هل استعصى السحر على نتنياهو وبات الإسرائيليون يفكرون في مستقبل بعيد عنه؟

shello
shello 2018/03/11
Updated 2018/03/11 at 9:50 صباحًا


حظي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحفاوة بالغة في زيارته التي استمرت خمسة أيام للولايات المتحدة الأمريكية بدءا من لقائه مع الرئيس دونالد ترامب والمشرعين في الكونغرس والجمعيات التي حضر مؤتمراتها مثل إيباك. وفي الأمم المتحدة كانت لنتنياهو فرصة انتهزها لانتقاد المؤسسة الدولية على إجماعها رفض قرار ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها. وكانت مناسبة حضور نتنياهو الذي يعد من أطول رؤساء الوزارات الإسرائيليين حكما، معرض افتتحه في الأمم المتحدة عن علاقة اليهود مع القدس منذ 3000. ولم تكن الصور اللامعة هي التي جلبت عدسات الكاميرا والصحافيين إلى الأمم المتحدة ولكن حضور رئيس الوزراء نتنياهو نفسه الذي وصفته روث إيغلاش في «واشنطن بوست» (8/3/ 2018) بالمثير للجدل والقائد الجذاب والقادر دائما على أن يتظاهر ويتصرف كأن شيئا لم يحدث. وتعلق الصحافية أن خطابه القصير في افتتاح المعرض وأسئلة الصحافيين التي تبعت ذلك كشف عن الفجوة بين نجاحه في الولايات المتحدة والمعارضة المتزايدة له من الإعلام الإسرائيلي. ففي الوقت الذي سأله الصحافيون الأمريكيون عن فرص السلام مع الفلسطينيين ورأيه في إيران، عدوة إسرائيل وجد الصحافيون الإسرائيليون الفرصة ورموا أسئلة عنه وزوجته سارة والتحقيقات الجنائية التي تلاحقه في إسرائيل وأزمة ائتلاف تهدد استقرار حكومته. فقد حققت الشرطة مع نتنياهو عدة مرات وفي ثلاثة تحقيقات جنائية ضده. وفي الشهر الماضي قدمت توصية للمحكمة العليا بتوجيه اتهامات له في قضيتين من ثلاث قضايا يدور الجدل حولها. ووافق أحد مساعديه السابقين أن يكون شاهد ملك في المحاكمة فيما قدم مساعدان لنتنياهو معلومات عنه للسلطات القضائية.
وفي واشنطن استطاع نتنياهو التصدي للأسئلة المتعددة نافيا كل الاتهامات ومؤكدا مثلما قال في السابق، أن التحقيق لن يجد شيئا وأن شعبيته في استطلاعات الرأي قوية ورغبته في الحفاظ على حكومته حتى عام 2019. وهذا لا يعني ضيق نتنياهو من الأسئلة التي ظلت تلاحقه طوال زياراته حيث كان يجيب عليها بالعبرية، وفي يوم الخميس كان حادا في إجابته عندما سأله مراسل السؤال نفسه مرة أخرى وكان جوابه «أقول لك شيئا واحدا: نحن نتعرض لهجوم دائم ولكننا سنقف مع العدل والحقيقة». وأضاف: «أقول الحقيقة، وأزيد لك أكثر شيئا ربما لا يعجبك: لقد حظينا بدعم شعبي لي ولزوجتي وعائلتي أكثر مما أتذكر». واتهم نتنياهو الصحافيين الإسرائيليين بعدم التركيز على القضايا المهمة التي ناقشها مع ترامب مثل الاتفاقية النووية والتسوية السلمية مع الفلسطينيين مع أنه لم ير مسودة عن خطة البيت الأبيض. وكان نتنياهو قال إنه التقى مع الرئيس وقادة الكونغرس ومجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين والديمقراطيين «وكان هناك حشد رائع في إيباك، 18.000 مشجع قوي وقابلت 500 من رجال الأعمال وطلبت منهم الاستثمار في إسرائيل لأنها المستقبل». وتعلق إيغلاش ان الزمن هو الذي سيحدد فيما إن كان مستقبل نتنياهو مشرقا أم لا.
اتهامات
ومن هنا تساءلت روث مارغليت في «نيويوركر» (6/3/2018) فيما إن كانت إسرائيل تفكر بمستقبل بعيد عن نتنياهو أم لا؟ فهو يواجه ما تعرف بالقضية 1000 والتي يتهم فيها بقبول رشاوى من ثري على شكل سيجار وشمبانيا ومجوهرات لزوجته سارة، أما القضية 2000 فهي عن تواطئه مع ناشر لصحيفة إسرائيلية واسعة الانتشار كي يحصل على تغطية جيدة وهو ما ينفيه نتنياهو بشدة. أما قضية الفساد الثالثة فهي محاولة متحدث سابق باسمه للتواصل في عام 2015 مع قاضية واقترح عليها صفقة: وهي تعيين القاضية في منصب النائب العام لو قامت بإلغاء قضية على زوجة نتنياهو تتعلق بإساءة استخدام المال العام. واعتبر نتنياهو هذا الاتهام غريبا ونوعا من «الهلوسة». ويبدو أن نتنياهو يخوض الآن في ماء ساخنة خاصة بعد موافقة نير هيفتيز الذي يعد المساعد الثالث السابق لرئيس الوزراء كي يقدم أدلة عن القضايا، حيث قدم تسجيلات عن نتنياهو وزوجته مقابل عدم مثوله أمام المحكمة. وتقول مارغليت أن نتنياهو ومساعديه يحضرون منذ أشهر قاعدته الانتخابية لهذه اللحظة التي اتخذتها الشرطة في 13 شباط (فبراير) وتحويل ملف القضيتين للمحكمة العليا التي يترأسها قاض عينه نتنياهو. وفي هذه الأجواء حاول رئيس الوزراء تحشيد قاعدته وقبل قرار الشرطة بلحظات قائلا إن كل ما عمله كان من أجل البلد وليس من أجل سيجار أو علبة شمبانيا التي قدمها له المنتج في هوليوود آرون ميلشان، وحاول تصويرها بهدايا تافهة من صديق. ومع أن القانون الإسرائيلي يحظر على وزير متهم ممارسة عمله ولكن ليس على رئيس وزراء متهم، إلا أن المعلق في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ناحوم برنباع يرى في بقاء نتنياهو حتى عام 2019 عرضا يشبه «عرض لويس السادس عشر» الذي قال للفرنسيين أنه هو الدولة، وفي حالة نتنياهو فهو يعطي انطباعا أن استقالته ستكون خطيرة على حزبه والبلد ولهذا يجب أن يواصل. إلا أن الأدلة تظهر أن ائتلافه الحكومي المكون من متطرفين قوميين وأحزاب دينية متطرفة قد لا ينجو من التهم الموجهة، وفي حالة خسارته 6 مقاعد من 120 مقعدا في البرلمان فستنهار حكومته. ومع أن الليكود، حزب نتنياهو لا يزال يتصدر الاستطلاعات الأخيرة إلا أن «الأحزاب المتحالفة معه قد لا تنجو من ضغط الرأي العام» حسب أميت سيغال، المعلق الإسرائيلي للقناة «الثانية».
فاسدون
وتعلق الكاتبة أن قادة إسرائيليين غير نتنياهو تلوثوا بالفساد. فقد سجن رئيس الوزراء السابق إيهود اولمرت ستة أشهر بتهم فساد وتزوير. وثار جدل حول أرييل شارون وأنه تلقى مئات الآلاف من الدولارات فيما أطلق عليها «فضيحة الجزيرة اليونانية» إلا أن قضية نتنياهو مختلفة كما يقول دورون نافوت المتخصص في قضايا الفساد الإسرائيلية، لأنها تحمل أبعادا سياسية. مشيرا إلى أن نتنياهو خدم أكثر من أي رئيس وزراء باستثناء بن غوريون إلا أنه لا يزال يتصرف كشخص هضم حقه ويشعر بالحنق على «النخبة» الإسرائيلية بما فيها المحاكم والإعلام والأكاديمية والشرطة الآن. وحسب نافوت: «لم يعاد أولمرت أو شارون المؤسسات الإسرائيلية بل على العكس كانوا جزءا منها» وبالمقابل «لم يذهب نتنياهو فقط ضد هذه المؤسسات ويحاول إبادتها بل هو مدفوع بحس الدور الأوحد الذي يلعبه في التاريخ اليهودي وهذا يفرخ في حد ذاته الفساد ويمكن استخدامه لتبرير أي شيء»، ومنها محاولة تنظيف سمعة زوجته سارة المتهمة بإساءة استخدام المال العام. وقد تكون التهمة ثانوية بالنسبة لرئيس الوزراء، إلا أن محاولة رشوة قاضية لتبرئتها تؤكد ما سبق وقاله المعلقون الإسرائيليون عن التأثير الكبير الذي تمارسه سارة عليه وأن ضغائنها الشخصية توجه سياسته. وتنقل الكاتبة عن عوزي أراد، مستشار الأمن القومي السابق قوله إن سارة تقوم بالإشارة إلى الأعداء الحقيقيين أو المتخيلين له بشكل يزيد من رهابه «وهناك عدد من الأشخاص لا تسمح لهم بزيارة مقر إقامتهم وأي شخص ينتقدهما يعتبر يساريا حتى لو كانوا إلى يمين نتنياهو». وتضيف إلى نجل نتنياهو الأكبر يائير البالغ من العمر 26 عاما ولا يزال مع والديه على حساب دافعي الضرائب وبدون وظيفة وهو المسؤول عن توجيه كل ما يتعلق بحضور والده على وسائل التواصل الاجتماعي ومهاجمة منظمات حقوق الإنسان. وكان يائير على الصفحات الأولى للصحف وعناوين الأخبار عندما بث تسجيلا له في كانون الثاني (يناير) عن محاولة توريط صديقته السابقة في قضية دعارة من أجل تسوية دين مالي.
ورغم تقديمه اعتذارا مقتضبا إلا أن فضائحه ليست جديدة مثل تعليقاته الصيف الماضي عن تظاهرات تشارلوتسفيل التي هاجم فيها نازيون جددا ضد متظاهرين هناك حيث برر في تعليقه للنازيين «الذين يمثلون الماضي» وعبر عن كراهيته للمعادين للفاشية. ومع أن المجتمع الإسرائيلي انحرف نحو اليمين في السنوات الأخيرة بشكل دفع نتنياهو للاعتماد على الجماعات والأحزاب المتطرفة، إلا أن الاستطلاعات تظهر أن ائتلاف الجماعات المتطرفة قد يواجه تحديات وأهمها من حزب «يش أتيد» (هناك مستقبل) بزعامة يائير لبيد، الصحافي ومقدم البرامج التلفزيونية السابق والذي يخوض حملة ضد الفساد، وسمي كشاهد في قضية 1000. وعمل لبيد كوزير للمالية بين 2013- 2015 ويقال إنه شهد بطلب نتنياهو منه أثناء عمله تمديد قانون الاعفاء الضريبي بشكل استفاد منه ميلشان، وهو ما رفضه لبيد.
معزول
وتعلق مارغليت، أن نتنياهو الذي استفاد من زيارته لواشنطن وإن حصل على الحفاوة بسبب تأكيده على التهديد الإيراني والخطر القادم من سوريا بسب تأثير طهران وحزب الله، إلا أن الأشخاص الذين يعرفونه عن قرب قالوا إنه يشعر بالعزلة ومزاجه عصبي ومهتز وخسر معظم مستشاريه أو تورطوا بفضائح وأجبروا على الاستقالة، وأسوأ من هذا شهدوا ضده. ومع أن نهاية نتنياهو أعلنت أكثر من مرة إلا أنه كان يعود من الموتى، تماما كما حدث في انتخابات عام 2015 عندما كادت كتلة «المعسكر الصهيوني» أن تهزم الليكود، وعندها استخدم «الساحر» صفارته حيث حذر اليهود من تدفق العرب أشتاتا وجماعات على صناديق الاقتراع. لكن الوضع هذه المرة مختلف، فحس الرجل الذي لا يقهر قد اهتز وهناك الكثيرون في إسرائيل يعتقدون انه سيدعو لانتخابات مبكرة لتجنب خوض الانتخابات وهو يحمل فوق رأسه تهما جنائية. ويقول يوعاز هندل، مستشار الاتصالات السابق لنتنياهو: «هناك حالة ضيق داخل الليكود من أن الشعار الذي هزمه في التسعينات من القرن الماضي: أيها الناس الفاسدون لقد تعبنا منكم – قد عاد، وهناك خوف من هزيمة الليكود بسببه».
بدونه
ومن هنا بدأ مؤيدو نتنياهو وأعداؤه يتخيلون إسرائيل بدونه. وتتساءل الكاتبة في هذا السياق عن إرثه وتقول إنه إفراغ النقاش في إسرائيل من معناه. فقد انقسم البلد في معظم تاريخه إلى معسكرين، واحد يؤيد الحقوق التاريخية – من النهر للبحر وطرد الفلسطينيين. وآخر يتحدث عن الحقوق المدنية وعدم نجاعة الاحتلال واستمراره. وسيطر اليسار على إسرائيل بين 1948 ـ 1977 أما اليمين فقد حكم معظم العقود الأربعة الأخيرة. وحسب استطلاع مركز بيو عام 2016 هناك 8 في المئة من الإسرائيليين يعتبرون أنفسهم من اليسار مقابل37 في المئة يمين و55 في المئة وسط. وحتى «الوسط « تغير معناه حيث يستخدم اليوم لتبرير تهجير العرب من إسرائيل وفي الحقيقة هناك 48 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون الفكرة مقابل 46 في المئة بالضد. وهذه الأرقام لا تعني أي شيء مقارنة مع التطورات التي حدثت على المجتمع الإسرائيلي خلال سنوات نتنياهو وهو التأكيد على مواجهة العدو من الداخل وبناء التضامن بطريقة لم تعد القضية الفلسطينية حاضرة في الخطاب الإسرائيلي ولا أحد يتحدث عن حل الدولتين لأن الحفاظ على الوضع القائم هو الأسلم. وعندما تسلم نتنياهو السلطة أول مرة عام 1996 كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية لا يتجاوز 300 ألف أما اليوم فيصل عددهم نصف مليون بشكل بات فيه تحديد حدود الدولة الفلسطينية عملية معقدة إن لم تكن مستحيلة. وفي المقابل قام نتنياهو بإعادة تشكيل حزب الليكود وقاعدته بناء على صورته، لدرجة يتوقع فيها المعلقون حربا أهلية داخل الحزب حال رحل.
وفي النهاية فرحيله سيعلم مرحلة أخرى تدخلها إسرائيل وهي تحتفل بسنتها السبعين، حيث تتم مساءلة الأمور المحلية في غياب المفاوضات والوضع المتفجر حولها، وهناك حديث عن النظام السياسي وشكل الممارسة. وفي النهاية قد يتذكر الإسرائيليون نتنياهو بالرجل الذي حفر قبره بنفسه، فمن خلال تحييد النقاش السياسي في إسرائيل جعل نفسه المركز بطريقة ركزت الضوء على الجانب الخفي من ممارساته حكومات. وبدلا من أن يكون على رأس حزبه في الانتخابات المقبلة فستكون هذه بمثابة استفتاء على حكمه وليس سباقا مفتوحا، وبداية النهاية.

Share this Article