نموذج تونس لجسر الانقسامات السياسية والمجتمعية

shello
shello 2014/03/30
Updated 2014/03/30 at 10:16 صباحًا

images

برشلونة، إسبانيا، وواشنطن- بعد أكثر من عامين من المفاوضات، دخل دستور جديد حيز التنفيذ في تونس في الشهر الماضي. وقد امتدحه كل من الإسلاميين والليبراليين على حد سواء باعتباره نموذجاً للمصالحة والتوافق. ورغم الأزمات السياسية المتنوعة والاقتصاد الراكد، تتفرد تونس بكونها بلد الربيع العربي الوحيد الذي يبدو أنه ما يزال يسير على الطريق الصحيح نحو الديمقراطية.
تظهر إنجازات البلد -كما كان الحال في جنوب أفريقيا قبل عشرين عاماً- أن على قادة البلدان التي تشهد حالة انتقالية أن يجعلوا من الشمولية، إن عاجلاً أو آجلاً، المبدأ التنظيمي الذي يسندون إليه السياسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذا كانوا يأملون في تعزيز السلام والتقدم بالديمقراطية.
عندما يدخل أي بلد مرحلة الانتقال خروجاً من حرب أو دكتاتورية، فإنه يكون من الطبيعي أن يتطلع مواطنوه وهم مفعمون بالآمال العراض وبالتوقعات العالية إلى أن يتغير قادتهم واقتصاداتهم ومجتمعاتهم. لكن القليل جداً من العمليات الانتقالية تسير سيراً حسناً، كما تبيّن.
في مصر، قام أول رئيس منتخب في مصر، محمد مرسي، بتحييد معظم مواطنيه وبني جلدته، ثم أطيح به في انقلاب عسكري كان وقوده الاحتجاج الجماهيري. ومن جهتها، ما تزال ليبيا تكافح من أجل المحافظة على الأمن وسط الانقسامات القبلية والعرقية. وفي ميانمار (بورما)، نثرت الحريات الجديدة بذور الصراع الديني. كما تكافح نيبال منذ أعوام من أجل وضع دستور جديد في غمرة صراعات محلية مريرة. وتؤشر سجلات تتتبع الأوضاع في كل من العراق وأفغانستان ونيجيريا والكونغو على خيبة الأمل.
لعل جزءاً من المشكلة يكمن في أن البلدان الخارجة من حرب أو نظام استبدادي تعاني اليوم من مشكلات لم يسبق للعديد من سابقاتها أن واجهته. وغالباً ما تمنع الانقسامات العرقية والدينية والجغرافية أو الإيديولوجية تشكيل أنظمة حكم مستقلة، والتي ينظر إليها على نطاق واسع بأنها شرعية. كما أن الحكومات الضعيفة التي لا تستطيع التصرف بقدرة ومساواة، تشجع المجموعات على الاقتتال من أجل السلطة، وفق شروط محصلتها صفر. ثم يولد الصراع الصراع، ويدور العمل في دورة مفرغة وقفها. وفي الأثناء، تعاني الاقتصادات بطريقة تسيء إلى معيشة نفس الناس الذين كانت آمالهم العريضة هي التي قدحت زناد فكرة الانتقال في المقام الأول.
تحتاج الانتقالات الجارية في مصر وليبيا واليمن، وفي أمكنة أخرى مثل أوكرانيا، بشكل بائس إلى مبدأ إرشادي يستطيع التركيز على جهود طائفة واسعة من اللاعبين، ويساعدهم في ترتيب الأولويات من بين التحديات العديدة التي يواجهونها. لقد سقطت العديد من هذه البلدان ضحية للصعوبات العميقة المتكدسة ضد النهج الشمولي -أولاً، بوضع قادة يتبنون تفكيراً شمولياً في مراكز السلطة في المقام الأول.
في الديمقراطيات الجديدة التي تتشكل في المجتمعات المقسمة أو المتشظية طائفياً، غالباً ما ينطوي المرشحون ذوو التفكير الشمولي على مشكلة عند التنافس مع مرشحين يلقون القبول لدى ديموغرافيات معينة. وفي الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في مصر، خسر المرشحون الذين كانوا يتمتعون بمنطلقات خطابية وإيديولوجيات أكثر شمولية، تاركين السباق لمرشحين كانا هما الأكثر استقطاباً: السيد مرسي، عضو جماعة الإخوان المسلمين، وأحمد شفيق قائد سلاح الجو المصري الذي كان قد شغل منصب رئيس الوزراء في ظل الرئيس المخلوع حسني مبارك.
“أمة قوس قزح”
لكن جنوب أفريقيا أظهرت، وقد تظهر تونس أيضاً، أن التحولات الانتقالية تستطيع أن تتحرك قدماً عندما تقبل مختلف الفصائل بالحاجة إلى تبني الشمولية والمصالحة. ويجب أن يأخذ هذا النهج في الاعتبار حاجة شرائح المجتمع كافة، بينما تقوم أيضاً ببناء هوية قومية شمولية وأسس للمساواة ومؤسسات منيعة تستطيع البقاء مهما طال زمن التغيير.
بعد نظام الفصل العنصري، بدأ قادة جنوب أفريقيا الديمقراطيون الجدد في استخدام اللقب الشهير “أمة قوس قزح”. وقد وصف اللقب نوع الديموغرافيا التي كانت موجودة في البلد أصلاً، لكنه وصف أيضاً نوع المجتمع الذي تطلع البلد إلى أن يصبح عليه في الحقبة الجديدة. وأشر المصطلح للجنوب أفارقة البيض إلى أنهم يظلون مهمين لمستقبل البلد. كما أنه وفر مصدراً للمرونة عندما كانت مؤسسات البلد بطيئة جداً في تحقيق النتائج، وكانت العواطف متأججة بشكل خاص.
المنهج التونسي
عندما تبنى القادة السياسيون والمجتمعيون رؤية شمولية ويدعمونها بالعمل، تتردد أصداء أقوالهم وأعمالهم، بتداعيات إيجابية في كل ملمح من ملامح الانتقال.
في حالة تونس، نقل حزب النهضة الإسلامي الحاكم السيطرة على الحكومة إلى مجلس وزاري غير حزبي، وتنازل عن عدد من النقاط الحساسة في الدستور -وهي تسويات أثبتت أنها حاسمة لضمان كسب دعم عريض للعملية الانتقالية الديمقراطية.
لقد تصرف قادة النهضة على هذا النحو بسبب مزيج من الضغط العام والمصلحة الذاتية المستنيرة. ولما وجدوا أنفسهم يواجهون الغضب بسبب إخفاقاتهم الخاصة في السلطة، ولأنهم أدركوا مغزى خلع الإخوان المسلمين في الجارة مصر، فهم قادة النهضة أن التسوية والمصالحة هي أمر ضروري من أجل آفاقهم السياسية المستقبلية. وقد أكد هذا العمل حقيقة أن الشمولية ليست مجرد مثال فكري رفيع: إنها ببساطة سياسة ذكية.
الطريق الواقعي الوحيد
نحو مستقبل أفضل
يمكن أن يكون للممارسات الشمولية أثر بالغ، ليس على الملامح المحسوسة للعملية الانتقالية وحسب -بما في ذلك العمليات السياسية والإصلاحات الاقتصادية- وإنما أيضاً على الملامح غير المحسوسة التي نادراً ما تلقى الاهتمام. إنها تستطيع تعزيز التسويات السياسية، أن تقوي الحكومة، وتخفض فرص اندلاع العنف، وتبني الثقة بالنفس والثقة المتبادلة في أنحاء المجتمع ككل.
كما يستطيع المنهج الشمولي أيضاً أن يهاجم مباشرة أصعب التحديات التي تواجهها البلدان التي لديها ظروف بدايات سيئة -تحديداً، الانقسامات المجتمعية طويلة الأمد، والمؤسسات الضعيفة، والصراعات الإقليمية التي ألحقت الضرر بالعديد من البلدان العربية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية.
عن طريق وضع تحديد رؤية ونبرة تواصليتين، تستطيع الشمولية العمل كنسيج يصل بين المكونات، للمساعدة في خفض مواضع الخطأ التي تعصف ببلدان الانتقال، بينما تبنى الثقة والتعاضد اللازمين للمرور من فترة تتسم بالأزمات الحتمية. وقد فهم نيلسون مانديلا ذلك، وتكتشفه تونس راهناً. لكن الشمولية لا تستطيع ضمان نتائج سريعة أو كاملة، وإنما تعرض وحسب ذلك الطريق الواقعي الوحيد في اتجاه مستقبل أفضل.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً