هل حقيقة نقبل بحرية التعبير الإلكتروني؟…بقلم:د. صبري صيدم

shello
shello 2014/03/27
Updated 2014/03/27 at 11:53 صباحًا

26qpt480

 

 


يتضح وفي كل يوم تتسع معه رقعة الاهتمام الآدمي بالفضاء الإلكتروني، غياب التعريف الواضح لحرية التعبير في هذا الفضاء، حتى أن مبدأ أن تقول ما تشاء وتنتهي عندما تعتقد بأنك ستتعدى به على حرية الآخرين، لم يعد ناظماً مقبولاً، لاسيما وأنك تتحدث عن فضاءٍ افتراضي يشترك فيه كل الناس وبشكل آني وبصورة لا تعرف حدود الجغرافية، ولا الفوارق الزمنية، ولا الظروف المكانية ولا حتى حدود القول. ويحتل القدح والشتم والسباب مواقع متقدمة في قائمة الموضوعات الأكثر إثارة كونها تسترعي اهتمام الناس حسب جاهزيتهم للتعامل مع موضوعات كهذه.
أما المنظم القانوني في الدول التي يستشرس فيها القدح والذم وحتى الصراع الطائفي فيبقى غائباً أو عاجزاً أو قديماً، مما يضطر الدول إلى اللجوء إلى القياس القانوني استناداً إلى قوانين بالية متهالكة. أما طبيعة المنظم فتتفاوت من دولة إلى أخرى من حيث المفهوم، فهناك من يرى حاجة للبطش والمعاقبة، وهناك من يرى حاجة للتعريف بالحقوق والحدود والضوابط القانونية بدون التعدي على حرية التعبير. لكن الدول العربية الغارقة في همها تستمر في عدم اعتبارها تنظيم قطاع الإنترنت أولوية مهمة، وهي بالتالي تعيش تراكماً بديهياً للمشاكل والمصائب، ليس على مستوى السياسة فحسب، بل أيضاً على مستوى الشؤون الاجتماعية والسلم الأهلي.
ومع هذا الهم المستجد فإن الأسرة العربية باتت تسترجع الحاجة للتركيز على التنشئة والسلوك، باعتبارهما خير المصدات المعنوية الطبيعية لحماية أبنائها من سلبيات الشبكة العنكبوتية وما تطرحه من مشاهد ومواقف وما تتيحه من مساحات غير محددة للتعبير عن الرأي. بينما يلجأ البعض في بلدانهم لاستحداث مدونات للسلوك ومواثيق شرف بحثاً عن اتفاق أهلي لتنظيم النشاط الإلكتروني وتحديد المباح ولجم كل ما هو مستباح. لكن ومع الاحترام لهذه الجهود فإنها لم ولن تكون محل تأثير ولن تلزم إلا موقعيها، لكنها لن تستطيع أن تلزم كل البشر الذين يعتبرون الإنترنت وما تفسحه من حرية وزوالٍ لمقص الرقيب منصة فعلية كبيرة ورئيسية للثورة على الكبت وحجب الحريات.
وقد تزامن هذا السعي إلى ظهور ظاهرة باتت تشملنا من حيث لا ندري، خاصة أننا أصبحنا في معظمنا، وأقصد جمهور المستخدمين للمدونات ومنصات الاعلام الاجتماعي صحافيين إلكترونيين لما ندرجه من اخبار وتحقيقات ومواقف وآراء، الأمر الذي خلق مدرسة مرتجلة للإعلام، التي لم تخضع لتدريس أكاديمي يحدد الشروط والضوابط للنشاط الإلكتروني.
لكن الظاهرة الأغرب هو أن اغلب الدول المدعية الديمقراطية، ومنها من يدير الإنترنت، تفتح الباب للهجوم على غيرها من أراضيها، وبقدر كبير من الاستباحة الطائفية والعرقية واستثارة النعرات، تحت مسمى الحريات دونما حسيب أو رقيب، أو حتى تطبيق لقوانينها، بينما تتعامل بصرامة مع من يستخدم نفس الحق والقدر بحريات كهذه لتناول قضاياها الداخلية وإثارة النعرات على أراضيها. فكيف يستطيع أحدنا مجرد التفكير في تعريف الحرية في الفضاء الإلكتروني إلا بالاقتناع بأنها تقوم على مبدأ: شتم الغير حرية وشتمي جريمة إلكترونية! وقد عزز العجز في عالمنا العربي مساحات التيه في التوصيف والتعامل مع حرية الرأي لكن العلاج ليس بالتكميم، وإنما بابطال مبادئ الآخرين بالمعلومة والعمل وتعريف الحدود والضوابط، بحيث يضمن المجتمع ولادة بعض الأمور التي يراها البعض أولوية مهمة بحيث يكون هناك حسب هؤلاء
– إعلام فاعل وليس مفعولاً به
– إعلام حر لا حصان طروادة مخصص لبث السموم.
– مؤسسات إعلامية مسؤولة لا مأجورة.
– إعلام حر محدد التوصيف بغرض وقف الخلط بين الحرية والتعدي على حقوق الإنسان وسلمه الأهلي ونسيجه المجتمعي.
– إلغاء الرقابة على الإنترنت وضمان الحرية الشخصية وإطلاق كامل الحريات بحدود لا تتعدى المنظومات الأخلاقية والدينية والمجتمعية المعروفة.
– إرادة سياسية ناضجة لضمان الحريات الإلكترونية.
لكن ما لا يعلمه البعض أن ثقافة التحول الرقمي هي ثقافة حديثة النشأة لا تتحرك معها الثقافات المجتمعية في العديد من الدول بالسرعة المرجوة، خاصة في عالمنا العربي. ناهيكم عن الكبوات السياسية المستدامة التي تصحبها كبوات معنوية ومعرفية تخلق فراغاً هائلاً لا يملؤه سوى ازدهار واضح لثقافة العدمية التي تفرز بركاناً ثائراً من الانتقادات اللاذعة التي لم يعتد عليها المجتمع. لذلك فإن العالم العربي يتعامل بحذر واضح مع حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، خاصة أن معظم المناهج المدرسية لا تواكب التحول الرقمي، إضافة إلى المعلم الذي بات يعيش منافسة واضحة بينه وبين طلابه جراء اتساع الهوة الرقمية، كذلك الأهل الذين يعيش معظمهم حالة من الضياع الواضح في سبل التعامل مع الأبناء وإدمانهم على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
لذلك فإن خشية المسؤول والمدير والوزير والأمير وأجهزته الأمنية من الإفراط في الحريات الرقمية يبدو مبرراً لدى البعض، باعتباره نتاجاً لكل ما ورد. لهذا فإن الخوف من حرية التعبير الإلكتروني في عالمٍ موسوم بما ذكر آنفاً سيبقى أمراً واقعاً إلى حين أن يتحول العالم العربي نحو إنتاج المعرفة وملء وقته بالعمل والإنجاز والتقدم، بحيث تصبح الحرية ثقافة وخيارا لا كما يراها البعض عبئا ودمارا!

القدس العربي

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً