المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية

2021/11/29
Updated 2021/11/29 at 9:10 صباحًا

رام الله – الحياة الثقافية – صدر حديثا عن “مؤسسة الدراسات الفلسطينية ” كتاب “المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية”  تحرير مجدي المالكي ، سليم تماري ، وهو مجموعة دراسات لكتاب وباحثثين تعالج مجموعة من القضايا ذات العلاقة بالتحولات التي شهدتها المدن الفلسطينية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن. وتشترك جميعها في إبراز أهمية العوامل التاريخية والسياسية، وتحديداً دور الاستعمار الإسرائيلي الكولونيالي، في تشويه المدن الفلسطينية وحجز تطورها تاريخياً، وتهويدها في مناطق 48، وفي مدينة القدس، من خلال سياسات ممنهجة ومساعٍ لإنتاج المدينة الفلسطينية كغيتو في الداخل المحتل منذ سنة 1948، كما في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ سنة 1967. وتتناول كل هذه الدراسات عدة محاور مهمة تتعلق بتطور المدن الفلسطينية تاريخياً، وإعادة تشكيل تنظيمها المكاني، والتحولات التي أصابت تركيبها المورفولوجي والديموغرافي، وتأثير العولمة والسياسات النيوليبرالية في التشكل الطبقي الجديد فيها، والأثر الاجتماعي للتحضُّر المتسارع والتوسع العمراني الذي شهدته مدن ما بعد اتفاق أوسلو على وحدات التركيب الاجتماعي داخلها، وعلاقتها بمحيطها الريفي، وآليات تبلور حركات مدينية مقاومة فيها، ودورها في تعزيز الهُوية الوطنية والثقافية بصورة عامة، وتنقُّل وتشابك النشاطات الثقافية والسياسية من مدينة إلى أُخرى (من حيفا ويافا إلى الناصرة ورام الله).

لقد مرّت معظم دول العالم بعمليّات تحضّر وتمدّن متسارعة طوال القرنين الماضيين، ولم تكن فلسطين استثناءً حتّى بداية القرن العشرين. فقد شهدت العديد من المناطق الفلسطينيّة تطوّر مراكزَ حضريّة في العقود الأخيرة من الحكم العثمانيّ. ولا شكّ أنّ تطور المدينة الفلسطينيّة قد تأثّر خلال المائة عام الفائتة بالأحداث السياسيّة المتلاحقة في المنطقة. وبينما يُعزى تطور المدينة في فلسطين وازدهارها إلى الفترة العثمانيّة المتأخّرة، فإنّ بداية إعاقة هذا التطوّر تعود إلى فترة الانتداب البريطانيّ على فلسطين وما تلاها، وصولًا إلى نكبة سنة ١٩٤٨، وما تبعها من تهجير لما يزيد على نصف الشعب الفلسطينيّ، وتفكّكٍ للمجتمع وانحسارٍ لتطورّه المدينيّ، وما رافق ذلك من مظاهر اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة عديدة.

وعلى الرغم من استمرار التهويد الممنهج، ومساعي إنتاج المدينة الفلسطينيّة كغيتو في الداخل المحتلّ منذ سنة ١٩٤٨، كما في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة منذ سنة ١٩٦٧، فإنّ النضال السياسيّ والحراك الاجتماعيّ والثقافيّ المستمرّين للفلسطينيّين شكّلوا عوامل مقاومة وإعادة بناء وتحديًّا لآليّات السيطرة والمحو الإسرائيليّة.

 

واشار مناع إلى أن الناصرة هي المدينة الفلسطينية الوحيدة التي بقيت من أصل ١١ مدينة فلسطينية، وأن اللاجئين نزحوا إليها من المدن والقرى المجاورة مثل صفورية والمجدل، فيما أصبحت صفد وبيسان وطبريا وبئر السبع مدناً خالية تماماً من سكانها الأصليين ، وصارت المدن الساحيلة عكا وحيفا والرملة مدناً مختلطة حيث بقي فيها بضعة آلاف، وبضع مئات في اللد والرملة. وأن هذه المدن جميعها، ما عدا مدينة عكا، خسرت الريف بشكل كامل، مؤكداً أن لبقاء الناصرة أهمية كبيرة بالنسبة لسكان قرى الجليل الذين عانوا من قطيعة عن العالم العربي، ولكنهم نجحوا في بناء مؤسسات سياسية مؤثرة.

وتحدث مناع عن أثر غياب المدينة على السلوك السياسي، واختفاء النخب الوطنية واستمرارية الباقين دون قيادة. كما انعكس غياب المدينة فكرياً وثقافياً، إذ أقفلت العديد من الصحف، ولم يعد هناك من يرعى المؤسسات الثقافية، أما عدد المحامين بعد النكبة فلم يتعدَ العشرة، بينما كان عدد المدارس الثانوية العربية أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، واحتاج الطلبة إلى تصريح من الحكم العسكري لدخول الجامعات، ولم تقم اسرائيل ببناء مدينة أو قرية واحدة وضيقت الخناق على البلديات العربية.

راسم خمايسي أستاذ التخطيط الحضري في قسم الجغرافيا ودراسات البيئة في جامعة حيفا، استعرض وبشكل نقدي التحولات التي مرت وتمر بها المدينة الفلسطنية خصوصاً بعد التقسيم الجيوسياسي القسري، بتناول نظري لواقع المدينة الحالي ومركباته عبر إجراء مقارنات بين واقع المدن الفلسطينية المستأنفة تنميتها في ظل السيطرة الاسرائيلية وتلك التي يقابلها مشروع وطني فلسطيني مشتت. وفسرت المقارنة سبب وجود بيئة مدينية مشوهة في فلسطين تتميز بممارسات تنموية حضريّة محصورة ومأسورة.

المحامي في القانون الدولي أحمد أمارة، ،كتب حول مدينة بئر السبع، تحت عنوان “بئر السبع: مدينة حدوديّة، تطرق فيها إلى الظروف والاعتبارات المختلفة التي أدت إلى تأسيس المدينة في أوائل القرن العشرين وتطور المدينة الحديثة حتى نهاية الحكم العثماني. وجادلت الورقة أن تأسيس بئر السبع لا يمكن فصله عن السياسات العثمانية الداخلية والخارجية ومنها مشروع الدولة العثمانية السياسي – الاجتماعي لتوطين البدو، والسيطرة عليهم وعلى الحدود في تأسيس سيادة وشرعنة الحكم العثماني في المناطق الحدودية من الإمبراطورية العثمانية تجاه السكان أنفسهم وتجاه البريطانيين.

وكتبت حول الحيز وهندسة الهوية  الباحثة والناشطة النسوية همت زعبي تحت عنوان “تحويل “حيفا الجديدة” إلى “حيفا مدينة مختلطة” – تصميم الحيز كأداة لهندسة الهوية الجماعية/ الطائفية”، استعرضت خلالها الفضاءات المختلفة التي أنتجت في مدينة حيفا في ظل أنظمة حكم استعماريّة مختلفة منذ القرن العشرين، وبينت دورها في تشكيل هويات السكان. وجادلت الورقة أن هذه التحولات التي شهدتها حيفا بالارتباط مع سياسات إدارة السكان الاستعماريّة، لعبت دوراً مهماً في تشكيل فضاء حيفا وتشكيل هويات وتجربة الفلسطينيين في اختبار العيش في فضاءات حضرية.

واستعرضت الاستاذة في علم الاجتماع ومديرة برنامج الدكتوراه في العلوم الاجتماعية في جامعة بيرزيت ليزا تراكي، حول مدينة رام الله تحت عنوان “حيوات عادية: أصول الطبقة الوسطى في مدينة صغيرة في فلسطين في مطلع القرن العشرين”. وبحثت تراكي من خلال ورقتها  في تبلور طبقة وسطى في رام الله في مطلع القرن العشرين، وصفتها بأنها طبقة مختلفة عن تلك التي كانت تنمو في المدن الساحلية والقدس. وسعت الورقة إلى تبيان العوامل التي اجتمعت في لحظات معينة، وأضفت عليها طابعاً خاصاً. وتشكل هذه الدراسة مساهمة في كتابة التاريخ الاجتماعي للبلدات الصغيرة في فلسطين، تاريخ لم يحظ باهتمام كبير لدى المؤرخين الاجتماعيين.

والجدير بالذكر أن هذه الدراسات كانت قد قدمت في مؤتمر للمؤسسة عام 2019 كان قد عقد في جامعة بيرزيت تحت العنوان نفسة” المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية”

Share this Article