معادلة الثورة- الدولة في الانتخابات الرئاسية المصرية

shello
shello 2014/05/08
Updated 2014/05/08 at 9:47 صباحًا

Mideast Egypt

ظاهرة لافتة للنظر في مصر، قبل أسابيع من انتخابات رئاسة الجمهورية. وهي تستدعي المقارنة بين الوضع الحالي وذلك الذي كان قبل أقل من عامين (حزيران – يونيو 2012).

والظاهرة محل الحديث، هنا، والتي تتمثل في ثنائية «السيسي/ صباحي» كمرشحين في انتخابات الرئاسة المقبلة، تطرح التساؤل: لماذا انخفض عدد مرشحي الرئاسة هذه المرة عن سابقتها إلى هذا الحد؟ ما هي الأسباب الدافعة إلى ذلك؟ وما هي التداعيات الناتجة منه؟

بداية، يمكن القول إن أحد أهم أسباب الظاهرة هو الاختلاف الواضح في طبيعة المناخ السياسي العام في مصر بعد ثورة «25 يناير» عنه بعد ثورة «30 يونيو»، إذ تراجع تيار الإسلام السياسي كـ «فاعل مهم» في الحراك السياسي والمجتمعي، وتقلصت شعبيته بعد هذه الأخيرة التي عصفت بحكم جماعة الإخوان. ومن ثم، توارت رموز هذا التيار، وأصبحت في المواقع الأبعد عن إمكان خوض غمار التنافس الانتخابي على منصب رئيس الجمهورية.

ضمن أهم الأسباب أيضاً: أن المصريين أنجزوا ثورتين، وأسقطوا نظامين، ووضعوا رئيسين خلف القضبان في زمن قياسي، ما يعني تغيراً جذرياً في طبيعة الشخصية المصرية يؤشر إلى الاستعداد للخروج على أي رئيس قادم لا يستطيع -طوعاً أو كرهاً- تحقيق الحد الأدنى من مطالب المصريين المجتمعية. ولعل هذا التغير يبدو بوضوح في كتلة الشباب، التي تمثل ما لا يقل عن «ثُلث» الشعب، إن لم تكن تزيد.

ومن ثم، لماذا لا يكون الخوف -أو في الحد الأدنى الحذر- من مثل هذا الاحتمال دافعاً إلى أن ينسحب الكثيرون من السباق الرئاسي، بخاصة في ظل الظروف والملابسات التي تمر بها مصر، والتي تُعبر عن مشكلات أقل ما يقال بشأنها إنها «مزمنة».

هناك سبب أخير كذلك، يرتكز إلى الخبرة السياسية الناتجة من الانتخابات الرئاسية السابقة، والنسبة التي حصل عليها كل مُرشح من الكتلة التصويتية، وهو ما مثّل اختباراً عملياً دفع الكثير من المرشحين إلى التراجع عن الترشح في هذه الانتخابات.

وفي الإطار نفسه، إطار الخبرة السياسية، يُمكن تفهُّم دوافع الانسحاب المتتالي لبعض الرموز من ذوي الخلفية العسكرية (سامي عنان، أحمد شفيق)، لمصلحة السيسي، بخاصة بعد تزايد شعبيته أثناء ثورة «30 يونيو» وبعدها، إذ أصبح في تلك اللحظة التاريخية «الرمز الأكبر» لهذه الثورة.

صحيح أن قرار المشاركة -أو حتى التصويت- في انتخابات رئاسة الجمهورية من عدمه، هو قرار فردي يعبر عن رؤية شخصية ويجب احترامه، إلا أنه يبقى من الصحيح أيضاً، أن انسحاب البعض من السباق الرئاسي، وتحديداً المدنيون منهم (خالد علي كمثال)، يمكن أن يُعطي رسالة سلبية، مفادها أن نتيجة الانتخابات هذه المرة واضحة للعيان، وأن تسمية الرئيس القادم أمر محسوم، وبالتالي فإن هذا السباق -كما يُفيد مضمون الرسالة السلبية- ما هو إلا «حفل جماعي» لتتويج السيسي. غير أن هذا -في اعتقادي الشخصي- أمر غير صحيح على إطلاقه، إذ إن هناك بعض المؤشرات التي يُمكن أن تقلل من رجحان هذا الاحتمال السائد لدى الكثير من السياسيين المصريين.

أهم هذه المؤشرات أن المعادلة الحاكمة لسباق الرئاسة القادم أصبحت تتمثل في ثنائية «الثورة/ الدولة»، وهي معادلة يُعبر كل من طرفيها عن مجموعة من المصالح المجتمعية لقطاعات في المجتمع المصري تملك من الآمال والطموحات ما يجعلها «تُقاتل» في سبيل الوصول إليها.

وهنا، فإن السيسي يُعبر بوضوح عن أحد طرفي هذه المعادلة، وهو الطرف الخاص بـ «بقايا الدولة»، هذا على رغم أنه «الرمز الأكبر» لثورة «30 يونيو»، لكنه بالتأكيد ليس الرمز الوحيد، فالرجل كان يقف -إلى أيام قليلة مضت- على قمة أهم مؤسسات الدولة المصرية، المؤسسة العسكرية، ودافع عنها ضد محاولات الإخوان في التعامل باستخفاف مع ملفاتها الأمنية.

فإذا لاحظنا الكتلة التصويتية الدافعة لهذا الطرف من المعادلة، سنجد أنها تتكون من جزأين كبيرين، أحدهما الجزء الخاص بـ «رجال الأعمال» والمستفيدين من سطوة الحزب الوطني في التحكم بأمور البلاد والعباد على امتداد عقود من الزمان، وهو الجزء الأقوى مادياً وإعلامياً. أما الجزء الآخر، فهو أجيال المصريين التي تجاوزت الخمسين من العُمر، والتي لم تستطع تحقيق أحلامها وآمالها عبر عقود فألقت بطموحاتها على فكرة «الزعيم»، وتمثلت صورته في شخص السيسي.

أما الطرف الثاني من المعادلة، الطرف المتعلق بـ «بقايا الثورة»، فيُعبر عنه صباحي، فالرجل كان رمزاً من رموز المعارضة، سواء ضد نظام مبارك أو نظام الإخوان، كما أنه كان من بين الرموز الواضحة في ثورة يناير، وبشكل نسبي في ثورة يونيو، ناهيك عن أنه يُقدم نفسه كـ «ممثل» لمشروع تحقق بعض ملامحه في ظل زعامة جمال عبدالناصر.

فإذا لاحظنا الكتلة التصويتية الدافعة لهذا الطرف من المعادلة، سنجد أنها تتكون من جزأين أساسيين: الجزء الأقل، وهو المتعلق بـ «فئة المعارضين» لأي شخصية ذات خلفية عسكرية، لأنهم يرون في السيسي أنه لا يُلبي طموحاتهم في بناء مجتمع مدني حضاري، وهي فئة تنتمي إلى قطاع ليس بالقليل من المثقفين واليسار السياسي المصري، أما الجزء الأكبر، فهو تلك الكتلة من الشباب، وهي الكتلة التي ترى في السيسي رمزاً لأهم ما يريدون التخلص منه: الحكم العسكري، وربما هذا ما يُفسر الانقسام الحاصل في كثير من الأحزاب السياسية المصرية بين القيادات والقيادات الوسيطة، وبين شـــباب هذه الأحزاب حول تسمية أي من المرشحين والتصويت له.

وعموماً، فإن هذه الكتلة من الشباب المصري، لها من الفاعلية ما يجعلها مؤثرة، هذا في حال نجح صباحي في اكتسابهم إلى جانبه. مثل هذا التأثير يبدو بوضوح إذا تأملنا كيف تجاوز هؤلاء الشباب أجيالاً من النخبة والسياسيين الذين عاشوا على «حُلم الثورة» طويلاً من دون تحقيقها، فكان الشباب بمثابة «رأس الرمح» في تحقيق أكبر ثورتين في تاريخ مصر والعرب، وربما العالم.

لكن تبقى كتلةٌ تصويتية لها من التأثير ما يجعلها «عاملاً مهماً»، في السباق الرئاسي، وهي كتلة تيار الإسلام السياسي وأنصاره، منقوصاً منها «حزب النور» وأنصاره. وهنا نجد أنفسنا أمام أحد احتمالين: أحدهما أن تتم مقاطعة الانتخابات من جانب أنصار هذا التيار، وفي هذه الحال تكون نتيجة الانتخابات في اتجاهها لمصلحة السيسي، أما الاحتمال الآخر، فهو أن يتم التصويت من جانب هؤلاء -وإن على مضض- لمصلحة صباحي، فنكون أمام «الاحتمال- المفاجأة».

وهكذا، يبدو أننا أمام معادلة وإن كانت ثنائية هي، في الوقت نفسه، مُعقدة التوجهات، وعلى خلاف ما يعتقده الكثيرون، فإن «الميل» لمصلحة أحد طرفيها هو أصعب من أن يتوقعه أحد.

ما يُمكن التشديد عليه هنا، من حيث إن نتائجه قابلة للتوقع، بحُكم الخبرة التاريخية القريبة، هو «التغير» الحاصل في طبيعة الشخصية المصرية، وهو التغير الذي من المفروض، بل من المطلوب أن يكون في حسبان أي من المرشحين، خصوصاً أن هذا التغير يأتي مصاحباً لمطالب الثورتين، التي تجمعت في «الحرية، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني».

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً