أوقات نادرة..ونضرة لبوح خداش بقلم : سليم النفار

shello
shello 2010/01/31
Updated 2010/01/31 at 11:30 صباحًا

 

أوقات نادرة..ونضرة لبوح خداش

                                                       بقلم الرفيق :سليم النفار

 

 

صدفة يتيمة,تلك التي جمعتني به,ليس في رام الله,أو في غزة..أي ليس في وطننا,المبعثر على ضفتي حلم جريح.

وقت قصير,قضيناه هناك في القاهرة,وعلى عجلة من أمره,حيث كان يتأهب زياد للعودة,إلى رام الله…سرقنا بعض الوقت,نبث فيه لواعج الشوق والاشتياق,إلى لقاء طويل يجمعنا,نفرد فيه الحكايات دونما خوف,من سيف وقت قد يداهمنا,أو موعد يأتي ولا نحب الذهاب إليه.هذا ليس-بكل تأكيد-شوق ولهفة لقاء يتيم,فقد كنا نتهاتف فيما قبل اللقاء,من خلال الندوات التي كنا نقيمها في غزة,أنا وصديقي المبدع-عاطف أبو سيف-من خلال فعاليات جماعة الإبداع الثقافي-جماعة الكروان-آنذاك,مع لفيف من الأصدقاء المبدعين,وكان دائما يصر –زياد-على مهاتفتنا  للمشاركة معنا من خلال الأثير,بكلمة أو ملاحظة,ليؤكد حضور الشق الآخر من الوطن,ولو عبر الأثير.

هكذا منذ البداية,كانت معرفتنا بزياد,معرفة يغمرها الود والشوق للمشاركة مع أبناء شعبه,هنا في غزة,وأثناء العدوان على غزة,جن جنون زياد,من الحالة الباردة,المحيطة بغزة.وفي جنون الدمار والوحشية غير المتخيلة لآلة العدوان,لم ينقطع زياد عن الاتصال بنا,لقد كان يذيب صقيع”كانون”وصقيع القلوب الخائفة من هجوم الموت,الذي يأتي من حيث لا تعلم…بدفء لهفته كان دائما يواصل السؤال عن أصدقائه في غزة.

ربما بلغ-زياد خداش-الأربعين عاما,أكثر أو اقل قليلا..ولكن منذ عرفته-من خلال كتاباته أو مهاتفاته-وحتى اللحظة,فانه رجل في قلب طفل,سرعان ما يحزن ويفرح لأي شيء يجري حوله,ربما هذه الحساسية هي سمة,من سمات الكاتب الذي يرى العالم,من خلال ما يريد هو,من خلال ما يحلم هو,من خلال ما ترسمه كلماته.

من هذا السياق ألتوصيفي لزياد خداش,أحاول قراءة المجموعة القصصية الجديدة له والتي تحمل عنوان:-أوقات جميلة لأخطائنا النضرة-.إن القصص التي يجمعها هذا الكتاب,ليست نبتا شيطانيا,في عالم القصة القصيرة,وهي ليست قفزة في فراغ,غير معلوم.بعيدا عن الدخول إلى تعريفات وتوصيفات القصة؛فإنها قصص محترفة,تعرف ماذا تريد,وكيف تريد,وأين ومتى تحقق إرادتها الفنية والمعرفية.

ولكن القص الذي يبدأه-زياد-هنا,لاشك انه:نسق جديد في المضمار الرؤيوي,حيث يمتلك الجرأة العالية,والواعية في عملية نقد المؤسسة التعليمية والتربوية,والرؤى البنيوية لهما,من خلال نصوصه الحوارية,والتي يحاول فيها,ومن خلالها كسر الجمود,والثوابت البليدة,والتي لا تخلق روحا مبدعة,متجاوزة للمعنى البراني للأشياء ومفرداتها.

لاشك أن هذه النصوص,جاءت أيضا في سياق شكلاني جديد,إلى حد ما,وهذا لا يضيرها,لان الجدة هي ملامسات أو بوح وليست نسفا كليا للثابت,فتجلت الجدة هنا,في هروب الكاتب من المألوف,المتعارف عليه في بناء القصة الحداثية,والتي غالبا ما تميل إلى السرد ألتوصيفي,أو التوصيف المكثف,المحاط بهالة من الإبهام الذي لا يخدم كنه الإبداع وإرادته.لقد هرب الكاتب من كل ما ذكرت سابقا,إلى الحوار,وربما هو ما يناسب الحالة التي يريدها,فقصص زياد هنا,تذهب مباشرة إلى قضاياها,بإرادة واعية,وهل بغير الحوار نصنع ما نريد؟

إن هذه القصص تخوض حربا قاسية,مع رؤى وقواعد, لا ترى في الطالب غير أوعية وأواني جامدة,تدلق ما بجوفها”المنهاج”فيه.هذه القصص لا تعترف بكل ذلك,بل تجابه الثابت البليد المتكلس,لتكون بمثابة اقتراح لتدريبات جديدة,في سلم الجودة المغايرة للسائد والمألوف.وان تفعل ذلك,فهي ليست سوى بحث عن فضاء أرحب,وسلم أعلى في العملية التعليمية والتربوية,وبما يؤسسان لمشهد أكثر نضارة في عالم الإبداع.

انظروا كيف يتعامل القاص الأستاذ مع طلابه,حينما يقرأ لهم قصيدة محمود درويش”ورد اقل”في قصته”اعتناق عقيدة التجاوز”.إن الضائع من الكلام,الذي يبحث عنه زياد مع طلابه,هو أول الطريق لتأسيس رؤى جديدة,ومختلفة لفهم الأدب,وكيفية التعاطي معه,وان زياد ليدرك تماما:إن هذا التأسيس لابد وان يكون في بناء مداميك أولى,تشكل قاعدة صلبة,وافقا أرحب للغد,وهل يكون ذلك إلا من خلال الطالب..في صفوف وعيه الأولى؟؟

لا شك أن ضالته من هنا تنطلق,فمنهم فقط نستطيع بناء المجتمع الجديد,نخب ثقافية وعلمية واعية,منفتحة متجددة,تؤسس لعالم جديد,لذائقة جديدة,أكثر صحة وعافية,وبالتالي فان ما يفعله زياد,هو المطلوب تعميمه,لنتمكن من نفي المشهد الكسول,الذي لا يستطيع الزحف خارج حدود جلده البرانية.

إن ما يفعله زياد,أو ما يسعى إليه,ليس في حدود اللغة وحسب,إنما يثير أسئلة غيرها,كثيرة ومتعددة,غير طرق التدريس,فمن خلال ما ذكرت يسعى بهدوء,وحوار عقلاني منفتح,إلى طرد قيم وعادات اجتماعية بالية,وذلك إيمانا منه بجدلية العلاقة في العملية كلها,فهذه تؤثر بتلك,وتلك لا تستقيم بدون هذه.

فليس بوسعنا فتح آفاق التخيل,لنكتب الكلمة الأجمل,ونحن لا نستطيع التحدث-مثلا-بحرية أمام الأستاذ,أو الأب أو..أو…أو   الخ….كيف نتحسس الجمال؟

كيف نؤمن أن لا فرق بين البنت والولد,ونحن لا نرى البنت,بل يحرم البعض الجلوس بجوارها,ليس في نزهة,بل في صفوف العلم؟

بدون هذا التفصيل الذي اذهب إليه هنا,يلامس زياد هذه الموضوعة,”موضوعة الاختلاط”وبلغة جميلة غير مفتعلة,هذه القصة الساحرة-انظر عيون الأستاذ-هي من النوعية التي أتحدث عنها,تطرح القضايا الخلافية,وتحاربها,ولكنها حرب سلسلة,تستفز عقول الطلاب,للبوح بآرائهم بهذا الخصوص,ودون أن يقول لهم صراحة:انه ضد أو مع,يسوق موقفه بهدوء عبر حكايته مع”هدى”.

ولكن أن يلمح الطلاب,رغرغة الماء في عيون الأستاذ,فهذه إشارة من القاص إلى حجم الإدراك,وعمق الإحساس في الحالة المفقودة,المتحدث عنها,بين الأستاذ وطلابه,وإنها والله لمن أنجع الآليات في التلقين الواعي,للمفاهيم والأفكار.ولكن في ذات الوقت الذي يفتح فيه مسربا,لطلابه,للحديث في هذا الحيز الاجتماعي,فانه يفتح,أو يفتح-بضم الياء-غصبا عنه مسرب لذكرياته الجميلة,الطفولية,والتي ربما توجع,ليس في استرجاعها وحسب,بل في قسوة الواقع المعاش حاليا…واراني في هذا التذكر اذهب إلى حد الادعاء:أن هروب زياد من المرأة إلى الطلاب في معالجة القضايا التي يريد في قصصه,قد نجح,ولكن في هذه القصة التي أتحدث عنها,قد ند منه شوق إلى ما سبق.

وبعد هذه الجرأة العالية,واللغة الجميلة,التي يقودنا زياد من خلالها في قصصه,فانه يدرك حجم المخاطر,والصعاب التي تعترضه..لان تجاوز الواقع ليس سهلا,وغير مسموح,وهو يحتاج إلى إرادة عالية,في مجابهة سدنة الرتابة والنصية,وربما في “حكاية معلم الفن المجنون”يقول لنا زياد ذلك.

فكل من يخطو بهذا الاتجاه,تنتظره جملة من التهم الجاهزة:مجنون,موتور,…,…,…الخ وحينما يلجأ القاص إلى الفانتازيا,ليس بهدف التحليق خارج فضاء الأرض,وقضاياها الملحة,إنما استقواء بالمتخيل على قسوة الواقع,وليقول لنا:إن الجمال الممكن,هو خارج الواقع الشديد البؤس,أو إن الأجمل لم يأت أو لم يولد بعد.

ولكن إذا كان تجاوز الواقع,يحتاج إرادة قوية,ونضالا طويلا,فان سياسة التحليق الفانتازي تؤسس لكيفية بناء اللغة الأجمل أيضا,غير المستهلكة,وهي تدريب على كسر حاجز التفكير السطحي,ليفتح آفاقا أرحب للتفكير والتفكر وهكذا نأتي بالجميل,وربما الأجمل.

بقي أن نقول:لقد استطاع زياد خداش استدراج أوقات نادرة ونضرة بلا شك,في بناء قصصه,ليخدش في بوحه الهادئ الثابت والمألوف والمسكوت

عنه ،فهل قلت شيئا عن زياد؟.

 

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً