نهاية جامعة الدول العربية.. ما الذي تستطيع المنظمة تعلمه من الاتحاد الأفريقي؟

shello
shello 2014/04/07
Updated 2014/04/07 at 10:04 صباحًا

dizaliu8

يوم الأربعاء، 26 آذار (مارس)، اختتمت الجامعة العربية قمتها السنوية الخامسة والعشرين. ورغم مطالبات أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في ملاحظاته الافتتاحية بمشاركة الدول في “وضع الخلافات جانباً”، في إشارة إلى التوترات المتصاعدة في المنطقة في السنوات الأخيرة، فقد انتهت جلسات المؤتمر التي امتدت على مدار يومين إلى طريق مسدود. ومع أن المشاركين رفضوا مجتمعين فكرة الاعتراف بإسرائيل كـ”دولة يهودية”، فإنهم ظلوا مختلفين حول كل شيء آخر تقريباً.
التوقعات من جامعة الدول العربية (التي لم تكن عالية قط)، كانت في أدنى مستوياتها على الإطلاق قبل انطلاق هذه القمة الأخيرة. وكانت حالة الاستقطاب الإقليمية في أعقاب الربيع العربي التي حرضت أنصار الانتفاضات، كما حدث في تونس، ضد المدافعين عن بقاء الوضع الراهن، مثل العربية السعودية و”بشكل متزايد” مصر، كانت الحالة جزءاً من المشكلة. وثمة جزء آخر هو الانقسام الحاصل حول الإخوان المسلمين. وقد وصفت السعودية ومصر الحركة مؤخراً بأنها “منظمة إرهابية”، في حين تستمر قطر، الراعية الإقليمية لجماعة الإخوان، في تقديم الدعم لها، كما أن الأحزاب السياسية المرتبطة بالجماعة ما تزال تقبض على السلطة، أو تمارس تأثيراً سياسياً مهماً، في كل من تونس والمغرب وقطاع غزة. وبالإضافة إلى ذلك، تشكل سورية قضية خلافية للغاية هي الأخرى، حيث تدعم دول أعضاء مختلفة أطرافاً مختلفة في الحرب الأهلية. كما أن الهيئة منقسمة بين أولئك الذين يخشون إيران وأولئك الذين لديهم وجهات نظر أكثر اعتدالاً تجاهها، أي لبنان والعراق بالتحديد.
بفضل هذه الخلافات، رفض زعماء كل من العربية السعودية، والبحرين، وعمان والإمارات العربية المتحدة، حتى مجرد حضور القمة من الأساس. ومع ذلك، لم تكن مقاعد هؤلاء هي الوحيدة التي بقيت فارغة. فقد أصرت الجزائر والعراق على أن لا يتم السماح للمعارضة السورية بتمثيل دمشق رسمياً (مع أن أحمد الجربا، رئيس التحالف الوطني السوري، كان مدعواً ليخاطب الاجتماع). كما أن الدول التي حضرت فعلاً ربما لم يكن لها تمثيل بالمقدار نفسه؛ حيث شكلت القمة بشكل أساسي فرصة يتبادل فيها المتحدثون الانتقادات والاتهامات المستترة بزعزعة الاستقرار الإقليمي. ومع أن المسؤولين امتدحوا على نحو لا مفر منه “القمة الناجحة” و”نتائجها الملموسة”، فإن خطاباتهم لم تستطع إخفاء حقيقة أن الاجتماع كان مجرد تذكير آخر بعدم قدرة الجامعة على أن تكون ذات صلة طوال نحو 70 عاماً منذ تأسيسها.
قبل ثلاث سنوات فقط، بدت آفاق الكتلة الإقليمية المكونة من 22 دولة أعلى بكثير. وبينما أخذت الدكتاتوريات السابقة في التساقط، افترقت الجامعة على نحو غير متوقع عن مبدئها طويل الأمد حول عدم التدخل: في العام 2011، دعمت المنظمة إنشاء منطقة حظر الطيران فوق ليبيا وعلقت عضوية ليبيا فيها. وفي العام نفسه، دعت إلى استقالة الرئيس السوري بشار الأسد، ثم علقت عضوية سورية فيها. وبالتوازي مع ذلك، توسطت في إبرام اتفاق سلام لم يكلل بالنجاح مع نظام الأسد وأرسلت مراقبين لمراقبة التطبيق. وحتى مع إطلاق هذه المبادرات المثيرة للجدل -حيث ترأس جنرال سوداني معروف بماضيه الاستبدادي بعثة المراقبة في سورية- فإن ذلك لم ينفث بعض أنفاس الحياة الجديدة في المؤسسة الغارقة في سبات عميق منذ وقت طويل.
بكل تأكيد، كانت عودة حقيقية للجامعة ستكون موضع ترحيب. ذلك أن مهمة الجامعة العربية -“تقريب العلاقات بين الدول الأعضاء وتنسيق التعاون، للحفاظ على استقلالها وسيادتها”- ينبغي أن تضعها -نظرياً- في موضع جيد للتعامل مع تحديات المنطقة. وهناك الكثير من هذه التحديات في الحقيقة. ولكن، وحتى في أيام العام 2011 العنيفة، لم تستطع الجامعة أن ترقى أبداً إلى مستوى تطلعاتها. كانت اختراقاتها القليلة، بما في ذلك إجماع هش على مبادرة السلام العربية التي رعتها السعودية لوضع حد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في العام 2002، قد شكلت الاستثناء أكثر مما شكلت القاعدة.
في العام 2009، قام ماركو بينفراي، الذي يعمل الآن أستاذاً مساعداً للعلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، بتحليل محاولات الوساطة التي قامت بها الجامعة العربية في الشرق الأسط منذ العام 1945. وكانت النتائج التي توصل إليها مثيرة للانتباه. رغم أن الجامعة العربية توسطت في 12 من أصل 20 من الأزمات الإقليمية في ذلك الإطار الزمني، فإنها انخرطت مع 7 فقط من 36 حرباً رئيسية بين الدول. وأيضاً، تدخلت الجامعة في 5 فقط من 22 حربا أهلية رئيسية. ومن الملاحظ بشكل خاص أن المنظمة فشلت في الخروج بأي استجابة موحدة للاحتلال العراقي للكويت سنة 1990، وحرب الخليج الناجمة عنها، والحرب العراقية التالية في العام 2003. وفي وقت أقرب بعد ذلك، صوتت الجامعة لفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، لكن محاولاتها للتوسط في وقف لإطلاق النار في سورية فشلت في تحقيق أي تأثير. وباختصار، شكلت القمم المنتظمة عناوين للأخبار في غالب الأحيان، ليس لأنها أسفرت عن عمل جماعي، وإنما لأنها أفضت إلى إحجام جماعي عن العمل.
بطرق عديدة، جاء الفشل السياسي نتيجة لأسس المنظمة المهتزة. كانت المنظمة قد أسست سنة 1945 لكي تجسد روح القومية العربية. ومع ذلك، تطلب البناء التنظيمي من الجامعة أن تعمل تحت رحمة الدول التي ترفض فكرة الوحدة العربية في كل شيء سوى الخطابة. وقد تجسد ذلك أوضح ما يكون في مهمة الجامعة التي تم قصرها على صيانة الاستقلال والسيادة، وجُعلت قراراتها التي تتخذ بالأغلبية ملزمة فقط لتلك الدول التي تقبل بها.
وهذا لا يكفي. فحتى تلعب الجامعة دوراً بناء في السياسات الإقليمية، تحتاج إلى أن تتحول من منتدى فاقد الفعالية إلى سبيل لصناعة القرار الأصيل. وستكون الخطوة الأكثر أهمية هي إحداث تغيير في ميثاق الجامعة للسماح باتخاذ قرارات ملزمة وقابلة لفرضها، وهي نقطة أعاد الأمين العام للجامعة نبيل العربي تأكيدها في خطابه أمام القمة الأخيرة. وأكد العربي أن الميثاق التأسيسي كان ببساطة “غير مناسب” للاضطلاع بحل المشكلات الماثلة. ومع أن الأمانة العامة للجميعة تبدو موافقة على ذلك، فإن أيديها تبقى موثقة.
هنا، ينبغي أن تأخذ الجامعة العربية عبرة من الاتحاد الأفريقي. لا شك أن الاتحاد الأفريقي له عيوبه: إنه يعاني من الاعتمادية على المانحين ويتنافس مع المنظمات ما دون الإقليمية، مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقية والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي. ومع ذلك، تحول الاتحاد في العقد الأخير عن ماضيه الرديء كـ”ناد للطغاة” -كما وصف الكثيرون سابقته، منظمة الوحدة الأفريقية- إلى اللاعب الرئيسي في السياسة الأفريقية المعاصرة.
بعد مواجهة الإبادة الجماعية في رواندا في العام 1994، اجتمع القادة الأفارقة في ليبيا في العام 1999 لإعادة النظر في ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية. وبعد ثلاث سنوات، ولد الاتحاد الأفريقي رسمياً. ورغم أن ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، مثله مثل ميثاق جامعة الدول العربية، احتفل بعدم التدخل وبسيادة الدولة، فقد افترق الاتحاد الأفريقي عن هذه المبادئ. وفي العام 2004، أنشأ الاتحاد مجلس السلم والأمن المكون من 15 عضواً من أجل “منع وإدارة وتسوية النزاعات” في المنطقة. بل كانت لدى المجلس القدرة على تمرير قرارات ملزمة للدول الأعضاء في “الظروف الخطيرة، وبالتحديد جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية”. ورغم أنه ما يزال أبعد ما يكون عن الكمال، فقد لعب الاتحاد الأفريقي منذ تأسيسه دوراً نشطاً في بوروندي وكوت ديفوار ودارفور وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، ومؤخراً مالي، حيث دعم الاتحاد الأفريقي بعثة الدعم الدولي في مالي وساعد في تنظيم انتخابات رئاسية هناك.
خلافا لجامعة الدول العربية، كثيراً ما استخدم الاتحاد الأفريقي العقوبات أيضاً للدفع بأهدافه. وقد فرضت الجامعة العربية عقوبات فعلاً على سورية في العام 2011، ودعت دائماً إلى فرض مقاطعة على إسرائيل، لكن الاتحاد الأفريقي كان قد وضع حتى نهاية العام 2013 عقوبات على عشر دول أعضاء (جمهورية أفريقيا الوسطى، وكوت ديفوار، ومصر، وغينيا بيساو، وغينيا كوناكري، ومدغشقر، ومالي، وموريتانيا، والنيجر وتوغو). وعندما ووجه بانقلاب 2013 في القاهرة، علق الاتحاد عضوية مصر. ويقف كل ذلك في تناقض صارخ مع جامعة الدول العربية التي أرسلت أمينها العام في جولة دولية لشرح “الظروف الاستثنائية في مصر” ودعت العالم إلى دعم الجيش في هذه “المرحلة الانتقالية الحساسة”. ورغم أن قرارات الاتحاد الأفريقي كانت مثيرة للكثير من الجدل، وبقاء الأمن الأفريقي العام هشاً ومتنازعاً عليه، فإن تلك الهيئة تبين على الأقل أن العمل الجماعي يظل ممكناً، وكذلك هو حال إجراء إصلاحات كبيرة للمنظمات الإقليمية.
بالنسبة لجامعة الدول العربية، لا يمكن أن تأتي الإصلاحات الكبيرة إلا من خلال الدول العربية الأعضاء. وكما هو واقع الحال، فإن إرادة القيام بمثل هذا العمل تبدو محدودة. وفي نهاية القمة الأخيرة التي استمرت يومين، وعدت الدول الأعضاء “بالعمل بحزم لوضع حد نهائي للانقسامات”. وفيما ينم عن الكثير، مع ذلك، لم يكن الذي تلا البيان الختامي للقمة شخصية ذات وزن سياسي ثقيل، وإنما تلاها خالد الجار الله، الوكيل في وزارة الخارجية الكويتية. ورغم أن إحراز نجاح في المدى القصير على هذه الشاكلة يبدو غير واقعي، فإن هناك على الأقل بعض الأمل في أن تفعل الكارثة الجارية في سورية لجامعة الدول العربية ما فعلته الإبادة الجماعية في رواندا لمنظمة الوحدة الأفريقية. وبخلاف ذلك، قد يأتي اليوم الذي تكون فيه كل المقاعد الاثنين والعشرين في مؤتمرات القمم الدورية شاغرة -حيث لا يهتم أحد.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً