د.غوشة.. رحل كما يليق بقائدٍالرحيل

2009/08/10
Updated 2009/08/10 at 12:12 مساءً

 

د.غوشة.. رحل كما يليق بقائدٍالرحيل

بقلم: آصف قزموز

 في زمن المراكب التائهة على شطآن هذا الوطن الجميل، وانكسار الليل في ظلمته الحالكة في عالم التيه، تتقاطر قوافل الشهداء تباعاً وإن تباينت أسبابها، ويُغيِّب الموت اليوم واحداً من آخر الرجال المحترمين. ففلسطين المسيّجة أبداً بسنديانها الأزلي، تغالب الموت في كل يوم وتغلبه. صراع الموت مع الحياة لحظة التشبّث بالمواقف العاقلة والبوصلة المسدّدة صوب سويداء فلسطين وأقصاها محتوم بالحسم لصالح الثانية.

 فلم يكن يوماً عادياً وسنديانتان فلسطينيتان يفصلهما القدر عن مكوك كينونتنا لتقولا للمغرّدات على الأفنان: لا تجزعوا فجذوعنا راسخة وجذورنا ممتدة والموت فينا وبكم مهزوم لا محالة. خسوف قمرٍ وانكسار شمس ٍ ورد أمس، على أعتاب ميلاد فجر جديد وانتظار الآتي من حلمنا في زحمة المسار الطويل ولجة الصراع ما بين الإرادات الحالمة بالنصر، وعلى بواكير البدايات العابرات ما بين حركة القوميين العرب على امتداد الحلم حتى لحظة الخلود الأبدي في السكون بأكناف بيت المقدس وأحضان رام اللّه، وانقطاع خيط الحياة لحظة انتظار الجديد المنتظر القادم من بيت لحم.

 إنه رحيل الفارس وترجّل الجسد الذي انتظر على عتبات القدس ليخترق فينا الجدار وفاءً واصراراً على التمسك بالحق الذي قضى في سبيله.

 نعم، نموت كالأشجار الباسقات وقوفاً، وتظل من بعدنا الذكريات والتاريخ المسطّر بتعبنا ودمائنا. وشتّان ما بين من مرّوا سريعاً كلمح البصر على شريط الحياة لا أثر طيباً خلفهم ولا ذكرى من ماضٍ خلا وانطوى، وبين من سطروا دروساً في تاريخنا تستلهمها الأجيال من بعدهم عِبَراً وتشتق لنفسها متسعاً في الحياة نحو اكتمال ما خلّفه خير السلف لخير الخلف.

 على طول المدى المسفوح على صفحات الرحب ما بين الحياة والموت الذي تمطّى بدربه، ذرع الطريق صعود الواثق المقتدر في صحصحانها ومحطاتها الحبلى بأثقال المعاناة المحمّلة على ظلال النكبة والنكسة وما بعدها، وبمسؤولية المتواضع الثوري.

 كثيرون من عبروا وكانوا العابرين في كلام عابر، لكن القلائل من عبروا بمواقف وبصمات راسخة وقيم نبيلة، فكنت أنت. فما بين مولدك الوطني ولحظة فيض الروح المتعبة، ثمة محطات مشرقة انطلقت بك من شوارع القدس وأزقّتها المطاردة على مرّ سيرتك الحافلة ما بين عمّان وبيروت ودمشق وتونس، وبالعكس في الميسور من عَوْدِنا الذي لم يكتمل.

 نعم أيها الفارس، لقد طال بنا المسير، لكننا سنظل نسابق الريح العاتية والزمن الأغبر، وندفع الأيام في وجه الصعاب والمحن والغربان الناعقة، فنعبر بدايتنا الأخيرة بقيام الدولة صوب خط النهاية وانتصار الحلم البعيد.

 كنا معك نعمل بكدٍ وجد في سباق مع الزمن، واليوم صرنا في سباق ومطاردةساخنة مع علقم الروح الذي استعجلك من بيننا.

 ففي غمرة موقفنا المصاب، تشابكت الأحزان واعترتنا المرارة والأسى بعدما استحكم الهمّ فينا، لكن سرعان ما نستجمع الذات ونستحضر اللحظات والمواقف وما شهدناه من التضحيات وحمل لواء المسؤولية، لتعود بنا الذكريات مجدّداً فتعاودنا إشراقة الأمل والبسمة الساكنة أبداً على محياك الطّلق وجسدك التعب دون استسلام ولا يأس أو كلل. نحن الذين شهدنا وفاءك النادر للفكرة وللقضية، وتشبّثك الدائم بسارية مشروعنا الوطني في شتّى المراحل والمخاضات والانعطافات الصعبة دون لَبس أو تردد، لتظل في قلب الكينونة الفلسطينية حلقة قوية من معززات الوحدة الوطنية وقرارنا الحرّ المستقل.

حقاًّ إنها الأصالة والتواضع الثوري النابت من رحم المَسْقِيّات بماء المكرمات، التي جعلت منك هذه الرمزية وفيك كل هذا التميّز.

 كعادته دائماً، يقارب الموت خَطوَه الحثيثُ ويعاجلنا الفقد الأليم مع تفجّر السرّ الإلهي الدفين، فتتسع المعاني وتتوه الإشارات في العقول وصور الذكريات، لتزدان بها صور الفراق المرّ، فنصحو في كل يومٍ على فقدٍ جديد أو آخر يتجدّد. وتتراءى لي ذكريات العمل في الوزارة ونحن من بعدك نودع ونستقبل أسلافاً وأخلافاً، والخُلَّص من أبنائك وإخوتك حرّاس الوديعة التي أبقيت واستأمنت، بعدما أرسيت وأسّست وبنيت، ما زالوا ساهرين على العهد والوعد والقسم أوفياء تماماً من غير سوء. إنها وزارة العمل، فكنت فارسها ووزيرها الأول والمؤسّس الذي أودع فيها سليل ذات الدوحة ليسير على خطوك ويكمل المشوار الذي بدأت ومن حيث انتهيت.

 حق علينا أن نقول إنك أنت الذي أعطى للمهنية الوظيفية العادلة اعتبارها، وللنضالية اعتبارها وللمثل والأخلاق كل الاعتبارات.

 لا حدود لوقت العمل ولا محددات. سهرنا معك الليالي دون كلل في بيتك وفي الوزارة وأنت تؤسّس وتخطّط وترسم السياسات والرؤى والهيكليات والبرامج التدريبية الكفيلة ببناء الإنسان الإنسان، الذي يليق بالمؤسسة ويلبي حسن اختيارك وموضوعيتك في وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، واضعاً بذلك حجري الأساس والزاوية للمأسسة الحقة، ومازجاً ببراعة نادرة بين البعدين المهني والنضالي  في رسالة واحدة هي رسالة المؤسّسة.

 من منا يمكنه أن ينسى سطور تاريخ الوطن المضمّخ بمحطات العز والشرف التي لازمت شقيق روحك الراحلة نحو العلا الرئيس الخالد ياسر عرفات؟! حين أبيت إلاّ أن تظل قابضاً على العهد والقسم وحسن الوفاء لتعود معه كتفاً إلى كتف، وتكون المتمم والمكمل لسياج الشرعية العائدة في قلب الوطن والحلم  الجميل الذي طال بنا وأضنانا طويلاً. فكنت السنديانة الباسقة، التي اتسعت بظلالها الوارفة مساحات الوفاء والوحدة الوطنية وأنت تتشبّث بالسارية ولصيق العلم تستلهم اتجاه البوصلة من نبع أصالتك الصادقة وتواضعك المضمّخ بكل معاني الوفاء والأخوة الوطنية السَّمْحَة.

 نعم، قلائل هم الرجال الذين يمتدون بنا بعد الغياب، وقلائل هم الأُصَلاء الذين يُغيّبهم الموت فتتجّهم لهم خارطة الوطن وتنحني القامات العالية لذكراهم الخالدة.

تماماً كما ألفناه دائماً، يغادرنا حاملاً بسمته المتواضعة على شفتيه وخفة الظل في بريق عينيه. ساخراً من قاتله اللعين، يوم قال مطمئناً عواده ومحبيه، حين تحلقنا من حوله عشية رحيله من على ضفاف الحتف الأبدي: “لا تقلقوا هدول كم خليه بيتزعرنوا عليّ رَحْ أقضيلكم عليهم بالكيماوي وراجع”. فقلت مجازٍ الدعابة بالدعابة “يا دكتور سمير اتركنا من موضوع الكيماوي بلا ما يتهموك بالإرهاب وتِشْمِسْنا معاك”.

 هذه هي حياتنا، وكأنها أكذوبة كبرى سرعان ما يغادرها الإنسان ساخراً أو ساخطاً أو باسماً، وها نحن اليوم أمام قامةٍ عالية وفارسٍ آخر من فرسان الوطن يقطع خط النهاية، فيغادرنا مسرعاً بلا استئذان، من على سرير المرض الذي استعصى ليذكرنا أن اللّه قد قهر الإنسان بالموت وها هو الموت يقهر الإنسان بالسرطان.

 إنها سُنَّة الحياة والموت ويد المنون تطاولك لتمتد بك الحياة وتحيا ثانيةً فينا.

 نم قرير العين يا فارساً ترجّل، فعلى صفحات روحك الطاهرة يبقى شريط الذكريات، وعلى صفحات عقولنا باقٍ أنت بفكرك ورؤاك وتواضعك الحامل لوضوحك الوقّاد.

 كنت قائداً وثائراً مناضلاً ورجل مؤسسة يشار له بالبنان، فرحلت كما يليق بثائرٍ الرحيل.

 دكتور سمير غوشة، لك الخلود ومنا الوفاء وطب مقاماً مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً