
-1-
في العام 87 من القرن الماضي كان العرب في حالة من الانتكاس والتفرق، وكانت قضيتهم المركزية ( فلسطين) قد تراجع منسوب الاهتمام بها حتى أنها لم تعد أولوية، ذلك ان إسرائيل ما زالت على عهدها .. بالتنكر للحقوق العربية الفلسطينية، وإمعانها باضطهاد الشعب الفلسطيني كاحتلال استعماري بغيض يسعى الى نهب الأرض وتهجير أصحابها. وكانت إيران تصر على حربها مع العراق والتدخل بالشأن العربي ولا تخفي مطامعها في الهيمنة والاحتلال. وكانت مصر، رغم مكانتها التي لا تطاولها مكانة في الجسم العربي، ما زالت خارج الجامعة العربية، بعد رحلة السادات الى القدس واتفاقات كامب ديفيد. كما أن لبنان كان ما زال يعاني من حرب عبثية مقيتة بكل ما احتوت من قتل ودمار. وفي العموم فقد سيطر على المشهد آنذاك خلافات عربية وأوضاع لا تسر إلا الأعداء.
فأتت صرخة الأردن، صرخة الملك حسين، صرخة عروبية مدوية، دعوة صادقة الى ضرورة لم الشمل، وإنهاء الخلافات، ومساندة الأشقاء المبتلين بأقطارهم، أو المبتلين بالتهديد الخارجي… فاجتمع شمل العرب في قمة عمان/قمة الوفاق والاتفاق، التي وضعت أسساً لوقف التراجع وإعادة توحيد الصف العربي، واستئناف مفهوم ومضمون الأمن القومي العربي، وإعادة التضامن وحشد طاقات العرب وثرواتهم لما فيه مصلحة الجميع، بل وإعادة التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، والتصدي لخطرها، وإجبارها على الانصياع “للقرارت الدولية” والوقوف معاً الى جانب العراق في حربه مع إيران والتصدي لمطامعها في الأرض العربية. بل وذهبت القمة إلى التمييز ما بين الإرهاب وما بين حق الشعوب في التحرر ومقاومة الاحتلال، رداً على وسم النضال الفلسطيني بالإرهاب.
-2-
لقد ترتب على قمة عمان/الوفاق والاتفاق أن حقق العرب، وخلال مدى زمني قصير إنجازات منها:
عادت مصر الى مكانتها والى عضويتها في الجامعة العربية، وقد توج ذلك بقمة الرباط/89.
انتهت حرب الإخوة في لبنان عبر اتفاق الطائف.
انتهت الحرب العراقية الإيرانية بانتصار العراق.
بدأت الانتفاضة الفلسطينية المباركة.
والحقيقة أن الأمة العربية وفي اثر قمة الوفاق والاتفاق، كانت على وشك الإقلاع عبر مشروع عربي يحاكي مصلحة العرب باندفاعة قوية نحو حسم التحديات الى جهة مصلحة الأمة على كل الأصعدة، أمنية كانت أو سياسة أو اقتصادية … لولا أحداث جسام لم تكن بالحسبان، حدت من ذلك الإقلاع وتلك الاندفاعة.
-3-
اليوم … ها هي عمان على موعد مع قمة عربية… فهل تكون هذه القمة، قمةً لوفاق واتفاق «طال انتظاره» ؟ وهل يمكن أن تكون عمان مجدداً مقراً لوحدة كلمة العرب وإعادة تضامنهم فيتمكنون من مجابهة الأخطار الخارجية والداخلية التي تهدد امنهم العربي وقضيتهم المركزية؟ بل وتهدد وحدة أقطار عربية هامة كسورية والعراق وليبيا واليمن. هل تضع هذه القمة أفكاراً بأدوات قادرة على درء خطر الإرهاب ودحره والانتصار عليه؟.
وأخيراً هل تكون قمة عمان المنتظرة المكان والزمان، الذي نعيد به لأمننا العربي مكانته، فيتوحد الصف العربي ويبلور مشروعاً عربياً يستجيب لمتطلبات وجودنا ومصالحنا وحماية أوطاننا من خطر التقسيم والضياع والاحتلال؟
تمنيات، ننتظر أن تكون عمان، مكاناً لترجمتها كحقائق على الأرض.
-4-
إن العرب اليوم بحاجة الى بلورة هكذا مشروع ينادد المشاريع الطامعة بنا، فتركيا لها برنامجها حيث لا تخفي أطماعَها في شمال العراق وشمال سورية، وإيران لها برنامجها الذي يسعى الى الهيمنة وفرض سياسة وأيدولوجية إيران على كل العرب، كما ان إسرائيل ماضية في برنامجها الاستعماري، ليس في نهب كل فلسطين بل وبسعيها الى أن تصبح أقوى دولة دينية مذهبية مهيمنة في المنطقة.
إن الأمة العربية بكل أقطارها أضحت مكاناً لتقاذف المصالح وتقاسمها بين القوى العظمى، خصوصاً بعد بروز قطبية ثنائية، أخطر ما فيها أنها يمكن أن تكون قطبية متفاهمة، خصوصا فيما يتعلق في بلادنا … لنشهد ضرباً مماثلاً كالذي تم بعد الحرب العالمية الأولى بتقسيم المنافع والثروات والأراضي بين تلك القوى الدولية والإقليمية.
-5-
قمة عمان … رهاننا ألا تكون قمة عادية بنتائجها، وان تكون قمةَ وفاق واتفاق حقيقي، تعيد سورية إلى الصف العربي، وتسعى الى جمع الأشقاء السوريين تحت مظلة القمة ليتوافقوا فيما بينهم لإنهاء حربهم العبثية، ويعيدوا لسورية أمنها واستقرارها، ويحفظوا وحدة أرضها وشعبها، ويضعوا معاً صياغة لنظام سياسي ديمقراطي للجميع بلا إقصاء أو تهميش لأي طرف.
قمة عمان … رهان أن تكون الحضن الذي يجمع الأشقاء العراقيين وأن تنهي انقساماتهم الوهمية، «المذهبية والمناطقية»، فيضعوا أسساً للمصالحة تعيد للعراق مكانته وألقه ودوره الدائم كمركز إشعاع وظهير للعرب ولمستقبلهم.
قمة عمان … رهان أن تتوج جهود الشقيقة مصر بإنهاء الحرب في ليبيا عبر توافق وطني يعيد لليبيا أمنها المفقود ووحدتها المهددة.
قمة عمان … رهان أن تعيد لليمن وحدته وسلامة شعبه، ووقف تلك الحرب المدمرة، وجمع أطرافه المتحاربة عند نقطة وسطى تنهي المأساة اليمنية. ولنا أن نتذكر هنا الجهد الأردني النزيه في مطالع التسعينيات من أجل وحدة وأمن واستقرار اليمن العربي “السعيد”.
وأخيراً فإن قمة عمان هي الرهان أن تعيد للقضية الفلسطينية مكانتها كأولوية عربية مركزية، وذلك بدعم الأشقاء في الداخل والسعي لإنهاء انقساماتهم غير المقبولة وغير المبررة، واتخاذ موقف عربي صارم بأدوات تنفيذية تجاه غطرسة إسرائيل، خصوصاً بعد انتخاب الرئيس ترامب الذي يبدو أن سياسته المعلنة تتماهى تماماً مع السياسة الإسرائيلية، ذلك ان حل الدولتين أمر لن يأتي، ولن تصدع له إسرائيل، ولن توقف الاستيطان، ولن تتوقف عن تهويد القدس الا بمجابهة عربية جادة، يتم توظيف كل الإمكانات على اختلافها لتحقيق ذلك.
وبعد، وحتى تتحقق كل هذه التمنيات، ويبدأ الميزان يميل للصالح العربي فإن ذلك يتطلب توجيهاً ملكياً للدبلوماسية الأردنية أن تنشط قبل انعقاد القمة، لتضع تصوراتٍ وأسساً إيجابية لكل هذه الملفات، فتتحول في القمة إلى قرارات عربية.
نراهن على الدبلوماسية الأردنية بألا تسمح أن تكون قمة عمان، قمة تقليدية رتيبة، اجتماعاً من أجل الاجتماع لا غير.