لغز الحياة والموت (1-2)بقلم :عبد الغني سلامة

2018/04/09
Updated 2018/04/09 at 7:46 صباحًا


هل الموت شجاع ليواجَه؟ أم هو جبان يتحين الفرص للانقضاض؟ هل الموت حاقد على الحياة، أم هو محب لها يريد إدامتها؟ في الواقع ليس هناك ما هو أفظع وأقسى من الموت، ولا أغرب منه؛ هو نهاية كل شيء، وبدايته.. بينه وبين الحياة خيط رفيع، هو نقيض الحياة، وأحد أشكالها في آن معاً..
الموتُ هو نهاية المطاف لكل شيء، هو النهاية الحتمية للحياة.. هو هادم اللذات، ومفرق الأحباب، وبه قهر الله عباده.. لكن الموت لا يعني شيئا للميت؛ فلأنه ميت لا يدري ما حلَّ به، ولن يستفيد من هتافات المشيعين ولا من كلمات الرثاء.. وكما أن الحياة لا تعني شيئا للميت.. فإنها لا تعني شيئا للحي قبل أن يولد.. فقبل أن يُولد الإنسان لم يكُ شيئا مذكورا، وبعد أن يموت سيصير نسيا منسيا.. وفي كلتا الحالتين، فإن ما في الكون لا يعنيه بشيء، لأنه ببساطة ليس من مكوناته. فالميت نفسه لا يشعر لا بالألم ولا بالحزن ولا بلوعة الفراق. كما قال “درويش”: الموت لا يعنينا، نكون فلا يكون، يكون فلا نكون..
الأهل وحدهم من سيتجرع كأس الحزن والأسى وتكتوي قلوبهم بلوعة الفراق ووحشة الوداع الأبدي، أما الميت فسوف يوغل في الغياب… ولن يعود أبدًا.. ورثَتـُه ربما يفكرون فقط بتركته، سواء كانت ثروة سينعمون بها، أم ديْنا سيزيدهم بؤسا، المشيعون ينتظرون انتهاء الجنازة بأسرع وقت ليستأنفوا أعمالهم.. الطبيعة تنتظر الميت لتقوم بفعلها في جسده وتكمل دورتها.. وبمقدار ما يسبب الميتُ حزنا وكمدا لأحبّائه، إلا أن الموت بحد ذاته، وفي واقع الأمر، لا يعني أحداً، لا أحد يفكر فيه بالمعنى العميق، الحياة نفسها هي التي تعني كل شيء لكل إنسان.
إذن، لماذا نُسقط الموت من حساباتنا؟ رغم قسوته، ورغم إيقاعه المخيف!؟
قد يكون الجواب في فهم سر الموت؛ فالموت في جوهره وجه من أوجه الحياة، وربما أحد أهم ضروراتها، ولأنه لا يحمل بحدوثه مفاجأة، إلا ما تمثله وقْع الصدمة على أحبّاء الميت.. وهو وإن يأتي بغتة، إلا أنه تتويج لحالة مستمرة؛ فهو ينساب من حولنا بكل خفة، ويتسلل من النوافذ ومن تحت الباب، ونستجيب له ببطء وعلى دفعات، دون أن نحس به، لأن دبيبه هو نفس دبيب الحياة؛ فالأحياء أثناء حياتهم يموتون بأكثر من شكل: بيولوجيا يمارس الجسدُ الموتَ يوميا، فكل ما فيه يذوي ويتساقط، حتى أن أجسادنا تتبدل في دورة العمر مرات عديدة، فلا يبقَ من أجسادنا التي حملتنا أطفالا شيئا يُذكر، وقد حل محلها جسد آخر وآخر…
الحياة بمعناها الشمولي هي نتاج صراع الوجود والفناء، ترفع أحدهما مرة وتخفضه مرة أخرى، وتبقى مستمرة طالما أن الموت مستمر، فالموت حدثٌ دائم لا يتوقف، وهو ضرورة بالنسبة للطبيعة، ومأساة بالنسبة للإنسان. يصيبه في نهاية خريفه، أو في ذروة شبابه.. نرى الموت بأعيننا، نتأثر لبرهة، ثم سرعان ما ننساه لنعود إلى حياتنا، ولكن تبقى مشاعرنا اللاواعية تتذكره، وعقلنا الباطن يتحداه أو يستسلم له، ويظل في أعماقنا رجفة منه، وجزع وقلق مبهم من زيارته الثقيلة.
في كتابه “لغز الموت” يحاول الدكتور “مصطفى محمود” فك طلاسم هذا اللغز من خلال فهمه لظاهرة النوم، واصفا إياها نصف الطريق إلى الموت؛ “في دماغ الإنسان ثمة مفتاح كهربائي، بمجرد أن تطفئه يسود الظلام وتدخل في غيبوبة، فتمر الشخصية بحالة غرق، وتعبر إلى عوالم أخرى، ويسقط الجسد في هوّة التعب والعجز.. ويتحول الإنسان إلى شجرة، إلى شيء تستمر فيه الحياة على شكل وظائف فسيولوجية، كل شيء يتم بطريقة آلية تلقائية، بينما الجسم ممدد بلا حراك، والعقل بلا وعي، فقد أخذ إجازة، واستلم بدلا منه العقل الباطن، ليعود به ملايين السنين إلى الوراء، ليعيش بطريقة بدائية كما كانت تعيش السرخسيات: حياة مريحة ورخيصة لا تكلف شيئا ولا يصرف فيها طاقة، أثناء النوم يموت النصف الراقي من الإنسان: شخصيته، إدراكه، وعيه، أو تختفي لتعود إلى ينبوعها الأصلي، وتلتقي هناك بخاماتها الطبيعية المجردة من الوعي، فالإنسان بالنوم يعبر نصف الطريق إلى الموت”.
أثناء النوم يكون الجسد حاضراً بوظائفه البيولوجية، ولكن الوعي غائب، والشخصية متوارية، فما الذي يميز النائم عن الميت؟ طالما أنه في الحالتين لا وجود للعقل والشـخصية والإدراك، فهل الفرق يكمن فقط في قـدرة الجسـد على أداء وظــائفه! بالتأكيد الإجابة هي النفي؛ فعلى هذه الأرض ملايين الأشخاص الذي خذلتهم أجسامهم، وعاشوا مشلولين، أو بإعاقة معينة، لكنهم ممتلئون بالحياة، وربما يفوقون بحيويتهم وعطائهم الكثير من مكتملي الأجسام.. ولكن، كيف هي حياة الإنسان بنصف جسد؟ لا يملك الإجابة على هذه الأسئلة إلا من ابتلي بإعاقة، أو بمرض عضال، من سهر ليالٍ موحشة وحيدا مع ألمه وحسرته. فنحن نعرف أن أجسادنا هي ميدان ملذاتنا، وهي أدوات شهواتنا وغرائزنا، هي سر حيويتنا ونشاطنا وسعادتنا، والتي لا ندرك قيمتها إلا عندما نصاب بمرض ما.
يقول الفلاسفة: إن الروح هي سر الحياة.. فكل جسم حي حين يموت تذهب منه الروح.. الدين قال كلمته في هذا الشأن، بأن الروح تغادر إلى بارئها، تمكث في “البرزخ” ردحا من الزمن، بانتظار يوم الحساب.. ولكن لم يقدم أحد إجابة شافية عن ماهية البرزح، هذا إذا اتفقنا على وجوده أصلا.. ولم يعرّف أحدا الروح بشكل علمي.. ورد في القرآن: “قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّـي”، بينما يقول العلماء إن روح الإنسان هي الطاقة التي ينبض بها قلبه، ويشتغل بها دماغه.. وعندما تنفذ هذه الطاقة، يهمد القلب، وينطفئ الدماغ، فيكون الموت.
المهم، أن الله يمنحنا في كل يوم حياة جديدة؛ طلعة بهية للشمس، طاقة متجددة، نهار آخر، خيارات لا حصر لها في كل الاتجاهات.. أمل بتغيير نحو الأفضل.. حلم نشتغل عليه.. أحباء نعيش من أجلهم، كما نعيش لأنفسنا قبل أي شيء.. وذكريات جميلة.. وأطياف نوارنية تحلق من حولنا لمن غادرونا مبكرين..
لهم من الله واسع رحمته.

Share this Article
%d مدونون معجبون بهذه: