هل تكون نتائج الانتخابات الليبية بداية لانحسار المد الإسلامي بقلم: رشيد شاهين

2012/07/12
Updated 2012/07/12 at 1:44 مساءً


كان من أهم النتائج التي افرزها ما بات يعرف بالربيع العربي، ركوب التيارات والحركات الإسلامية ظَهْر الثورات العربية في بلدان الربيع، وَقَطْف ثمارها والتربع على عروشها، وحصد نتائج حاسمة خاصة في دولتي مصر وتونس، مما أهل تلك الحركات لتولي القيادة فيهما، الأمر الذي بعث الكثير من عدم رضا “ظاهري في معظمه” في الدول الغربية، “خشية على ما روجوا” من تحول بلدان الربيع، إلى بلدان متشددة قد تصطف في الخندق المعادي للغرب، هذا على افتراض اننا نصدق كثير الدجل الممارس علينا، بأن هنالك في المنطقة، دولا وأنظمة هي فعلا في حالة عداء مع الغرب، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية ورأس حربتها وحليفها المدلل دولة الكيان الاستيطاني في فلسطين.

الخشية من نجاح الحركات الإسلامية وسيطرتها على مقاليد السلطة، وأخذ تلك البلدان إلى مصائر لا يعرف أحد “مهاويها” ونتائجها، كانت أكثر صدقا وأصالة بين صفوف أبناء بلدان الربيع ذاتها، وهي امتدت لتشمل كل الحريصين على ألا تنقاد تلك الدول إلى متاهات ونهايات قد تكون كارثية، خاصة في ظل خطاب شابه الكثير من التزمت والإحساس بنشوة “انتصار” مبكرة، في ظل غياب الخبرة والمال والإعلام والقيادات التاريخية في الجهات التي قادت وقامت فعليا بالثورة.

ردود الفعل “الداخلية” وفي صفوف من قاموا فعليا بالثورة، وبين الخيرين والحريصين على ان تحقق تلك الثورات، الحد الأدنى من طموحاتها في التغيير والحرية والديمقراطية والتعددية وما إلى ذلك، لم تأت من فراغ، لا بل استندت إلى ما كان يصدر من تصريحات من القائمين على التيارات الإسلامية، وما أثارته تلك التصريحات والبيانات والمواقف، من حالة “رعب” في صفوف قوى اليسار والقوميين والليبراليين والتقدميين، وكل المستفيدين من حالة التغيير التي جرت في تلك البلدان.

لكن، هل بالغ كل هؤلاء في ردود أفعالهم وتوقعاتهم؟، أم ترى كانت تلك التوقعات مبررة ومفهومة؟ هذا في الحقيقة ربما أمر مُخْتَلَف عليه، فقد يرى البعض ان هنالك مبالغة كبيرة كانت تتم في وصف الحالة، وصلت إلى درجة التزوير ومحاولة التشويه، وهناك من يرى ان ذلك كان مبرر تماما، خاصة في ظل ما بدر عن قيادات التيارات الإسلامية من دعوات لتهميش المكونات الأخرى في المجتمع المصري على سبيل المثال، وهذا ما أدى إلى نتيجة تعتبر صادمة، تختلف اختلافا كليا خلال فترة وجيزة، امتدت ما بين الانتخابات التشريعية في مصر وما بين الانتخابات الرئاسية.

من الواضح ان المخاوف من سيطرة الإسلاميين على مقاليد الحكم، امتدت لتشمل ليبيا، خاصة بعد ما خبروه من تعاطي الإسلاميين في بلدان الربيع مع بعض القضايا المحورية، وان هنالك تباين كبير ما بين الشعارات وما بين ما يجري على الأرض، عدا عن كل ما جرى من اتصالات، وما قيل عن اتفاقات وتفاهمات بين الإسلاميين وما بين الغرب ” المرعوب” من وصول الإسلاميين إلى السلطة، حيث تبين بشكل تدريجي، زيف الشعارات الغربية وكل ما قيل عن خشية من سيطرة الإسلاميين على السلطة في بلدان الربيع، كما تبين ان الإسلاميين وكما هو دارج، ليسوا بعيدين عن دول وحكومات الغرب، وما يتردد عن علاقات حميمة تربط هؤلاء بدول الاستعمار الغربي.

النتائج التي تحققت في الانتخابات الليبية، تعتبر مؤشرا لا بد من أخذه بعين الاعتبار، إذا ما أريد لنا ان نقيم التجربة “التي لم تترسخ بعد” في كل من تونس ومصر، هذا عدا عن النتيجة التي لا تزال محل جدل كبير فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المصرية، حيث لا زال البعض يعتقد ويشكك، في ان مرشح الإخوان، لم يفز في تلك الانتخابات، وان ما حصل، إنما جاء للحفاظ على مصر كدولة، وحتى لا تجر البلاد إلى ما لا يمكن التنبؤ به، في ظل تهديدات الإخوان العلنية بتحويل البلد إلى “خرابة”.

التوقعات التي أشارت إلى فوز كاسح “للإخوان” في ليبيا كما كان عليه الحال في مصر وتونس وغيرهما، لم تكن دقيقة، وربما كانت صادمة للكثير من المحللين، وفي المقدمة، القائمين على القوى الإسلامية في ليبيا، خاصة عندما نعلم ان دولة كالسعودية وقطر، بذلت كل ما يمكن من اجل فوز هؤلاء، كما عندما نعلم، ان تحالف القوى الوطنية الفائز يمثله محمود جبريل الذي عمل مستشارا للقذافي.

القول بأن الحركات الإسلامية في ليبيا لم تكن مهيأة أو غير “متجذرة” في هذا البلد، قد يكون وراء فشل الإسلاميين في الانتخابات، فيه الكثير من المبالغة، خاصة ونحن نعلم تماما، ان حركة الإخوان حركة لم تتأسس البارحة، عدا عن انها ليست حركة محلية، وبالتالي، إمكانية الاستفادة من الخبرات الكثيرة المتراكمة والموجودة لدى الحركة في أكثر من بلد، وقد شاهد العالم كيف ان أحد أهم الشخصيات الإسلامية لم تتورع أو تتوان عن الترويج للثورة في ليبيا، والمقصود هنا الشيخ القرضاوي.

ما جرى في ليبيا كما نراه، لم يكن أول الغيث بأفول نجم الإسلاميين، وإنما كان أوله بعد الانتخابات التشريعية في مصر، حيث ثبت للجمهور المصري، أن ليس كل ما يقوله هؤلاء هو مبارك، أو له قدسية مميزة، فهم ليسوا سوى قوة سياسية تستخدم الدين للاستقواء به والسيطرة على البلد، وليس كل ما يتم الإعلان عنه من قبلهم هو لب الطهارة وجوهرها، فقد لحس هؤلاء كل تصريحاتهم، وفي نشوة انتصارهم، بدء هؤلاء يكشرون عن أنيابهم، ويعلنون صراحة عن طموحاتهم بالسيطرة ليس على مصر فقط، وإنما على المنطقة، وتحويل دولها إلى “زوايا وتكيات”، وبدئوا بتصنيف الناس وتكفيرهم، والترويج لمسائل كان المجتمع المصري في غنى عنها حتى ضمن ديكتاتورية مبارك. وعليه، فان ما جرى في ليبيا إنما هو “المسمار” الثاني في “نعش أفولهم”.

لم ينحصر الأمر في مصر فقط، فقد انتقل الشعور بنشوة النصر “الذي هو في الحقيقة ليس سهلا في أهم بلد عربي وربما في المنطقة” إلى فروع حركة الإخوان في أكثر من بلد، فلقد شعر قادة حماس “الذراع الفلسطيني لحركة الإخوان” على سبيل المثال ان هذا الانتصار هو انتصارهم، وبدأت مواقفهم تختلف فيما يتعلق بالمصالحة وإنهاء الانقسام انسجاما مع هذا التغير في مصر، فكانت الخطوة الأولى تتمثل في إيقاف عمل لجنة الانتخابات المركزية، وصدرت تصريحات عن محمود الزهار لجريدة جزائرية يفهم منها محاولات للتعرض لمنظمة التحرير الفلسطينية و تحريض مبطن لشعب الجزائر على حكومته، عندما قال ان الدولة الجزائرية لا تعترف بحركة حماس ولا تستقبل قادتها.

كما ن أمرا شبيها حدث في الأردن، حيث رفع فرع الحركة في هذا البلد ممثلا بجبهة العمل من وتيرة مطالبهم، خاصة في موضوع الانتخابات البرلمانية، وخاصة بعد ان زار السيد خالد مشعل وحظي بما حظي به من استقبال مختلف تماما عما كان عليه الحال في زيارته السابقة، قبل “انتصارهم” في مصر.

هذه التفاعلات وهذه المواقف، كان لها صدى مختلف في ليبيا، حيث قرر الشعب الليبي ان يتعظ من تجارب مصر وتونس، فكان قراره بعدم جلب هؤلاء إلى السلطة، وفضل التصويت لرجل يعتبر برغم قربه من الغرب وبرغم عمله كمستشار اقتصادي في النظام السابق.

من هنا، نعتقد، وكما اشرنا في أكثر من مقال، ان كل هذا التخويف من سيطرة إسلامية على مقاليد الحكم في أي من البلدان غير مبرر، وان من الأفضل للشعوب العربية إذا أرادت ان تتخلص من حالة الوهم التي يعيشونها منذ ما يقارب عقود ثلاثة، ان تفسح المجال لهؤلاء بتولي السلطة، لان في ذلك كشف لعجزهم، وسقوط لكل أوراق التوت التي تسترهم نتيجة عدم ممارستهم للسلطة، حيث في السلطة وفي الحكم تختلف الأمور ويختلف واقع الأشياء، لان هؤلاء لن يستطيعوا ان يقدموا للناس حليبا وعسلا من خلال شعارات ورموز دينية، وحيث “لن تكون العتمة على قد أيد الحرامي” كما يقول المثل الدارج.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً