نهاية إردوغان … بقلم : هنري جيه. باركي

shello
shello 2014/03/20
Updated 2014/03/20 at 11:25 صباحًا

1zci6h87

من الصعب تصور كيف أن رئيس وزراء في أي مجتمع يُضبط على شريط مصور وهو يطرد صحفيين لأنه لا يحب وجهات نظرهم، أو يصدر تعليمات إلى محطات تلفزة بوقف بث خطبة لزعيم معارضة في البرلمان، ثم يستطيع أن ينجو بعد ذلك. وما هذا سوى غيض من فيض المزاعم بالفساد التي وجهت إلى وزراء رئيس الوزراء هذا بخاصة، وأسرهم، والأكثر أهمية –ضده وضد ابنه هو نفسه.
أهلاً بكم في تركيا رجب طيب إردوغان. ففي حين اعترف بشكل غير مباشر بالتدخل في حرية الصحافة، انخرط رئيس الوزراء وحاشيته في تطبيق استراتيجية الأرض المحروقة، محيلاً الهجمات التي تشن ضده إلى مؤامرة كبيرة. لا يهم أن وزراء فقدوا مناصبهم وأن أبناءهم تعرضوا للاعتقال (إلى جانب مدير تنفيذي لبنك مملوك للدولة). لا يهم ما يقدر بملايين الدولارات من الأموال التي عُثر عليها في منازل تمتلكها هذه الشخصيات، أو المحادثات المسجلة التي تسربت إلى العلن، بشكل رئيسي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، والتي تكشف أن التحقيقات القضائية في قضايا الفساد كانت جارية منذ بعض الوقت. انسوا هذا كله: إنهم ليسوا اللصوص والمحتالين المزعومين والذين يدعمونهم هم المخطئون، وإنما الذين يتهمونهم. هكذا هي وجهة المنطق في تركيا إردوغان. ليس ثمة خطأ في امتلاك ملايين الدولارات واليوروهات المخبأة في بيتك أو مكتبك أو أي مكان آخر، كما أن الصفقات التي تعقدها حبيبتك مع رجال أعمال مشبوهين لا غبار عليها على الإطلاق. إن استنطاق هذه الممارسات هو الذي يشكل التهديد الحقيقي للأمة.
في القلب من المؤامرة، كما يُزعم، ثمة “دولة موازية” بقيادة فتح الله غولن، وهو رجل دين منعزل كان قد لجأ إلى الولايات المتحدة في العام 1999 عندما تعرض لاضطهاد المؤسسة العسكرية التركية التي كانت مهيمنة آنذاك. وكان غولن وإردوغان قد شكلا في وقت سابق تحالفاً ضد هذا العدو المشترك. أما الآن، بعد أن أُجبر الجيش على العودة مرة أخرى إلى ثكناته، فقد انقلب كل منهما على الآخر. وبالنسبة لإردوغان وأنصاره، فإن هذه المؤامرة العظمى التي تجري بتحريض من غولن وأتباعه المفترضين، تلقى المساعدة والتشجيع من القضاء وقوات الشرطة، وعدد كبير من الأشرار. ويشمل هؤلاء كلاً من الأميركيين، واليهود، وإسرائيل، والألمان، والمحافظين الجدد، و”سي إن إن”، والفايننشال تايمز، ومجموعة متنوعة من البنوك الدولية والمحلية، ومجلس العلاقات الخارجية. وحتى ملكة انجلترا، إذا كنتم تستطيعون أن تصدقوا ذلك، ليس لديها شيء أفضل لتفعله بوقتها سوى التآمر لإسقاط رئيس الوزراء التركي وأنصاره. لماذا، بالضبط، يحقد كل هؤلاء الناس على إردوغان ويضمرون له الأذى؟ ذلك لغز، بطبيعة الحال.
ولكن، دعونا نضع هذه الأوهام جانباً، في موضع الانتظار الطويل. الحقيقة هي أن إردوغان هو العامل الرئيسي والبارز المتسبب في أفوله الخاص. فبقدر ما كان سياسياً جيداً حتى وقت قريب، حاصرته هذه الادعاءات على حين غرة بطريقة أو بأخرى. كان هو الزعيم غير المنازع لتركيا طوال عشر سنوات. لم يجرؤ أحد على تجاوزه، ولم يستطع أحد أن يعثر على طريقة للتغلب عليه. كانت المعارضة ضعيفة، ومكنته الموارد التي جندها هو وحزبه، حزب العدالة والتنمية، من بناء شبكة رعاية هائلة تشمل شريحة واسعة من الصحافة التركية، ومجموعات الأعمال التجارية، والكثير من المنظمات غير الحكومية، ومؤسسات الفكر والرأي، وقطاعات من البيروقراطية. ولم يذهب المال الذي يُزعم أنه جمعه هو وأفراد عائلته إلى مجرد إثراء الذات، وإنما أيضاً في اتجاه تمويل وبناء شبكة ضخمة من الأفراد والمنظمات الذين يقتصر ولاؤهم على إردوغان فقط.
استطاعت هذه الشبكة من الأنصار، باسم إردوغان، وقف كل هذه المؤامرات والتآمر، لكنها أججت نيران التقسيم الاجتماعي مع ذلك. فعن طريق رجال الأعمال الأثرياء المقربين الذين استفادوا من عقود الدولة، هندس إردوغان عمليات شراء العديد من وسائل الإعلام التركية، هي وكتّاب الأعمدة الذين يعملون فيها معاً. وأصبحت صحافة إردوغان هي “برافدا” مقواة بالمنشطات، حيث تقوم بمهاجمة وتشويه سمعة أي شخص يعارض “السيد”، كما أصبح البعض يدعونه. وليس لدى هؤلاء خيار سوى الدفاع عن إردوغان حتى النهاية المريرة. ففي حال فقد السلطة، حتى ولو لفصيل آخر من داخل حزبه نفسه، فإنهم سيفقدون كل امتيازاتهم. الحقيقة المحزنة هي أن تركيا قد شهدت مثل هذه الفترات من قبل، عندما شن الجيش وحلفاؤه حملة واسعة لتقويض حكومة ائتلافية اعتبرها بغيضة. وكان بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاليين في تلك الحكومة في 1996-1997 وهم يتذكرون تلك الأيام بمرارة. وبالنظر إلى أن حزب العدالة والتنمية، وحتى البعض من معارضيه الحاليين، عزو انقلاب العام 1997 إلى الأشرار الأميركيين والإسرائيليين، فإنه ليس من المستغرب أن يكون العديد من أنصار حزب العدالة والتنمية مستعدين اليوم لشراء ذلك السرد المعاد تدويره.
ولكن، هل سيكون ترويج فكرة المؤامرة كافياً لإنقاذ إردوغان؟ على مستوى ما، خسر إردوغان، وخسر كثيراً. كان قد هدف إلى أن يكون الزعيم الأكثر تحويلية والذي تعرفه تركيا منذ مؤسسها كمال أتاتورك في العشرينيات والثلاثينيات. وقد اقترب من ذلك إلى حد فظيع. أدار الاقتصاد بشكل جيد نسبياً، وقدم عدداً كبيراً من الخدمات الجديدة في كل من قطاعات الصحة والتعليم للمواطنين ذوي القدرات المتواضعة، واستثمر بكثافة في البنية التحتية، من النقل إلى المرافق العامة. وربما يكون أعظم إنجاز له هو الذي لم يأت بعد: عقد اتفاق سلام مع الأقلية الكردية المتمردة في تركيا. وإذا أتى ذلك الإنجاز، فإنه سيكون قد تم نتيجة لفتحه الباب وتحويله الدراماتيكي لوجهة عقود من سياسة الدولة التركية العنيفة التي لا هوادة فيها فيما يتعلق بالأكراد. وفي الوقت الراهن، وضع وقف إطلاق النار حداً مؤقتاً لدفق الخسائر العسكرية.
كان إردوغان يأمل البقاء في المشهد السياسي التركي لمدة عشر سنوات أخرى، ويفضل أن يكون ذلك كرئيس للجمهورية. لكنه حتى لو ساد حزبه في الانتخابات البلدية القادمة المقررة في 30 آذار (مارس) (هذا إذا فازوا بأغلبية من الأصوات)، فإنه قد ألحق سلفاً ضرراً بليغاً بطبعته الخاصة. إنه شخصية متقلصة. وقد خدمته غطرسته وفرط ثقته بالنفس، وعدم وجود ثقافة ديمقراطية في حزبه، بشكل سيئ. على الصعيد الدولي، لا أحد يستطيع أن يأخذ على محمل الجد زعيماً ينشر الدعاية عن مؤامرات منافية للعقل تحاك ضده، مستهدفاً أكثر حلفاء تركيا أهمية. إنه لن يُذكر كزعيم تحويلي، وإنما كزعيم تقسيمي -كشخص وصف خصومه بالإرهابيين لأنهم يساريون أو ملحدون، وعمق الصدع الطائفي بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية. وباختصار، فإنه قد فقد مسبقاً ادعاءه أي شرعية أخلاقية.
ومع ذلك، فإنه ليس رجلاً بلا موارد. إنه قادر تماماً على توليد أزمة من نوع ما، دولية أو محلية، لصرف الانتباه وحشد القوات من حوله. وقد اشترت له الاتهامات بالتدخل الأجنبي الوقت في السابق، في أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2013، خلال الاحتجاجات الحاشدة التي شهدتها إستانبول والأماكن الأخرى.
من الممكن أيضاً، إلا في حالة إحداث أزمة مصطنعة، أن يؤدي حدوث انتكاسات خطيرة في الانتخابات البلدية -بما في ذلك الخسائر المحتملة من إستانبول، قاعدته القوية، وأنقرة لصالح المعارضة- إلى تحرك ضده داخل حزبه. وقد أصبح البعض في الحزب يأملون سراً بأن الرئيس عبدالله غول، وهو أيضا عضو مؤسس في حزب العدالة والتنمية، سوف يتدخل. ليس هناك شك في أن إردوغان يخوض قتالاً من أجل حياته السياسية، ولكن الأرض تتحرك بسرعة من تحت قدميه. وتخلف الأزمة حصيلة سلبية على الحياة الاقتصادية للبلاد. ولا يستطيع أي قدر من الاتهامات المنمقة ضد الأعداء الحقيقيين والمتخيلين أن تنقض الضرر الهائل الذي لحق بسمعته وبسمعة تركيا، وبسيادة القانون، وبالثقة في الإدارة الرشيدة للأزمات –أي جميع المكونات الضرورية التي يحتاجها أي بلد للمضي قدماً في عالم معولم.

(ذا أميركان إنترست)

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً