نقطة الانفجار العالمي قد تكون في آسيا

shello
shello 2014/05/19
Updated 2014/05/19 at 10:36 صباحًا

5n3gu49h

نيويورك- ليس الخطر الجيوسياسي الأكبر الذي يتهدد عصرنا هو الصراع بين إسرائيل وإيران بشأن الانتشار النووي. وهو أيضاً ليس خطر الاضطرابات المزمنة في قوس عدم الاستقرار الذي يمتد الآن من المغرب وصولاً إلى سلسلة جبال هندوكوش. حتى أنه ليس خطر اندلاع الحرب الباردة الثانية بين روسيا والغرب بشأن أوكرانيا.
إن كل هذه المخاطر حقيقية بطبيعة الحال؛ ولكن أياً منها ليس بجسامة التحدي المتمثل في الحفاظ على الطابع السلمي لصعود الصين. ولهذا السبب، كان من المثير للقلق الشديد أن نسمع المسؤولين والمحللين اليابانيين والصينيين وهم يشبهون العلاقة الثنائية بين بلديهما بالحال التي آلت إليها العلاقة الثنائية بين بريطانيا وألمانيا عشية الحرب العالمية الأولى.
إن الخلافات بين الصين والعديد من جيرانها حول الجزر المتنازع عليها والمطالبات البحرية (بدءاً بالنزاع مع اليابان) ليست سوى غيض من فيض. فمع تحول الصين إلى قوة اقتصادية عظمى، فإنها سوف تعتمد بشكل متزايد على طرق الشحن الدولية في جلب وارداتها من الطاقة، وغير ذلك من المدخلات والسلع. وهذا يعني ضمناً الحاجة إلى إنشاء قوة بحرية قادرة على العمل في المياه العميقة لضمان منع إمكانية خنق اقتصاد الصين بسبب حصار بحري.
لكن ما تعتبره الصين حتمية دفاعية، قد يراه جيران الصين والولايات المتحدة عدواناً ونزعة توسعية. وما قد يبدو كحتمية دفاعية في نظر الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا -بناء المزيد من القدرة العسكرية في المنطقة لإدارة صعود الصين- قد تراه الصين محاولة عدوانية لاحتوائها.
تاريخيا، كان الصراع العسكري ينشأ دوماً كلما ظهرت قوة جديدة وواجهت قوة قائمة. فقد أدى العجز عن استيعاب صعود ألمانيا إلى حربين عالميتين في القرن العشرين؛ وكانت المواجهة بين اليابان وقوة أخرى مطلة على المحيط الهادئ -الولايات المتحدة- سبباً في جلب الحرب العالمية الثانية إلى آسيا.
بطبيعة الحال، لا توجد قوانين صارمة تحكم التاريخ: فليس من المحتم أن تكرر الصين ومحاوروها أحداث الماضي. ولعل بعض العوامل مثل التجارة والاستثمار والدبلوماسية كفيلة بنزع فتيل التوترات المتصاعدة. ولكن هل تفعل ذلك حقا؟
لقد سئمت القوى العظمى في أوروبا أخيراً من ذبح بعضها بعضا. وفي مواجهة تهديد مشترك من قِبَل الكتلة السوفييتية، وتحت إلحاح من الولايات المتحدة، قررت البلدان الأوروبية بناء المؤسسات اللازمة لتعزيز السلام والتعاون، وأدى ذلك إلى إنشاء الاتحاد الاقتصادي والنقدي، والآن الاتحاد المصرفي، وربما الاتحاد المالي والسياسي في المستقبل.
بيد أن مثل هذه المؤسسات لا وجود لها في آسيا، حيث تظل المظالم التاريخية القديمة بين الصين واليابان وكوريا والهند وبلدان أخرى جروحاً مفتوحة. حتى أن اثنين من أكثر حلفاء أميركا أهمية -اليابان وكوريا الجنوبية- ينخرطان في صراع مرير حول قصة “نساء المتعة” الكوريات اللاتي أجبِرن على العمل في بيوت البغاء العسكرية اليابانية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، رغم اعتذار اليابان رسمياً قبل عشرين عاما.
ولكن، لماذا أصبحت مثل هذه التوترات بين قوى آسيا الكبرى أشد خطورة، ولماذا الآن؟
في البداية، انتخبت القوى الآسيوية مؤخراً -أو تستعد الآن لانتخاب- زعماء أكثر قومية من الذين سبقوهم. فكل من رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، والرئيس الصيني شي جين بينج، ورئيسة كوريا الجنوبية باك كون هيه، ونارندرا مودي الذي من المرجح أن يصبح رئيس وزراء الهند المقبل، يندرج ضمن هذه الفئة.
وثانيا، يواجه كل هؤلاء الزعماء الآن تحديات هائلة نابعة من الحاجة إلى الإصلاحات البنيوية للحفاظ على معدلات نمو مُرضية في مواجهة القوى الاقتصادية العالمية التي تعمل على تعطي النماذج القديمة. والواقع أن أنماطاً مختلفة من الإصلاحات البنيوية تشكل أهمية بالغة في الصين واليابان والهند وكوريا وإندونيسيا. وإذا فشل الزعماء في واحد أو أكثر من هذه البلدان على الجبهة الاقتصادية، فإنهم قد يستشعرون قيوداً سياسية تجعلهم يلقون باللوم على “أعداء” خارجيين.
ثالثا، يتساءل العديد من حلفاء الولايات المتحدة في آسيا (وأماكن أخرى) حول ما إذا كان “محور” أميركا الاستراتيجي الأخير في آسيا جدير بالمصداقية. فنظراً لضعف استجابة الولايات المتحدة للأزمة في سورية وأوكرانيا وغير ذلك من البقاع الجيوسياسية الساخنة، يبدو الغطاء الأمني الأميركي في آسيا وأنه يصبح بالياً باطراد. والآن تختبر الصين مصداقية الضمانات الأميركية، وهو ما من شأنه أن يثير احتمالات اضطرار أصدقاء أميركا وحلفائها -بدءاً باليابان- إلى تولي معالجة المزيد من احتياجاتهم الأمنية بأنفسهم.
أخيراً، وعلى النقيض من أوروبا، ففي حين تقبلت ألمانيا اللوم على أهوال الحرب العالمية الثانية وساعدت في قيادة الجهود التي دامت عقوداً من الزمان لبناء الاتحاد الأوروبي، فلا وجود لمثل هذه الاتفاقات التاريخية بين البلدان الآسيوية. ونتيجة لذلك، غُرِسَت المشاعر الشوفينية في أجيال بعيدة زمنياً عن أهوال حروب الماضي، في حين ما تزال المؤسسات القادرة على تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسية في مهدها.
الواقع أنها تركيبة قاتلة من العوامل التي تهدد في نهاية المطاف بتفجير الصراع العسكري في منطقة رئيسية من الاقتصاد العالمي. ولكن كيف يمكن أن تحول الولايات المتحدة محورها بأي قدر من المصداقية نحو آسيا على النحو الذي لا يغذي التصورات الصينية لمحاولات الاحتواء أو تصورات حلفاء الولايات المتحدة بأنها تسترضي الصين؟ وكيف قد تتمكن الصين من بناء القدرة العسكرية الدفاعية المشروعة التي تحتاج إليها أي قوى عظمى وتستحقها من دون إثارة قلق جيرانها والولايات المتحدة من أن يكون هدفها هو الاستيلاء على المناطق المتنازع عليها أو أنها تطمح إلى فرض هيمنتها الاستراتيجية على آسيا؟ وكيف قد تكون القوى الأخرى في آسيا على ثقة بأن الولايات المتحدة سوف تدعم مخاوفها الأمنية المشروعة، بدلاً من هجرها وتسليمها للهيمنة الصينية؟
سوف يتطلب الأمر قدراً هائلاً من الحكمة من جانب زعماء المنطقة -والولايات المتحدة- لإيجاد حلول دبلوماسية للتوترات الجيوسياسية والجغرافية الاقتصادية العديدة في آسيا. وفي غياب المؤسسات الإقليمية الداعمة، فلا توجد خيارات أخرى كثيرة لضمان الغَلَبة للرغبة في السلام والرخاء، وليس الظروف والدوافع التي تميل باتجاه الصراع والحرب.

 

الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً