هاني الحسن، في ذكراه الثانية عشرة (1من 2) الكاتب: عبد الغني سلامة

shello
shello 2024/07/10
Updated 2024/07/10 at 9:57 صباحًا

عرفتُ الراحل الكبير هاني الحسن عن قرب، خاصة في السنوات العشر الأخيرة من حياته، وطالما جمعتنا جلسات مغلقة عديدة، وقد استمعت لمحاضراته، وقرأت كتبه، وكنت أظن أني أعرفه جيدا. ولكني بعد مطالعتي لكتاب الصديق الدبلوماسي حسان بلعاوي، تبين لي أني لم أرَ منه سوى قمة جبل الجليد، وأن الكثير الكثير كنت أجهله عنه.
في كتابه الأخير «هاني الحسن، صوت الحضور الأنيق والنوْء العاصف»، يكشف حسان بلعاوي الكثير من الأسرار والخبايا، ويغوص عميقا في عوالم المرحوم الحسن، ويستعرض مسلسل حياته الطويل والحافل (وإن كان ذلك بصورة مكثفة)، ويحلل فكره ومواقفه وتصريحاته التي طالما أثارت الجدل.
الكتاب صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، في طبعته الأولى 2023، وقد أتى في نحو 400 صفحة من القطع المتوسط، شمل مقدمة بقلم عباس زكي، و36 فصلا، وخاتمة بقلم بكر أبو بكر، وصورا خاصة ونادرة للمرحوم، ووثائق وصورا من الصحف التي كانت تتلقف تصريحاته باهتمام بالغ، وقد اعتمد بلعاوي في كتابه على الوثائق الأصلية، وعلى شهادات المقربين من الراحل، متنقلا بين الفصول برشاقة، وبأسلوب مشوق، وبتحليل عميق، دون أحكام ولا مديح، بل بمنهج أكاديمي.
في كل فصل، يغطي بلعاوي مرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية، مركزا على حضور الحسن فيها والدور الذي أداه، فظهر وكأنّ الكتاب تلخيص لتاريخ الصراع في المنطقة، نظرا لكثافة حضور الحسن في المشهد الفلسطيني طوال نصف قرن أو أزيد.
وسيتعذر في هذا العرض الإحاطة بكل محتويات الكتاب، لذا سأكتفي بعرض موجز ومكثف لأهم ما جاء فيه، مع التأكيد على أن ذلك لا يُغني عن قراءته، بوصفه وثيقة مهمة، تؤرشف وتوثق أبرز مراحل الثورة، وأهم المفاصل التاريخية التي شكلت التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية.
ولد هاني في حيفا سنة 1937، وتوفي في رام الله سنة 2012، وبين هذين العامين عاش حياة كلها كفاح وعمل دؤوب، مشكّلاً علامة فارقة في مسيرة الثورة.
ولد في أسرة ميسورة ومتعلمة، لكن النكبة اقتلعت العائلة من موطنها لتستقر بداية في عين الحلوة قبل أن تتحول إلى مخيم يحمل الاسم ذاته، ثم إلى سورية، والتي درس فيها حتى الثانوية، ليرتحل بعدها إلى ألمانيا ليدرس الهندسة، ويتعرف هناك إلى صديقه هايل عبد الحميد، كان الاثنان مسكونين بحلم العودة، وقد أسس كل منهما مجموعة ثورية صغيرة تناضل من أجل فلسطين: «عرب فلسطين» التي أسسها هايل، و»شباب الأقصى» التي أسسها هاني، المتأثر بالبيئة الدينية التي نشأ فيها، ثم وحدا المجموعتين بتنظيم جديد حمل اسم «طلائع العودة»، والذي ستحتويه «فتح»، التي كانت في طور التشكل آنذاك، وذلك بتنسيق وتفاهم مع الراحل ممدوح صيدم.
كان هاني من مؤسسي حركة فتح، وظل عضوا في لجنتها المركزية حتى وفاته، وقد شغل مناصب قيادية عديدة، أبرزها المستشار السياسي للزعيم الراحل ياسر عرفات، إضافة إلى منصب المفوض العام للتعبئة والتنظيم، أما المنصب الوحيد الذي شغله في السلطة الوطنية فهو وزير الداخلية.
كان الحسن الأكثر قربا من ياسر عرفات، الذي كلفه بأصعب المهمات وأدقها، ورغم خلافهما أكثر من مرة، إلا أن عرفات ظل يثق به بشكل كبير. وقد مكنته هذه العلاقة الوثيقة بعرفات من بناء علاقات جيدة مع الملوك والرؤساء العرب ورؤساء الدول الصديقة والقيادات الحزبية، فلم يكن مجرد رسول أو مفاوض، كان مخولا بصلاحيات اتخاذ قرارات وبناء تحالفات أو نقضها مع مختلف القوى الفاعلة في الساحة.
كان ذا وسامة لافتة، وكاريزما تعطيه حضورا وقبولا، ومتحدثا لبقا وخطيبا مفوها، وتلك الصفات ساعدته في الوصول إلى القواعد الشعبية، وجعلته مقربا من المقاتلين والكوادر التنظيمية، كما جعلته الأكثر قبولا من قبل قيادات الدول والأحزاب الصديقة والحليفة وحتى الخصوم في كافة الأمور التي تستوجب التفاوض والتفاهم مع منظمة التحرير.
كان اليسار الفلسطيني يصنفه (مع شقيقه المفكر والقيادي خالد الحسن) مع البرجوازية، بيد أن مواقفه الصلبة خاصة في الأزمات والمحن كانت تبرهن كل مرة على عمق انتمائه لفلسطين، وتجذر فتحويته. كما اعتبره آخرون بأنه يمثل «يمين فتح»، في حين كانت تكشف تطورات الأحداث صوابية توجهاته، ودقة تنبؤاته وبُعد نظره. أما تصريحاته فطالما أثارت الجدل، وألحقت به تهم التنازل والتفريط، خاصة تصريحه الشهير في لندن بشأن «الدولة الديمقراطية».. وقد تبين أن كل ما في الأمر أنه كان متقدما في وعيه وسابقا لزمانه، لكن بوصلته الوحيدة ظلت فلسطين.
في هذا الكتاب، يستعرض بلعاوي العديد من المفاصل التاريخية التي ظهر فيها «الحسن» محنكا، ومفاوضا صلبا، برؤية ثاقبة بعيدة المدى، ولكن بمعايير ومنطلقات وطنية أصيلة، تصرف خلالها بقلب الفدائي الشجاع، وعقل القائد الحريص والمسؤول والواعي. استعرضها الكاتب بتسلسل زمني تاريخي، بدءا من التحضير لتفجير الثورة، وانطلاقة «فتح» الثانية عقب هزيمة حزيران، ومشاركته في معركة الكرامة، ومساهمته في الإعداد الفكري وصياغة البرنامج الوطني والخطاب السياسي لـ»فتح»، منظّرا وكاتبا ومخاطبا للقواعد الفدائية في الأردن، ثم سورية ولبنان، وحواراته مع القيادة الأردنية إبان محنة «أيلول»، والخروج من الأردن.

Share this Article