من يصنع سياسة طهران العربية؟

shello
shello 2014/05/27
Updated 2014/05/27 at 10:14 صباحًا

rouhai

 

يجب أن تجعل الجغرافيا وحدها من العالم العربي بؤرة تركيز السياسة الخارجية الإيرانية. فمن أصل جيران إيران المباشرين الثلاثة عشر، هناك سبعة بلدان عربية. لكن مقاربة إيران للعالم العربي بدوله الاثنتين والعشرين الممتدة من شمال إفريقيا إلى الجزيرة العربية تختلف على نحو كبير من حيث الكثافة، كما أن أهداف وغايات إيران تختلف بنفس المقدار تبعاً للبلد المعني. بعبارات أخرى، لا تملك إيران أي “سياسة عربية” من هذا القبيل، لكنها تفضل تبني نهج ثنائي تجاه كل بلد عربي. وهذا يعكس حقيقة أنه عندما يفكر القادة في طهران في العلاقات مع الدول العربية، فإنهم عادة لا يرون العديد من الفرص، وإنما العديد من التحديات التي تواجه المصالح الإيرانية أيضاً.
مع ذلك، هنا ينتهي الإجماع على موضوع علاقات إيران مع العالم العربي. وتظهر النقاشات الدائرة في داخل الدولة الإيرانية أن قيادة البلد منقسمة بشكل عميق حول موضوع العلاقات المستقبلية مع العالم العربي. وقد عملت تجربة إيران المضطربة مع الثورات العربية منذ العام 2012 -من رفض الإخوان المسلمين في مصر لها، إلى اضطرارها للوقوف إلى جانب بشار الأسد في حرب سورية الأهلية الدموية- على مفاقمة هذا التنافس في سياسة طهران.
الصراع الداخلي
على أحد الجوانب، هناك الرئيس حسن روحاني وجناحه المعتدل الذي دعا بالصوت العالي إلى إعادة النظر في نهج إيران تجاه العالم العربي. وخلال حملة روحاني الانتخابية، كان واحدا من وعوده في إطار السياسة الخارجية، والذي ذكر فيه أحد البلدان بالاسم، هو إصلاح العلاقات المكسورة مع المملكة العربية السعودية، المنافس العربي لإيران.
يشكل آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، معلم روحاني لوقت طويل وأحد آباء النظام، الوجه العام المعلن لنهج مد اليد والتقارب مع السعودية. وفي أوائل أيار (مايو) الحالي، قال رفسنجاني لوفد برلماني إيطالي زائر: “لدى أخذ الأمور الإقليمية والإسلامية المشتركة والتجارب العملية السابقة بعين الاعتبار في إذابة جليد العلاقات، (فإن إيجاد) الحل للقضايا (القائمة) البلدين يعتبر أمراً سهلاً جداً”.
تشكل هذه اللغة أخباراً مرحبا فيها جداً في الرياض. وكما قال عبد الرحمن الراشد، المعلق السعودي المرموق: “إن توصية رفسنجاني بالتصالح مع العربية السعودية هي قرار حكيم سيفيد الجميع، ويضع حداً لبؤس الملايين من السوريين واللبنانيين واليمنيين والأفغان وغيرهم”. وكان الراشد يشير بذلك إلى حقيقة أن طهران والرياض تنخرطان في الشرق الأوسط الكبير اليوم في العديد من الحروب بالإنابة، من اليمن إلى سورية، ومن مصر إلى باكستان. وتقر العقول الهادئة الأكثر حكمة في كلا البلدين بأن اللوم عن هذه الحروب بالإنابة هو أمر يتقاسمه البلدان.
لكنه بنفس القدر الذي يحبذ معه السعوديون رؤية رفسنجاني وجماعته وهم يغيرون سياسة طهران الإقليمية، فإنهم يرون أن الأسباب الجذرية الكامنة وراء الشقاق بين إيران والعرب تكمن في مكان آخر. وهو ما يعبر عنه الراشد، الذي يفصح عن موقف طالما كرره العرب الخليجيون الآخرون بين الفينة والأخرى، بهذه الطريقة: “إن الطرف الذي يحكم إيران راهناً هو الحرس الثوري، وهو وحده نخبة شبه عسكرية تحولت من قوة تخدم سلطة ثيوقراطية إلى جيش يخدمه رجال متدينون”.
هذه النظرة إلى ديناميات إيران السياسية الداخلية تبدو تبسيطية إلى حد ما، لكنها تظل تتضمن الكثير من الحقيقة أيضاً. عندما ينظر العرب الخليجيون إلى السلوك الإيراني، فإنهم يجدون من جهة غصن زيتون ممدوداً من جانب أشباه روحاني ورفسنجاني أو وزير الخارجية جواد ظريف الذي جال مؤخراً في دول الخليج وتلقى دعوة لزيارة المملكة العربية السعودية، ويشاهدون من جهة أخرى الجنرالات الصقور من الحرس الثوري وهم لا يتحدثون بلغة القهر وحسب، وإنما يبدون مصممين بوضوح أيضاً على توسيع نفوذ إيران الإقليمي. ويرى العرب الخليجيون راهناً هذا التصميم لدى منظري الخط المتشدد في إيران وهو يتجسد بقوة كاملة في سورية والعراق ولبنان، وفي أمكنة أخرى في المنطقة أيضاً.
فارق دقيق مهم لا
يكاد يُدرَك بالنسبة للعرب
بالرغم من ذلك، فإن حقيقة كون العرب الخليجيين يرغبون الآن في الاعتراف مرة أخرى وجهاراً بأن الروايات المتنافسة ووجهات النظر العالمية المتنافسة توجد في صفوف نظام طهران، إنما تشكل تطوراً مهماً في حد ذاتها.
لطالما لعبت التصورات العربية للنوايا الإيرانية في العقدين الماضيين دوراً كبيراً في توجيه دفة الروابط. ففي منتصف التسعينيات، كان مد رفسنجاني، الذي كان الرئيس في حينه، يده إلى الرياض، والذي لقي ترحيباً وإطراءً كثيراً، هو ما جلب بنجاح نهاية 15 عاماً من التغريب بين إيران والعربية السعودية، والذي كان قد بدأ مع قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979.
عاد الفضل في نجاح رفسنجاني بشكل رئيسي إلى قدرته على تغيير تصورات السعوديين والدول الخليجية الأخرى. وقد تكثفت، في ظل حكم رفسنجاني، أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، مثل الرغبة في إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي والسعي إلى الوفاق مع واشنطن بعد عزلة إيران في الثمانينيات. وبالنسبة للعرب جاءت اللحظة الفارقة عندما قلل رفسنجاني، وبشكل عميق، من الخطاب السياسي الثوري العدائي الذي كان قد أصاب جيران إيران بالتوتر. وأظهر العرب، في تجاوبهم مع الخطوة الإيرانية، أنهم ليسوا معارضين لعودة إيران وخلاصها من العزلة الدولية، لقد سعوا فقط، وتلقوا تأكيدات من طهران على أن النظام كان جاداً في إقران أقواله بالأفعال.
بالإضافة إلى ذلك، استغل، رفسنجاني صلاته الشخصية الوثيقة مع القادة العرب، وخاصة مع ولي العهد السعودي في حينه عبد الله بن عبد العزيز، وقد آتت ضماناته أكلها بسرعة في شكل زيادة سريعة في حجم التجارة، وحتى في تفعيل تنسيق إيراني سعودي تنسيقاً أوثق في سياسة تسعير النفط داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبيك”. وهكذا، استطاع رفسنجاني بسرعة إنهاء الكثير من الضغينة التي كانت موجودة في السابق. وما يزال السعوديون إلى اليوم يعتبرون فترة رفسنجاني بمثابة الحقبة الذهبية للعلاقات السعودية الإيرانية.
يبقى هذا التشديد على تشكيل التصورات عبر الدبلوماسية الشخصية مهماً فيما تتطلع طهران ثانية إلى تبديد مخاوف القادة العرب الخليجيين. وعندما تدرس البلدان العربية الأصغر إيران، وترى أنها تقف في مواجهة عملاق يبلغ عدد سكانه 80 مليون نسمة -أكثر من ثلاثة أضعاف حجم السكان الأصليين في دول مجلس التعاون الخليجي الست مجتمعة- وعندما تتحدث طهران، فإنهم يستمعون بتوجس. كما أن حقيقة وقوف إيران اليوم على عتبة أن تصبح دولة نووية إنما ترفع فقط من وتيرة المخاوف العربية.
إذا كان رفسنجاني (1989-1997) وخلفه محمد خاتمي (1997-2005) قد أدركا الحاجة إلى التخفيف من المخاوف العربية، فإن محمود أحمدي نجاد (2005-2013) وداعميه الأصليين في الحرس الثوري، استطاعوا تبديد النوايا الحسنة التي كانت قد تولدت في العقد السابق. وقد جسد المتطرف أحمدي نجاد عكس ما كان العرب الخليجيون يتطلعون بأمل إلى سماعه من طهران. ومع الوقت الذي طلبت الدول الخليجية تطمينات بخصوص برنامج إيران النووي، رفع أحمدي نجاد من وتيرة الإنذار لديهم عبر الإدعاء بأن “البرنامج النووي الإيراني هو وسيلة مركبة بلا فرامل”.
هل يستطيع روحاني أن يسود؟
تولى روحاني الرئاسة على بطاقة الوقوف ضد الخطاب الضار بمصلحة بلده. وفي عامه الأول في الرئاسة، استمر في مواجهة الصقور في طهران. وبوصفه هذه الشخصيات بأنها “أمية” لا تفهم السياسة الدولية، وتلجأ إلى إطلاق الشعارات الفارغة -وإنما المكلفة- يسعى روحاني للعودة إلى حقبة رفسنجاني وإلى طمأنة جيران إيران في الخليج.
على سبيل المثال، في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2013، وبعد ستة أشهر وحسب من تولي روحاني الرئاسة، أزالت إيران سرباً من الطائرات المقاتلة من جزيرة أبو موسى، الجزيرة المتنازع عليها مع دولة الإمارات العربية المتحدة في الخليج. واستهدفت هذه الإيماءة نزع فتيل التوتر وتخفيف التصعيد مع الولايات المتحدة بشكل أساسي، لكن الدول الخليجية لم تفتها ملاحظة الإيماءة.
مع ذلك، واجه روحاني معركة صعبة مع المنتقدين الصقور لديه. وثمة الكثير من صناعة نهج إيران في المنطقة، يتكشف في وجهة النظر العامة. ففي ضربة غير مخطئة موجهة للقادة الرفيعين في الحرس الثوري، كرر روحاني مؤخراً تحذيره من ترديد الشعارات الفارغة والمكلفة. وقال: “من المهم جداً أن يصوغ المرء عباراته وكلماته بطريقة لا تفسر على أنها تهديد أو نية لتوجيه ضربة”. وكما لو أنه يوبخ مجموعة من المراهقين، نعى روحاني مظاهر”إطلاق الصواريخ وإجراء التمارين العسكرية لتخويف الجانب الآخر، باعتبار أن هذه الوسائل لا تشكل رادعاً جيداً”. وفي هذا النزاع داخل النظام، يدّعي روحاني بأنه يمتلك اليد العليا، إذ قال محذراً منتقديه “إنني أحوز الدعم من القائد الأعلى”.
حتى الآن، ما يزال بعض منافسي روحاني الرئيسيين غير مستعدين بعد للتراجع عن موقفهم. فقد ظهر محمد علي جعفري، رئيس الحرس الثوري متصلباً بالمثل. وقال: “إن البعض لا يظهرون وجههم الحقيقي (نواياهم)”. وهذا الاتهام عامّ مرفوع ضد إدارة روحاني، مع الإيحاء بأن دوافعها فيما يتعلق بالسياسة المحلية والخارجية مختلفة عن تلك التي تعلنها صراحة، وأن هدفها النهائي تحديداً هو إضعاف الطبيعة الثورية والإسلامية للنظام. وعلى النقيض من روحاني، يرى جعفري والصقور الآخرون أن إيران هي قوة صاعدة في المنطقة، ويقولون إنه إذا ما كان على جهة أن تتغير، فهي خصوم إيران من العرب.
تظل محصلة هذه المنافسة في داخل النظام في طهران بعيدة عن الوضوح. وسوف يعتمد الكثير على الكيفية التي يستقبل بها العالم وجيران إيران تعهد روحاني بخلق إيران معتدلة جديدة. ومن شأن الرفض الفوري لخطاب روحاني أن يشجع وحسب السرد الصقري البديل والنظرة العالمية المتشددة.
لقد أدرك العرب الخليجيون بوضوح هذا الانشطار في النظام الإيراني، واختار البعض أن  يأمل بالمراهنة على أن فصيل روحاني هو الذي سينتصر. ويتجسد أحد الأمثلة الجيدة على ذلك في تقارب إيران مع سلطنة عمان، بما في ذلك زيارة روحاني لمسقط في آذار (مارس) الماضي، وتوقيعه صفقة للغاز الطبيعي مقومة بعدة بلايين من الدولارات هناك. لكن آخرين، وخاصة السعوديين، يعتقدون، ولو أنهم يرغبون بأن تكون الأمر عكس ذلك، بأن بأن الصقور الثوريين هم الأكثر احتمالاً لإدارة دفة سياسة تدخلية حيال العالم العربي.
بينما تظل الكثير من التحفظات السعودية مشروعة، فإن هناك خطر من تحكيم نبوءة مرضية للذات لتقييم مسار سياسات إيران العربية. ومن شأن الإجراءات المعادية لإيران من جانب الرياض، وخاصة تلك المغلّفة بصبغة طائفية والمعادية للشيعة، أن تضعف موقف روحاني في طهران، وبالتالي مشروع وصوله الإقليمي. ومع ذلك في هذا الوقت، يشير حتى السعوديون إلى بعض الأمل باحتمال نجاح جانب روحاني، بتوجيههم دعوة مؤخراً لوزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، لزيارة المملكة العربية السعودية.
من خلال التأكيد على وجود أصوات إيرانية معتدلة، يستطيع العرب الخليجيون أن لا يأملوا وحسب، وإنما أن يساعدوا في الحقيقة، في تمكين أولئك في طهران ممن يتطلعون إلى طي صفحة علاقات إيران المضطربة مع جاراتها من الدول العربية الخليجية.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً