هل يجب على الفلسطينيين مقاطعة المساعدات الدولية؟

2012/10/18
Updated 2012/10/18 at 4:44 مساءً

لندن / نشرت صحيفة “ذي غارديان” البريطانية عبر موقعها الاليكتروني اليوم الخميس مقالاً للكاتبة الاميركية الدكتورة نورا مراد* تناولت فيه إنتقاداً لمنظومة المساعدات الدولية للفلسطينيين وتساءلت اذا ما يتوجب على الفلسطينيين مقاطعة هذه المساعدات والتحول لمصادر تمويل فلسطينية بديلة غير مشروطة من شأنها تحقيق نتائج أفضل في مشاريع تنموية تتناسب مع احتياجات الفلسطينيين. وفيما يلي نص المقال:

المساعدات هي صناعة دولية ضخمة ونجاحها ليس واضحاً على الاطلاق. وعلى الرغم من بعض المكاسب، فإنه لم يتم القضاء على الفقر، ولم يتوقف التغير المناخي، كما لم يتم احترام الحقوق. لكن يتم إرجاع النتائج السيئة إلى المشاكل التقنية ويبقى القصور الجوهري في سياسة المساعدات من دون فحص. وتشكل فلسطين مثالاً هاماً على ذلك، بسبب إعتمادها الكبير على المساعدات، والعدد الكبير من الدول المانحة، والملايين من الفلسطينيين الذين يعانون منذ عقود على الرغم من إنفاق مليارات الدولارات.

لقد خدعت بالتنمية الممولة بالمساعدات في فلسطين منذ وصولي في عام 2004، ووجدت المنظمات غير الحكومية المحلية تلاحق الدعم الدولي من خلال تعديل برامجها، ونشر معلوماتها بالانكليزية بدلاً من العربية، وتوظيف طواقم إضافية من أجل كتابة التقارير المالية بالعملات الأجنبية.

ورداً على ذلك، ساهمت في تأسيس مؤسسة “دالية”، وهي منظمة فلسطينية غير حكومية تروج للتصميم الذاتي من خلال السيطرة على الموارد المحلية. وفي مقالات “دالية” مثل: “هل ينتهك نظام المساعدات الدولية الحقوق الفلسطينية؟”، و”لا تنس واجبك بعدم إلحاق الأذى بغزة”، إعتبر اصلاح المساعدة الدولية كفاحاً للمطالبة بالحقوق يأتي في سياق القانون الدولي، وربطت ممارسة الضغط حول المساعدات بالحركة الوطنية الفلسطينية لتقرير المصير اضافة الى حركة إصلاح المساعدات العالمية.

وقد نشرت “دالية” دراسة حول أولويات المجتمع المدني الشعبي للاصلاحات في المساعدات، ووزعت فيلماً قصيراً، كما أطلقت عريضة دولية لزيادة الوعي. وكان الناس متحمسين، لكن الجهات الدولية لم تستجب. ربما لأنها إعتقدت ان نواياها الحسنة حررتها من المسؤولية عن الأثر الكلي للمساعدات على الفلسطينيين.

أملت بأن نستطيع التأثير على سياسة المساعدات إذا طالبنا المانحين بالالتزام بتطبيق المبادئ التي يروجون لها – مثل الملكية المحلية، المساءلة المشتركة، والتناغم مع الأجندات المحلية. وقد خضت في العمليات الرسمية، حتى شاركت في منتدى رفيع حول فاعلية المساعدات، والترويج للاتفاق الجديد حول التعامل الفعال في الدول الهشة.

لكنني خدعت، ويبدو الآن أن جزءا كبيراً من المجتمع المدني الدولي غارقاً في العملية الرسمية للإصلاح في المساعدات وله رؤية ضعيفة، وهو يضيع الموارد الثمينة ولا يمكن أن يمارس ما يروج له – كل ذلك بسبب عمل الجماعات المجتمعية في ظل قيود تضيق عليهم بدرجة غير مقبولة ويفرضها المانحون.

لذلك، فقد حولنا تركيزنا إلى سياسات الفلسطينيين أنفسهم. تساءلنا: “هل يريد الفلسطينيون المساعدات الدولية وفقا لشروطهم، وما هي هذه الشروط؟”، وتذمر المشاركون: “لماذا يدعم المانحون مدارسنا ولا يفعلون شيئا حين تقصفها إسرائيل؟ لماذا يعاقب المانحون الفلسطينيين على مساعيهم للحصول على حقوقهم القانونية في الامم المتحدة؟”.

نعلم أن العقبة الأساسية أمام التنمية هي الاحتلال، والاستعمار وتهجير الشعب الفلسطيني. والطريقة الوحيدة لتحقيق التنمية الحقيقية، هي تسوية سياسية عادلة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وقد ظهر أن هؤلاء الفلسطينيين لا يريدون مساعدات على الاطلاق. إنهم يريدون تدخلاً سياسياً ودعماً إقتصادياً من حقهم الحصول عليه من أجل السعي للتنمية بأنفسهم. كما أنهم عبروا عن رفضهم للمشاريع التنموية الزائفة، التي هي في أفضل الحالات إلهاء، وفي أسوأها، مضرة للكرامة والاستقلال والاستدامة الفلسطينية.

وعلى الرغم من أن بعض أنواع المساعدات بناءة، إلا أن النظام عامة مغلق ولا يخدم إلا نفسه. ولذلك، لا يمكن أن نغير سياسة المساعدات من خلال مشاركة المجتمع المدني. يعلم الفاعلون الدوليون بالضبط ما يفعلونه في فلسطين: إنهم يساهمون في استمرار الوضع الراهن غير المتوازن لكن القابل للسيطرة، لا يريدون أن يتغير ذلك، ولا يمكننا أن ندفعهم لذلك.

ربما لا يمكننا أن نغير سياسات المساعدات لدى المانحين، لكن الفلسطينيين يمكنهم أن يتوقفوا عن المشاركة في قمع ذاتهم من خلال رفض المساعدات التي تقدم بناء على شروط مؤذية. ومن خلال منظمة “المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات” (BDS)، يرفض الفلسطينيين وداعموهم التعامل تجاريا مع الأشخاص أو المؤسسات التي تقلل من آفاق السلام العادل. هل يجب أن يتوسع نشاط هذه المنظمة ليشمل المساعدات؟ أظن ذلك. من خلال التركيز على ما يمكنهم السيطرة عليه، أي سياستهم الخاصة حول أي مساعدات يقبلونها، فإن الفلسطينيين يمكن يسيطروا على التنمية في وطنهم.

التحدي كبير، سيكون هناك ضغط سياسي، وقد يصبح الملايين أكثر فقراً، والنخبة قد تحارب الجهود لتغيير النظام الذي تستفيد منه. لكن الفلسطينيين قد لا يكونون معتمدين على الدعم الخارجي بالدرجة التي يعتقدونها. وإذا أخذنا مشروعا بقيمة 10 ملايين يورو وخصمنا المصاريف غير الضرورية، أي المبالغ التي يأخذها المانحون والمنظمات الدولية للإدارة، وتلك التي تنفق على أمور غير ذات أولوية محلية، وما يتم إنفاقه على المستشارين الأجانب والموارد الباهظة من أوروبا – فإن ما يبقى من ميزانية قد لا يكون ضخماً.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك بدائل أخرى غير الاعتماد على المساعدات. ومن خلال دعم الفلسطينيين في الشتات والمؤيدين في العالم، يمكن أن يقيم الفلسطينيون نماذج جديدة للاستدامة لا تتطلب رهن مستقبلهم للمانحين الدوليين الذين تعتبر رؤيتهم لفلسطين غير مقبولة.

هذه أوقات صعبة للقيام بمخاطرات، لكن ربما قد وصلنا إلى هذه الأوقات الصعبة بسبب محاولة البقاء على الجانب الآمن لفترة طويلة جداً وعدم المجازفة بالتغيير.

نسخة مطولة عن المقال متوفرة لدى المجموعة الفلسطينية للدراسات.

www.palstudies.org

* نورا ليستر مراد، درجة الدكتوراة، تقيم في القدس، فلسطين حيث تكتب الروايات الخيالية. ومدونتها “المنظر من نافذتي في فلسطين” على موقع www.noralestermurad.com يتطرق الى قضايا المساعدات والتنمية والحياة اليومية تحت الاحتلال العسكري. قامت بانشاء مؤسسة “دالية” (www.dalia.ps)، أول مؤسسة مجتمعية فلسطينية وعملت مديرة لها حتى عام 2010. يمكن الاتصال بها عبر nora@noralestermurad.com أو @NoraInPalestine.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً