
تياران «يتجاذبان» في حكومة الملقي: الأول يرفع الأسعار فيخفف الثاني الآثار… والمصري والمعشر يحذران من التداعيات
عمان – «القدس العربي» : يخالف السياسي الأردني المخضرم طاهر المصري ليس مألوف النخب ولكن مألوفه الشخصي ايضا وهو يقرر التعليق على مجريات الجدل الوطني العام بملفات «معيشية» هذه المرة وليست سياسية محذراً من تداعيات ونتائج الإصرار على ان يشد الأردنيون بطونهم.
بالتزامن يرسم وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر جملته الأشد قسوة في سجله الجريء بالتشخيص الوطني وهو يدلي بمحاضرة عامة يشهد فيها بأن العقود الستة التي عاشها شخصيا لم يتخللها ولا مرة واحدة ما يمكن وصفه بالإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقي.
المعشر تحدث ايضا وبصورة جريئة وغير مسبوقة عن «فساد» تخلل عملية الإصلاح الإقتصادي والسياسي.
كلاهما المصري والمعشر يعرفان مسبقا بأن تصريحات أو تعليقات من الوزن الثقيل من هذا الصنف تبعدهما أكثر عن مؤسسة القرار وتضعهما في الإتجاه المعاكس للحكومة الحالية وللنخب التي تحكم اليوم والأهم تكرسهما كمناكفين.
وكلاهما منع وعدة مرات من الظهور على شاشة التلفزيون أو الإعلام الرسمي كما ابلغا «القدس العربي»، حيث تم تحديد موعدين مع المصري قبل الاعتذار منه في اللحظة الأخيرة وتم تسجيل مقابلة لصالح صحيفة «الرأي» للمعشر ولم تنشر كما سجلت.
هما بكل حال مبعدان حيث تجنبت البوصلة اختيارهما ضمن أي تشكيلة وطنية لها علاقة بأي مؤسسة بما في ذلك مؤسسة لا تفعل شيئاً من وزن مجلس الأعيان.
لكن ذلك لا يكفي لتصنيفهما في مستوى المناكفة والإقصاء لأنهما يواجهان على نحو أو آخر تهمة من وزن المسؤولية الأدبية عن مرحلة متكاملة حيث كانا طوال الوقت ضمن المواقع الرسمية الأساسية وإن كانا بشهادة الجميع يتحدثان حتى في الموقع الرسمي بنفس اللسان.
بصرف النظر عن مثل هذه الجزئيات في المشهد يمكن اعتبار السقف المتباين الذي رافق المعشر والمصري خلال اليومين الماضيين عند التعليق على الأحداث مؤشراً قوياً على وجود مشكلة داخل مؤسسات النظام ورموزه أولاً وعلى نمو «القطيعة» ثانياً بين نخبة القرار المستحكمة الآن وطبقة لا يستهان بها من رجال الدولة الذين لا تحفل المؤسسة برأيهم.
عملياً يلجأ الثنائي للتصعيد في لغة الحوار والتعبير إنطلاقاً من دورهما ومن داخل مؤسسة النظام كما يشرح المعشر أمام «القدس العربي» بالتوازي مع حركة الشارع الأخيرة المعترضة على رفع الأسعار والذي طالب المصري بضرورة عدم إنكارها وتجاهلها والاستهانة بها.
بهذا المعنى تختلط الأوراق مجدداً لأن مسألتي الخدمات والمعيشة يمكن ان تجمع فئات إجتماعية واسعة ومكونات إضافية في المجتمع خلافاً لعناوين الإصلاح السياسي، فالجميع في المملكة اليوم يعاني من كلفة إرتفاع المعيشة والغالبية تحذر من غياب مصداقية الخطاب الرسمي وفعالية المقايضات المألوفة للمساعدات الإقتصادية بالدور السياسي.
خلافاً لما يقدره مكتب رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي يشعر المصري أن الاستهانة بالحراكات التي ظهرت مؤخراً شعبيا بعد موجة رفع الأسعار لن يكون خياراً حكيماً لأن المعاناة حقيقية ولأن الحزام يشتد على خاصرة المواطن حتى كاد يصل لعظامه.
في المقابل تبدو حكومة الملقي بمشهد الجهة التي لم تدرس خياراتها أو تحضر ملفاتها جيداً فهي تتخذ قرارات وسرعان ما تحاول لاحقاً تحسين صورتها تحت عنوان التخفيف من الأعباء على الفقراء وذوي الدخول المحدودة.
مؤخراً رفعت أسعار رسوم جوازات السفر للمواطنين بنسبة تقدر بـ15% لحملة الجواز المؤقت من الفلسطينيين وأهل قطاع غزة بنسبة تقترب من 400% .. ولاحقاً خففت الحكومة من وطأة المشهد واعتبرت هذه الرسوم بدلاً من مضاعفة فترة صلاحية جواز السفر الجديد.
قبل ذلك تراجعت الحكومة عن استثناء أبناء قطاع غزة من الإعفاءات الطبية. وفترة قصيرة ما بين الإجراءات ورفع أسعار الضريبة على الخميرة ليتبين بأن الأمر سيؤدي لرفع أسعار جميع أصناف مادة الخبز في الوقت الذي تقدم فيه قوائم الضرائب التصنيفية الجديدة المزيد من المفاجآت التي تظهر الوجه القبيح لإجراءات حكومة فقد شملت الضريبة معدات طبية حساسة تستعمل في جراحة القلب والكلى.
ويثبت الأمر وجود مركزي قوة يتجاذبان داخل الحكومة، قوامهما طاقم يرفع الأسعار بلا شفقة أو رحمة ويقابله فريق يحاول التخفيف على الجمهور، يقول رئيس وزراء سابق لـ»القدس العربي»: لا يوجد براهين على ان سلوكيات من هذا النوع تثبت بأن الحكومة تدرس قراراتها جيداً وبتعمق.
لذلك تبدو تعليقات شخصيات من وزن المصري والمعشر حساسة بالمقابل في مواجهة التردد الحكومي والإخفاق الذي يقر ويعترف به وزراء داخل الحكومة في شرح المعطيات للرأي العام.