مع الرجال المدانين المتهمين بشكل جماعي بالاشتراك في مقتل رجل شرطة واحد. وقد قوبل الحكم في الداخل والخارج على حد سواء بمشاعر الحيرة والذهول، بقدر ما قوبل بالغضب.
ربما كان المقصود بهذا الحكم أن يكون عرضاً لدولة ناضلت لسحق الاضطرابات في أعقاب الانقلاب الذي وقع في شهر تموز (يوليو) وأطاح بالرئيس محمد مرسي الذي كان منتخباً، لكنه أصبح غير شعبي باطراد. ومع ذلك، أفضت هذه الخطوة إلى تعميق الانقسامات في المجتمع المصري، حيث أيقظت بشكل خاص أحزان ومظالم مؤيدي مرسي الإسلاميين ضد النظام الحالي في لحظة حرجة. وكان المحرك الأساسي وراء الانقلاب، المشير
عبد الفتاح السيسي، قد استقال من منصبه كوزير للدفاع يوم 26 آذار (مارس)، وأعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها بحلول تموز (يوليو) المقبل.
مع ذلك، من غير المرجح أن يبدد حجم وقسوة الحكم غير المسبوقين في التاريخ القانوني المصري فرص المشير السيسي في الفوز بالرئاسة. فمن ناحية، لا يرجح تنفيذ الحكم في المدانين. وفي حقيقة الأمر، ربما كان يقصد إلى أن يكون تحذيراً أكثر من أن يكون عقاباً نهائياً. ووفق القانون المصري، لا بد أن يوافق المفتي العام على أحكام الإعدام، وهو سلطة دينية إسلامية تعينه الدولة وتندرج هذه المصادقة ضمن صلاحياته. كما يمكن أن تخضع هذه الأحكام للاستئناف، وهي عادة ما تذهب تلقائياً إلى إعادة المحاكمة عندما يتم إصدارها غيابياً، كما كان الحال مع 398 من مجموع الـ529 الذين تمت إدانتهم في هذه القضية –في حال قام المحكوم بتسليم نفسه.
يتفق الخبراء على أن المخالفات القانونية في هذه المحاكمة كانت ظاهرة بشكل صارخ، حتى أن أي إعادة للمحكمة ستنتج أحكاماً أخف بشكل شبه مؤكد. وكانت تلك هي النتيجة في حالة محاكمات مماثلة جرت في السابق؛ ففي شهر تشرين الأول (أكتوبر)، قامت محكمة استئناف في الإسكندرية بإطلاق سراح 14 من النساء الشابات اللواتي كان قد صدر ضدهن حكم سابق بالسجن لمدة 11 عاماً مع الأشغال الشاقة بتهمة “الشغب”.
وإذن، لماذا حكم السيد يوسف في هذه القضية الأخيرة على النحو الذي فعل؟ يشير مؤيدو مثل هذه العدالة القاسية إلى الجريمة نفسها التي تم ارتكابها في شهر آب (أغسطس) الماضي في أعقاب عملية شنتها الشرطة بغير رحمة في العاصمة المصرية، القاهرة، بقصد تفريق اعتصامين يحتجان ضد الإطاحة بالسيد مرسي. وكما هو الحال في العديد من الأماكن المصرية، اندلعت أعمال شغب في بلدة مطاي شمال المنيا، عندما انتشرت الأنباء عن انتشار العنف. ووجهت إلى الرجال الـ529 المدانين تهمة تحطيم أملاك الدولة ومهاجمة مركز شرطة مطاي، حيث قاموا بجر ضابط كبير وضربوه حتى الموت في مستشفى بواسطة أسطوانة أكسجين، وكان الاعتداء الوحشي مسجلاً على فيلم بشكل واضح ومفصل.
خلال الأشهر التي تلت الانقلاب، قُتل أكثر من 300 من رجال الشرطة والجنود في هجمات إرهابية، أو اشتباكات مع المتظاهرين. وقد ألقت الصحافة المصرية في شبه إجماع باللوم في هذه الحوادث على جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنتها الدولة رسمياً منظمة إرهابية في كانون الأول (ديسمبر). هذا على الرغم من وجود أدلة على أن جماعات أكثر تطرفاً من الإسلاميين هي التي هاجمت جماعة الأمن، وعلى الرغم من قتل ما يقدر بحوالي 3.000 مدني، معظمهم من أنصار السيد مرسي.
يشير السيد ناثان براون، الخبير الأميركي في النظام القانوني المصري، إلى أن قضاة البلد يميلون إلى عرض أنفسهم فوق الجميع كحماة للدولة المصرية. وخلال فترة السيد المرسي القصيرة في الحكم، غالباً ما احتجوا ضد ما رأوا فيه جهوداً تبذلها جماعة الإخوان للحد من استقلال القضاء. وقد شعروا بأن الدولة “أصبحت تحت هجوم شديد تشنه قوى غريبة”، كما يقول السيد براون. ويمكن النظر إلى الحكم القاسي الذي أصدره السيد سعيد على أنه جزء من جهد يرمي إلى إعادة تأكيد هيمنة الدولة.
على نطاق واسع، يُنظر إلى فوز المشير السيسي في الانتخابات القادمة على أنه واقع حتمي لا مفر منه. وكان قليل من المرشحين فقط على استعداد للوقوف ضد الضابط الذي يحظى بالشعبية، والذي يحوز على الدعم الكامل من الجيش القوي، بالإضافة إلى التمويل الذي تقدمه دول عربية غنية في الخليج. ويرجح أن يقوم خصومه الإسلاميون بمقاطعة الانتخابات على أي حال، لكن ذلك سيتركه مع معضلة. هل سيواصل الحملة القاسية ضد المعارضة، أم أنه سيطرح نفسه بوصفه رجلاً توفيقياً، فيفكر في الطلب إلى المحاكم نقض الأحكام من نوع تلك التي أصدرها السيد يوسف؟ ذلك الحكم، من الجنرال السابق، لم يأت بعد.

الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً