طرد الناس من السياسة…بقلم:الياس خوري

shello
shello 2014/06/10
Updated 2014/06/10 at 9:29 صباحًا

09qpt998

 

ماذا فعلت قوى القمع المختلفة في مواجهة «الربيع العربي»؟
نتحدث عن قوى القمع ونحن نعني قوتين رئيسيتين: آلة الاستبداد التي صنعتها العسكريتاريا والمافيات المرتبطة بها من جهة، وآلة الاستئصال التي صنعتها الردة الأصولية بأجنحتها المختلفة، من جهة ثانية.
القوتان تخوضان صراعات دموية كما هو الحال في مصر، او تتصارعان في اطار تحالف مصالح كما هو حال العلاقة بين «داعش» وآل الأسد. لكنهما متواطئتان في خوفهما من السياسة، ومن اندفاع الناس الى الشوارع مطالبة بحقها في ادارة سياسة البلاد.
في مصر انتهت الجولة الجديدة من الصراع بانتخاب المشير رئيسا للجمهورية، وسط مناخ استفتائي، لم يستطع السيد حمدين صباحي ان يخترقه. الاخوان في السجون، والخائفون من الاخوان والمصابون برعب التفكك الذي ضرب سوريا وليبيا، ينتخبون الخيار الوحيد المتاح أي الجيش.
اما في سوريا فالمسألة أكثر تعقيدا، الانتخابات لم تكن سوى عراضات مسلحة انتهت بإعلان فوز السلالة الأبدية التي تحكم سوريا منذ عام 1970. «انتصر» النظام الاستبدادي في الانتخابات لكنه لم ينجح في تسويق نفسه كعامل استقرار يحمي الدولة، لأن النظام قضى على الدولة ومزقها.
في مصر قاد عجز القوى الثورية المدنية عن بلورة مشروع التغيير الى صدام القوتين الكبريين: الجيش والاخوان. حين حكم الاخوان حاولوا اخراج الناس من السياسة، اما عندما عاد الجيش الى السلطة محمولا على المظاهرات الشعبية المطالبة باسقاط حكم الاخوان، فانه قام بضرب شباب الثورة واعتقالهم، تمهيدا لعودة الهدوء، اي لعودة السياسة الى اصحابها القدماء، اي الى اهل النظام.
ولكن الحكاية السورية التي سمحت باجراء ما يشبه الاستفتاء الرئاسي مختلفة، واكثر مأسوية. بقاء الأسد في السلطة عبر البحث عن شرعية انتخابية، غطاها مراقبون من روسيا وايران و…كوريا الشمالية!، لا يعني نهاية الحرب السورية، ولا يؤشر الى استعادة الدولة لوجودها الذي تفكك، بل يعني بداية جديدة للحرب الأهلية.
السيسي هو الجيش، والجيش المصري رغم مصالحه الاقتصادية المتشعبة هو جيش الدولة، على اعتبار ان الدولة هي دولة الجيش. وهو بهذا المعنى، ورغم المواجهات المستمرة مع التيارات الأصولية، ليس مشروع فإن عودة الجيش الى السلطة ليست مشروع حرب أهلية بل هي مشروع تحالف سياسي واقتصادي من حول الجيش لا تزال ملامحه غامضة.
وعلى الرغم من أن هذا الواقع يحمل في طياته الرغبة في اخراج الناس من السياسة، فإنه يُبقي باب الصراع مفتوحا، شرط ان تعيد القوى المدنية والديموقراطية تنظيم صفوفها وبلورة مشروع انقاذ الثورة من البونابرتية التي تلوح في الأفق.
اللعبة في سوريا مختلفة جذريا، على الرغم من محاولة اعلام «الممانعين» البحث عن تطابق مفقود مع التجربة المصرية.
في سوريا اثبت الأسد انه يقود ميليشيا، وانه يحظى بدعم شعبي، على الرغم من انه ليس كبيرا، لكن يجب أخذه بجدية. والواقع اننا لا نملك معطيات تسمح لنا بدراسة الخريطة الانتخابية السورية، نظرا لفقدان الصدقية في التقارير المتاحة، لكننا نستطيع الافتراض ان الاسد نجح في تكتيل تحالف من القوى عماده الأساسي طائفي، ومبرره هو الخوف من حكم اصولي سني.
وكي تصل سوريا الى هنا كان لا بد من تضافر ثلاثة عوامل:
الأول هو اللجوء الى سلاح القمع الوحشي الذي لا رادع له. فشهدت المدن والأرياف السورية المنتفضة حمامات دم، قبل ان تطلق المعارضة رصاصة واحدة. فالنظام الاستبدادي رفض تقديم اي تنازل، وتعامل مع الشعب السوري بعقلية السيد الذي يؤدب عبيده. كما انه كشف المستور في بنيته، فالنواة الأساسية صلبة عبر اتكائها على العصبية الطائفية، وهي نواة مافيوية استخدمت جهاز الدولة كغطاء لها، وعندما شعرت ان هذا الجهاز لا يستطيع قيادة المواجهة كشفت عن طبيعتها الميليشيوية الفاقعة.
الثاني هو دفع الانتفاضة الشعبية الى العسكرة المطلقة، التي وجدت في الدعم العسكري والمالي الخليجي ملاذها الوحيد، بعد سقوط اوهام التدخل العسكري الامريكي. عسكرة تحت مظلة انظمة تحتقر شعوبها ولا تفقه معنى الديموقراطية وتتسربل بأصولية ظلامية، لا تقود الا الى هاوية السقوط في احضان «داعش» و»النصرة» واشباههما.
اللجوء الى السلاح الذي بدأ انشقاقات عن الجيش النظامي، وكمحاولة من شباب الأحياء الفقراء للدفاع عن أنفسهم، تحوّل تدريجيا الى ملعب للقوى الاقليمية، التي قامت بتهشيم الجيش الحر وتحويله الى كتائب مسلحة مشرذمة، تتبع مموليها.
هكذا قام العساكر الجدد من الأصوليين باخراج الناس من السياسة، وهذا ما تؤشر اليه عمليات خطف المناضلين المدنيين وتصفية اعداد منهم، في امارات «داعش» وغيرها، الى درجة الجرأة على خطف مناضلة من وزن رزان زيتونة، في الغوطة التي يحكمها زهران علوش.
العامل الثالث هو التفاوت المذهل بين جدية داعمي النظام الاقليميين والدوليين وخفة بل عدم نزاهة داعمي الثورة الذين لا يدعمون سوى بالكلام أو بالظلام.
من ايران وحرسها الثوري وحزب الله والميليشيات العراقية التي تقاتل الى جانب النظام الى الدعم الروسي المفتوح. اما الثورة فيتيمة الا من دعم يريد شرذمتها بأموال النفط والغاز، وبجهاديين وجدوا في سوريا حقولا للقتل.
تحمّل الشعب السوري ما لم يستطع احد تحمله من اجل حريته، ولكن الألم وحده لا يصنع السياسة، ولا يبني المستقبل. وجد الشعب السوري نفسه، وهو يخوض واحدة من أشرف معارك الحرية، بلا قيادة حقيقية. كل محاولات بناء قيادة في الخارج انهارت، لأن شرطها كان دعما خارجيا مفقودا، اما في الداخل فإن وحشية النظام المروعة، كانت كفيلة بمنع اي توجه لبناء قيادة شعبية مدنية، كما ان انفلات القوى الأصولية حوّل السياسة الى مسخرة في أغلبية «المناطق المحررة».
اننا امام منعطف طرد الناس من السياسة، وهذا يعني استعادة الاستبداد زمام المبادرة وموت اللغة عبر تحويل القيم الى مهزلة.
صنعوا انتخابات بلا انتخاب، ودبلجوا اللغة السياسية كي تعبر عن الخواء، والهدف هو فك الصلة بين الناس والسياسة وبين السياسة وصناعة التاريخ.
هذا هو لامعنى المعنى، الذي يريد الاستبداد ان نصل الى حضيضه.
الاستبداد لا يعلم انه هُزم في اللحظة التي ارتفع فيها شعار: «الشعب يريد اسقاط النظام»، لكن هزيمة الاستبداد لا تعني بالضرورة انتصار قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، فهذا الانتصار يجب ان نخترع من أجله الأمل كي نستطيع الوصول الى بداية الطريق اليه.

القدس العربي

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً