حماس بعد الحرب: مفاوضات أم مقاومة؟

2014/09/14
Updated 2014/09/14 at 9:34 صباحًا

13z500

غزة – «القدس العربي»: لم يكن يخطر ببال أهالي قطاع غزة أن المشاحنات بين فتح وحماس ستعود لتملأ صفحات المواقع الإخبارية بعد ما عاشوه من ويلات الحرب لمدة واحد وخمسين يوماً. ربما كان الخلاص من الحرب والإنقسام معاً المكافأة التي توقعها الجميع أمام صمود وتضحية مليون وثمانمئة ألف مواطن في حرب وحشية، لكن ما حدث من تدهور في العلاقة بين أكبر فصيلين فلسطينيين، بدا معه وكأن الحرب كانت فاصلا إعلانيا بين فترتين شديدتي التشابه.
فقد عاد الخلاف حول أحقية موظفي قطاع غزة في رواتبهم، وخطابات الرئيس محمود عباس المفجعة، وكأن الألفي ومئتي شهيد كانوا ثمناً لتغيير روتين الإنقسام.
ومع ذلك لم يكن هذا فقط ما كان ينتظر أهالي القطاع، بل هناك اتفاق وقف إطلاق النار في 26 آب/اغسطس الذي لم يتحقق أي بند منه بعد، كما أصبح القطاع في وضع سياسي وإداري غير مسبوق، ومؤطر بحكومة التوافق، لكن فعلياً تحكمه حركة حماس.
لن نرد
«القدس العربي» التقت المتحدث باسم حركة حماس سامي أبو زهري الذي أكد أنهم سيتجنبون الرد على حركة فتح في الوقت الحالي، وستكون أولوياتهم تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الخلافات، ودعم جهود الإعمار والإغاثة.
وأضاف أن «كل ما يثار من اتهامات يمكن أن نرد عليه لكننا نفضل أن نعالج الخلافات على طاولة الحوار وليس من خلال وسائل الإعلام، وأسلوب التهجم على حركة حماس مرفوض وغير مقبول وغير مبرر» داعيا فتح في حال كان لديها ملاحظات إلى طرحها على طاولة الحوار.
في حين هناك من يرى أن عدم رد حركة حماس على اتهامات فتح هو نوع من الإهتزاز الذي أصاب الحركة عقب الحرب.
القيادي في حركة حماس د.أحمد يوسف ينفي ذلك لـ « القدس العربي» ويضيف أن هذا يعني أن الحركة «تركز على محورين أولهما إعادة حضورها السياسي من جديد، ودعم التماسك من أجل حكومة الشراكة السياسية مع الفصائل، والثاني تعزيز المقاومة، فكل التحركات السلمية لم تنجح في الماضي».
ويشدد على أن المشاحنات الإعلامية لم تخدم المشهد الفلسطيني، بل أساءت إليه، منبهاً إلى أن «كل ما في الأمر أننا غير معنيين بالرد على الإساءة بالإساءة ونريد أن نخدم وطننا»، معتبراً أن صمود أهل غزة الأسطوري استعاد ثقة الأمة بقدرات الفصائل الفلسطينية، وحضورها على الخريطة السياسية والوجدانية ولا يجب تضييع هذه الثقة.
ويرى د.يوسف أنه لا عودة للإنقسام السياسي لأنه أضعف المشروع الوطني والسياسي، لافتاً إلى أن الحركة «قررت عدم (الردح)، وسنقدم كل التسهيلات لحكومة التوافق، فإسرائيل معنية بهذا الإنقسام، فهي تعتقد بعد الحرب أننا سننشغل في ترميم أوضاع القطاع الكارثية وبالتالي سيخلو لها الميدان وتستمر في مصادرة الأرض وإلغاء فكرة حل الدولتين».
الكاتب السياسي أكرم عطالله يوضح لـ «القدس العربي» أن حماس تعرف الآن أن الإتفاق مع السلطة وفتح هو الطريق الوحيد لإعادة إعمار القطاع وسط ضغوط شعبية كبيرة بعد ما خلفته الحرب من دمار، لكنه يرى في الوقت ذاته أن الحركة لن تسلم غزة إلى السلطة على الإطلاق، مضيفاً أن «المشروعين متصادمان، وكل منهما معطِل للآخر، فالسلطة تعتمد على سياسات واتفاقات، وما هو على أرض غزة من تسلح رفض لإتفاق أوسلو».

بين المقاومة والسياسة

هكذا يرى قادة حماس أن الحركة ستستمر في المزاوجة بين السياسة والمقاومة، لكن الواقعية السياسية تقول أنه إما عودة السلطة طبقا لتفاهمات أوسلو وبالتالي إعمار غزة وإنعاشها اقتصاديا، أو التركيز على تسليح المقاومة وخوض مزيد من الحروب وصولاً إلى حرب التحرير كما وصفها نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في خطابه بعد الحرب.
د. يوسف يوضح أن «اتفاق أوسلو لا أثر له على الأرض وانتهى بالنسبة الينا، وليس هناك ما يُلزمنا بأي اتفاقات، ولن نحترمها طالما أنها لم تحقق شيئا من حقوقنا، فالدولة الفلسطينية لا أثر لها في الواقع، واتفاق حكومة التوافق الذي تم توقيعه قبل الحرب لم يعتمد على أوسلو».
ويتابع: «علينا تعزيز المقاومة إلى جانب العمل السياسي لحماية المشروع الوطني وأن نكون على مقدرة للمطالبة بحقوقنا، وأن نتوحد ونمارس التداول السلمي للسلطة».
أبو زهري بدوره يقول: «نحن شعب محتل ومن الطبيعي أن نستمر كحركة مقاومة لكن المقاومة لا تُغني عن العمل السياسي، ولن يكون هناك أي شيء على حساب آخر».
هذا الخيار يراه المحلل عطالله أقرب للمستحيل، قائلاً إن «الوضع صعب على حماس بعد الحرب، فتجربة المزاوجة بين السياسة والمقاومة شاقة، وحاولها من قبل الرئيس عرفات ودفع حياته ثمناً لها».
وأضاف أن الإلتزام سياسيا عند حماس باتفاق اوسلو، يشبه ما يعنيه كامب ديفيد للرئيس المصري السابق محمد مرسي، فإذا تخلت عن العمل العسكري يصبح مبرر وجودها الأيديولوجي عليه تساؤلات كثيرة، منبهاً في الوقت ذاته إلى أن استمرار حماس في العمل العسكري يعتبر تجربة مريرة.
وهو يرى أن على الحركة أن «تفكر جديا في كيفية الخروج من هذه الأزمة وتحتاج إلى تفكير على المستوى الفلسطيني الكلي، وما أتوقعه البقاء كما السابق، المراوحة بين الحرب والاستعداد لها كما حدث عقب الحربين السابقتين».
ويرى د. يوسف أن على المجتمع الدولي أن يراجع موقفه، وعلى إسرائيل أن تقتنع أنها لن تستطيع قصم ظهر المقاومة، ويجب أن تعطي الفلسطينيين دولة على حدود 1967، معتبرا أن «هذه الطريقة الوحيدة التي ستوقف المقاومة، لأنه إذا انتهى الاحتلال سينتهي فعل المقاومة مع قيام الدولة».

هل حماس أضعف؟

وكان استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله مع بداية الشهر الجاري أظهر ازدياد شعبية حماس وقادتها في شكل غيرمسبوق منذ عام 2006، ورأى 79 في المئة من أهالي الضفة وغزة أن حماس انتصرت في العدوان الإسرائيلي الأخير، في وقت يثور جدل في الشارع الفلسطيني عن ماهية الانتصار الذي حققته المقاومة على الأرض.
يقول أبو زهري: «لم نقاتل من أجل رفع شعبيتنا، بل نحن ندافع عن شعبنا ونخدمه» معتبراً أن الشعب في المقابل تمسك بموقفه تجاه الحركة والمقاومة و»كان أروع ما يمكن، ودفع ثمنا باهظا من أجل ذلك».
ويرفض أبو زهري التحليلات التي تقول أن الحرب أضعفت حركة حماس قائلاً إن الحركة «ضربت حيفا في اليوم الأول من الحرب، وضربتها أيضاً في الساعة الأخيرة فقوة حماس كانت ظاهرة واضطر الاحتلال إلى إلغاء رحلات مطاره، ونقل الإسرائيليين من مناطق غلاف غزة، وتم تعطيل دوري الكرة، وفوق هذا فشل في تحقيق أهدافه».
أما القيادي أحمد يوسف فيرى أنه بحسب استطلاعات الرأي وحديث الشارع فقد ازدادت بالفعل شعبية الحركة، مضيفاً أن الحركة «استعادت حضورها داخل الشارع، ونما أمل كبير في قدرات المقاومة».
وحول الانتقادات التي تتهم حماس أنها جلبت إلى القطاع ثلاثة حروب في ستة أعوام يرى أن «كل الشعوب المحتلة حتى تصل إلى التحرر تدفع أثمانا غالية من الأرواح والمباني، وغزة ليست سابقة في التاريخ، فهناك فيتنام التي قاتلت عقودا من الزمن وانتصرت، والجزائر التي فقدت 45 ألف جزائري في يوم واحد».
من ناحيته، يرى عطالله أن الحركة بالتأكيد لها موازنتها وجيشها وسلطتها وهناك فعلاً ضعف، لكنه ضعف سياسي وليس ميدانيا، فهي مطالبة بمسار واحد بالسياسة وحولها ضغوط كبيرة لقبوله وإعادة الإعمار وتقديم التعويضات.
ويضيف: «لا يزال حضور حماس قوياً في مفاصل قطاع غزة، فهناك الأمن الداخلي الذي لا يزال يتابع تفاصيل حياة الناس، ويمكن القول أن سيطرة الحركة ازدادت على القطاع، وأنها تتحرك ضد من يعتقد أنها ضعفت».

أسماء الغول

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً