
جنين – محمد بلاص – “الأيام الالكترونية”: كلما يمر السبعيني أبو فؤاد، من أمام سينما جنين، يعود بذاكرته إلى ما قبل نحو 40 عاما عندما كان يشاهد فيلم “الماضي المجهول” لبطلته النجمة المصرية الراحلة ليلى مراد.
ويشعر هذا المسن، بحالة من الحزن وهو يتأمل هذا المكان وقد تناثرت حجارته القديمة التي كانت شاهدة على حقبة زمنية استمرت نحو 58 عاما، مر خلالها هذا الصرح الثقافي بمراحل من المد والجزر، وقد أصبح أثرا من بعد عين في نهاية المطاف.
ولا يزال كثيرون من كبار السن يذكرون جيدا تلك اللحظات التي كانوا يرتادون فيها سينما جنين في الخمسينيات لمشاهدة ما تعرضه من أفلام، وكثيرا ما هتفوا على ألحان الشيخ إمام، وتظاهروا دعما للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، واصطفو بالمئات أمام أبواب السينما التي تربطهم بها ذكريات جميلة، ويعتقد هؤلاء أن مجرد بيعها وهدمها يعني التخلي عن جزء أصيل من الذاكرة الجنينية.
وكان مشهد الجرافات الضخمة وهي تدك هذا المكان الشاهد على ذكريات أجيال ارتادته لسنوات طويلة، محزنا للكثيرين ممن كانوا يراقبون أعمال هدمه، بعد أن اتخذ مالكوه قرارا بالإجماع يقضي ببيعه لصالح رجل أعمال قرر إنشاء مجمع تجاري حديث على أنقاضه.
ومن وجهة نظر المواطن جمال راشد، فإن هدم السينما كان بمثابة خطوة غير صحيحة بمنظور التطور الحضاري والثقافي في جنين، لكون هذا المكان شكل معلما ثقافيا وحضاريا مهما.
ورأى راشد، أن قرار بيع السينما ومن ثم هدمها، سيلقي بظلاله حتما على المانحين ممن قدم بعضهم مبالغ مالية طائلة في سبيل إعادة إحياء وتنشيط هذا الصرح الثقافي، وسيجعل من إمكانية تبرعهم أمرا قد يكون مستحيلا لصالح تطوير محافظة جنين ثقافيا، ما يعني أن عملية الهدم تركت أثرا سلبيا على تمويل مشاريع أخرى وتحديدا الثقافية التي تنفذها وتحتضنها مؤسسات ثقافية أهلية.
وعبر عن اعتقاده، أنه كان ينقص السينما نوع من التطوير على صعيد المشاريع والبرامج الثقافية، ولكن لم تكن هناك إدارة تمتلك توجها جادا لتطوير هذا المكان.
أما أمين سر المكتب الحركي للمحاسبين في جنين، محمد أبو هزيم، فرأى أنه كان يجب الخروج عن المفهوم التقليدي للسينما التي كان بالإمكان استغلالها كمسرح ومركز ثقافي وإعلامي يعطي زخما للحياة الثقافية التي تتراجع في جنين.
وقال أبو هزيم، إن السينما فقدت مضمونها الحقيقي من خلال بعض العروض التي كانت تقدم فيها، في وقت تساءل فيه عن مصير المبالغ المالية الضخمة التي تم تخصيصها لصالح تطوير السينما.
وباءت حملة أطلقتها مجموعة شبابية مناهضة لقرار هدم السينما تحت شعار “جنين تهدم”، بالفشل في منع هدم السينما التي شكلت على مدار عشرات السنين معلما بارزا من معالم المدينة، وارتادتها أجيال منذ إنشائها في العام 1958 في منطقة الوسط منها.
ومن وجهة نظر مدير الثقافة السابق، عزت أبو الرب، فإن هدم السينما يمثل هدما لمنبر ثقافي وذاكرة مدينة ومحافظة، خصوصا وأن السينما كانت في وقت ما متنفسا وملاذا للأسر والأفراد، وشكلت مصدر دخل للمالكين والمستثمرين فيها.
وقال أبو الرب، إن السينما كانت تسد جزء مهما من حاجة المحافظة للمسرح بشقيه الفني والتعليمي، مضيفا: “من هذا المنطلق دعمت وزارة الثقافة إعادة إعمار وإحياء هذا المنبر الثقافي، وأعادت إلى حد ما المجتمع الجنيني إلى رحابه، وإدراكا منها لأهميته نظمت العديد من المهرجانات فيه”.
وعبر عن اعتقاده أن مثل هذه المنابر والمشاريع تقام بأموال المستثمرين، سواء من أهالي المدينة أو مؤسساتها، معتقدا، أن الاستثمار في المجال الثقافي يعتبر استثمارا قد لا يكون الأمثل من حيث العائد المادي، لكن يبقى الاستثمار في المجال الثقافي مسؤولية جماعية يتشارك فيها القطاعان الخاص والأهلي، بما يسهم في نشر الوعي والمعرفة في أوساط المواطنين.
ورأى، أن الاستثمار في المجال الثقافي يعتبر بمثابة واجب وطني ومسؤولية جماعية، معربا عن أسفه لهدم السينما بما تمثله من تاريخ، وتصرف المالكين للعقار من منطق مصالحهم، وهو أمر اعتبره حقا مشروعا لهم.
ومن وجهة نظر الكاتب عدنان صباح، فإن مبنى سينما جنين لم يكن مجرد مبنى أثري أو تاريخي، ولفترات طويلة لم تشكل رمزا ثقافيا، وأحيانا كانت بخلاف ذلك، إلا أنها ومنذ سنوات تحولت إلى مصدر إشعاع ونشاط ثقافي.
وتابع الصباح: “عبر عشرات السنين اعتدنا أن لدينا دارا للسينما، وشكل موقعها في قلب المدينة وعلى أطراف مركز الحركة فيها مشهدا ثقافيا حتى دون فعل، فكل طفل فلسطيني وكل شابة وشاب مروا ويمرون يوميا من أمام مبناها سيجدون حتما أنفسهم أمام سؤال لن يقبلوا عدم الإجابة عليه عن السينما ومعناها ومكانتها وما كانت عليه، ذلك أن مجرد وجودها شكل مصدر ثقافة بصرية حية”.
وافتتحت سينما جنين في العام 1958، وكانت لسنوات طويلة محط اهتمام كثيرين من أبناء المدينة وقراها المجاورة، لمشاهدة الأفلام القديمة التي كانت آنذاك حديثة.
وجرى إغلاق السينما خلال انتفاضة “الأقصى”، حتى جاء السينمائي الألماني ماركوس فيشر، حيث وثق سينمائيا قصة استشهاد الطفل أحمد الخطيب، من مخيم جنين، والذي استشهد برصاص جنود الاحتلال وهو يلهو ببندقية بلاستيكية جعلت منه هدفا للقتل بدم بارد.
وأصر السينمائي الألماني على عرض هذا الفيلم في السينما، فبادر إلى ترميمها بإيعاز من وزارة الخارجية الألمانية وبدعم من مجموعة من المتبرعين الألمان والمحليين، ليعاد افتتاحها في العام 2010.
وكان فيلم “قلب جنين” من إخراج فيشر، أول فيلم يعرض في سينما جنين منذ الانتفاضة، وتناول حكاية والد الطفل الشهيد الخطيب ومعاناته جراء استشهاد ابنه الذي تبرع الأب بأعضاء لصالح مرضى إسرائيليين يهود وعرب.
وقال مدير جمعية “الكمنجاتي” الموسيقية في جنين، إياد استيتي، على موقعه على صفحات التواصل الاجتماعي: “على مدار نحو سبع سنوات مضت، شكلت سينما جنين الحاضن الرئيس للعديد من المبدعين والنشاطات الثقافية التي حققت نقله نوعية على مستوى محافظة جنين بأكملها”.
وأضاف: “كنت أتمنى من مالكي مبنى سينما جنين أن يسمعوا رسالتي ودعوتي هذه للإبقاء على السينما والعمل على تطويرها والرجوع عن قرارهم بإغلاقها في وجهنا، لأننا بأمس الحاجة لها، كما أنها الملجأ الوحيد للعشرات من المبدعين في مدينتنا جنين، وإغلاقها وهدمها لاحقا سيدمر طموحاتهم وأحلامهم بمستقبل مشرق”.
ولا ينكر استيتي على مالكي السينما حق التصرف في ملكهم الخاص، ولكنه قال: “إننا حاولنا إتاحة المجال أمام جهات معنية بالإرث الثقافي والفني لاحتضان السينما وشرائها”.
وبدأت الجرافات ليلة التاسع والعشرين من تشرين الثاني لماضي، بهدم الجزء الخلفي من مبنى السينما بعد بيعها بمبلغ مليون وربع مليون دينار أردني لصالح رجل أعمال ومجموعة من المستثمرين.
وأطلقت مجموعة شبابية من رواد السينما، مبادرة حملت شعار “جنين تهدم”، للإعلان عن رفضها لعملية هدم السينما وطرح بدائل ممكنة لاستملاكها.
وقالت صاحبة تلك المبادرة، مدى شلبك: “إن نضالنا نحن الفلسطينيون قائم بالأساس على التاريخ والشواهد المكانية، وتعد هذه الأبنية بحجرها وخشبها وحديدها الصدئ شاهدا على وجودنا ومدونا وموثقا له، وذلك على قاعدة أن الشواهد المعمارية تعمل كحافظة وذاكرة لشعوبها”.
ومن وجهة نظر شلبك، فإن ما جرى هو سطوة رأس المال ومنطقِه الربحي على كل شيء، وعليه تضيع كل الاعتبارات الثقافية والحضارية لصالح منطق الربح.
وباعتقاد المتابع للشأن الثقافي أحمد جرار، فإن قضية هدم السينما في جنين تتجاوز مجرد حصرها في قضية ملاك لهم الحق في التصرف في ملكهم كما يريدون.
وتابع: حين دفعت المبالغ المالية الطائلة قبل سنوات لتطوير السينما بأحدث المعدات والبنى التحتية من الجهات الألمانية المانحة، كان الهدف وشرعية التمويل هو تطوير معلم ثقافي عام لصالح أهالي جنين بسبب افتقار المحافظة للبنى التحتية الثقافية، وأسست لغرض الحصول على التمويل جمعية سينما جنين، وبالتالي لا يجوز التعاطي معها وكأنها ملك خاص.