الصين والأزمة الأمريكية – الكورية الشمالية بقلم : عطية الجبارين

2018/07/09
Updated 2018/07/09 at 10:11 صباحًا


لقد انتقلت الأزمة الأمريكية الكورية الشمالية من النقيض إلى النقيض فبعد أن كانت تُدق طبول الحرب وتطلق عبارات التهديد والوعيد بين البلدين والذي بلغت ذروته العام الماضي إذ هدد كل بلد منهما باستخدام السلاح النووي ضد الآخر التقى الزعيمان الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ أون في قمة صدرت عنها عبارات الإطراء والمديح والثناء وحلت بوادر السلام بدلا عن إرهاصات الحرب .
لقد احتدت الأزمة الأمريكية الكورية الشمالية في عهد دونالد ترامب بصورة كبيرة بحيث إن العالم كان يتوقع المواجهة العسكرية بينهما في كل لحظة .
أمريكا سعت لإخضاع كوريا الشمالية لسياستها بالقوة وحاولت أن تجبرها على التخلي عن سلاحها النووي بالتهديدات المتصاعدة لكن كوريا لم تخضع لهذه التهديدات مما أجبر أمريكا على اللجوء لأساليب سياسية ودبلوماسية وضغوطات اقتصادية . وقد عملت أمريكا على إشراك الصين معها لتقوم بسياستي الضغط والوعد باقتصاد مزدهر إن قبلت السير في الاستجابة للرؤية الأمريكية في الخلاص من أسلحتها النووية . وقد استجابت الصين لذلك وقامت بدور المُقنع لكوريا بضرورة الاستجابة لطروحات الحل السلمي للازمة . والذي دفع الصين للسير مع الرؤية الأمريكية في إخضاع كوريا الشمالية تطلع الصين للاستفادة اقتصاديا وتجاريا مع أمريكا إن سارت في خدمتها في هذا الملف وفي هذا تغليب من الصين لمصالحها على حساب المبدأ والفكر الشيوعي الذي يجمعها بكوريا وهذا كان بمثابة كسر لشوكة كوريا لفقدانها الحليف الرئيسي في صراعها مع أمريكا مما اجبرها على القبول بالطرح الأمريكي في الاستعداد لتخليها عن برنامجها النووي وتقديم تنازلت في مواقفها ومن ثم كانت قمة سنغافورة بين الرئيس الأمريكي والكوري الشمالي .
أي ان الصين وضعت ميزان الربح والخسارة في نظرتها للازمة الأمريكية الكورية الشمالية فرأت أن السير مع أمريكا أفضل لها لتحقيق أرباح تجارية من السير مع رفيق شيوعي لا فائدة اقتصادية في الوقوف معه وربما الوقوف معه يؤدي لخسائر اقتصادية لها فباتت حسابات الصين المدعية الوقوف مع أصحاب الفكر الشيوعي مصالح اقتصادية أكثر منها حسابات ومواقف فكرية وأيدلوجية ، وبذلك يظهر أن الصين قد قدمت كوريا الشمالية قربانا لأمريكا في سبيل مصالحها فأمريكا تهدف من مسألة نزع سلاح كوريا الشمالية تطويق الصين ومنعها من السيطرة على بحري الصين الشرقي والجنوبي . فالصين لو كان عندها الوعي السياسي الكافي والإرادة السياسية القوية ما ضغطت على كوريا الشمالية في هذه القضية وهي حليفتها وذات رؤية فكرية واحدة بل كان ان اصطفت معها وحمتها وطرحت سلاح أمريكا النووي مقابل طرح أمريكا لسلاح كوريا الشمالية النووي ، وكذلك هي المستهدف الأول والرئيسي من سياسة أمريكا في تلك المنطقة ، وهذا الموقف يُظهر أن الصين ما زال أفقها ووعيها السياسي على السياسة الدولية ما زالا ضيقين وإرادتها السياسية ما زالت ضعيفة .
إذا ، كان للصين الدور الأساس في اجتماع الزعيمين ترامب وكيم أون وأن يوضع ملف كوريا الشمالية النووي على طاولة البحث وأن يُبدأ بعمليات تفكيك وتدمير لمنشآت نووية كورية . إن الدول المبدئية لا تُّغلب مصالحها على المبدأ والفكر ولا تتخلى عن مواقفها وحلفائها من اجل مصلحة ومنفعة مادية بل تستميت في الدفاع عن رؤيتها ومبدئها وعن حلفائها ولا تخضع مواقفها لميزان مادي وتجاري واقتصادي. إن أمريكا التي توقع الاتفاقيات هنا وهناك لا تلتزم ببنود وشروط هذه الاتفاقيات إلا بمقدار ما فيها مصلحة لها ، فإذا انعدمت المصلحة في الاتفاقيات نقضتها وداست على شروطها وبنودها وما إلغاء الاتفاق النووي مع إيران مؤخرا إلا دلالة على عدم وجود قيمة للعهود والمواثيق عندها إلا بمقدار ما يجلب لها من منفعة وفائدة ، وكذلك نجدها (أمريكا) لا تحفظ جميلا لمن يعينها ويساعدها في تنفيذ ما ترمي وتصبو إليه من أهداف ومصالح . وهذا الحال والتصرف المبني على غرور القوة والأنانية يجب أن يكون دافعا للعالم أجمع للبحث عن بديل حضاري يحقق الاستقرار والأمان ويحفظ العهود والمواثيق . ونظرة عامة وخاطفة للمبادئ والقيم الموجودة في العالم نجد أنه لا يوجد مبدأ يحمل في ثناياه الرحمة والعطف على البشر إلا مبدأ الإسلام . فلذلك كان سبيل خلاص البشرية من مآسي وأزمات وظلم وعنصرية وشرور الرأسمالية يكمن في عودة الأمة الإسلامية متحدة في كيان سياسي واحد يقوم على مبدأ الأمة وعقيدتها يحمل هذا الكيان مشعل ورسالة الرحمة والنور للعالم ليُخرج البشرية من ظلم وظلمات الرأسمالية إلى عدل ونور ورحمة الإسلام فتسعد البشرية ويهنأ الناس في أمن وأمان في كافة مجالات ومناحي حياتهم .

Share this Article