
الايام – بديعة زيدان:يقول الفيلسوف والروائي الأميركي دانيال غولمان: إن “الذكاء يكمن في قدرة الإنسان على فهم مشاعره وحسن إدارتها، وتفهم مشاعر الآخرين ومراعاتها”، ولعل هذا ما ينطبق على الأسلوب الذي تناول فيها الروائي المصري محمد عبد النبي، في روايته الصادرة عن دار العين للنشر بعنوان “في غرفة العنكبوت”، موضوع المثلية الجنسية، وهي الرواية التي تنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لهذا العام، وذلك عبر لغة راقية وبعيدة عن أي إسفاف أو ابتذال.
موضوع المثلية الجنسية، وإن كان ليس جديداً في الأدب، إلا أنه كان في مجمل هذه الأعمال على الهامش، وليس في العمق كما في هذه الرواية، التي كانت عبر شخصية هاني محفوظ المحورية، وغيرها من الشخصيات، على تماس مع ما وراء الصورة النمطية السلبية للمثليين، ليقدم رواية يمكن إدراجها في إطار “الرواية النفسية”، التي يعرفها منير بعلبكي في موسوعة المورد على أنها تلك الرواية التي “تكون فيها الأحداث مسجلة، على نحو ذاتيّ، في ذهن واحد أو أكثر من شخصياتها، وتلعب فيها عمليات الوعي دوراً مشوّقاً يعدل دور الأحداث الخارجية أو يفوقه أهميةً” .. و”في الرواية النفسيّة تقدَّم الأحداث، لا وفقاً لتسلسلها الزمنيّ، ولكن كما تتداعى في ذهن البطل أو غيره من شخصيات الرواية”، فقد أبحر عبد النبي، ونحن معه، داخل نفسيات هذه الشريحة المجتمعية المهمشة خاصة في الوطن العربي، لأسباب دينية ومجتمعية، كما هو الحال مع مشاكل، وتفاصيل التفاصيل في يومياتهم وحيواتهم الخاصة والعامة.
وبنى عبد النبي روايته “في غرفة العنكبوت” على واقعة الـ”كوين بوت” الشهيرة في العام 2001، حيث ألقت السلطات المصرية في زمن الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، القبض داخل هذه العبّارة والتي حملت اسم “مركب الملكة ناريمان” أيضاً، على أكثر من خمسين شخصاً بدعوى أنهم من المثليين جنسياً.
هاني محفوظ، الشخصية المحورية في هذه الرواية، والذي يسرد لنا عبد النبي حكايته، منتقلاً بين فترات زمانية متعددة ما بين طفولة، ومراهقة، وشباب، وما قبل السجن الذي استمر لأشهر وبعده، تلاعب بمشاعري، وجعلني أترقب الصفحة التالية بشغف، بل أحياناً كنت أسترق النظر إلى ما بعد عشرين أو ثلاثين صفحة، لعلني أظفر بمعرفة ما هو قادم، دون إفساد التسلسل المبهر والسلس، والخالي من خفة أو استخفاف بالأحداث، منذ كان في السابعة يتلصص على مراحيض الرجال، ومن ثم علاقاته وهو ابن الثالثة عشرة مع العامل في ورشة الخياطة التي تملكها أسرته، إلى علاقة كاملة معه في سن السادسة عشرة.
كان هاني طفلاً مدللاً، يعيش حياة طبيعية، إلى أن يفقد جده المقرب إلي نفسه، فوالده، لتعود والدته بعدها إلى عالم الأضواء من بوابة الفن، وبالتحديد التمثيل، بعد أن كانت اعتزلته بشرط من زوجها .. تنشغل الأم عن هاني الفتيّ، ليجد نفسه وحيداً فجأة، لكنه سرعان ما ينغمس في عالم آخر سريّ، ألا وهو عالم هويته الجنسية، حيث يعيش يومياته مع عشاقه الذكور، متنقلاً من واحد إلى آخر، قبل الاصطدام برغبة عارمة لدى والدته تصل إلى حد إجباره على الزواج، بعد أن يتسرب إليها ذلك الإحساس بميله نحو الذكور .. يتزوج من إيمان، وينجب منها طفلة، دون أن يشعر بتلك المتعة السريرية المتوقعة.
بعد أن فقد النطق في السجن، إثر التعذيب المهين له ورفاقه “الخول”، كما كان ينعتهم أفراد الشرطة أثناء التحقيق معهم، كانت أوراق هاني هي مساحة التفريغ النفسي ومن ثم الإبداعي له بل ومساحة لاستعادة صوته المفقود أيضاً، حيث أخذ يكتب قصته مع المثلية، متنقلاً في فصولها ما بين الطفولة، والسجن، والتعذيب، وصعوبة الحياة والتأقلم بعد الافراج عنه، حيث إن وزجته التي أجبرته والدته على الزواج منها كانت قد طلبت الطلاق بعد فضيحة سجنه في واقعة مثل هذه، فينعزل في غرفة بأحد الفنادق، ويتفرغ للكتابة، مبتعداً عن البشر، يقضي وقته ما بين أوراقه وذلك العنكبوت الصغير، صديقه الجديد والأوحد.
وفي رد على سؤال حول ما إذا كان تخوف أو تردد عبد النبي في كتابة رواية عن المثلية الجنسية .. أجاب لـ”أيام الثقافة”: طُرحَ عليَّ هذا السؤال نفسه، بأكثر من صيغة، مرات عديدة، وفي كل مرة تقريباً أتساءل عن أي شيء أو شخص أو جهة كان عليَّ أن أخاف عند كتابة هذه الرواية، يبدو أن ثمة اتفاقاً على هذا، على ضرورة الخشية والتردد عند تناول بعض الموضوعات، التي ما زلنا نعتبرها “تابوهات” من المسكوت عنه في مجتمعاتنا. وما زلت أتساءل من أين قد تأتي الرهبة تحديداً؟ .. العمل يتناول أحداثاً انقضت منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وأغلب الظن أن أحداً من أطراف القضية لم يعد مهتماً باستعادتها وتفنيد جوانبها.. ومن ناحية أخرى فإن أسباب الخوف في مجتمعاتنا العربية لا تنحصر فقط في مجرد كتابة أو قراءة رواية عن موضوع المثلية.. قد يكون أي منا في أي لحظة هدفاً للتضييق والاستبعاد من السلطات أو المجتمع نفسه، لألف سبب وسبب، أو فقط لعدم عزف النغمة المطمئنة للأذان المستكينة لمحفوظات الأخلاق والتقاليد والقيود والقوانين.
وعلى عكس الكثير من الأعمال الروائية التي تناولت بشكل أو بآخر “المثلية الجنسية”، كما أسلفت، اختار عبد النبي غالبية شخوص روايته من المثليين، فلم يكتف بالشخصية الأساسية (هاني محفوظ)، فهناك رأفت عامل الورشة، وعبد العزيز قريب زوجته، وغيرهم.
وأجاب عبد النبي عن تساؤل حول آلية تناول الموضوع بلغة راقية بعيدة عن الإسفاف
والابتذال، بالقول: هذه مجاملة في سؤال، أنا سعيد أن هذا شعورك، ولكن هذا يدعوني أيضاً للتساؤل: هل ينبغي النزول للإسفاف والابتذال عند تناول مسائل معينة في الفن؟ .. هل صار غير المألوف هو العكس؟ .. هل ثمة إسفاف وابتذال في رواية مثل الموت في فينسيا لتوماس مان أو لوليتا لنابوكوف؟، وفي كلتيهما ثمة رجل عجوز يميل لصبي وسيم أو فتاة قاصر، وهي مسائل في غاية الحساسية بكل المجتمعات.. الأصل ألا يكون الفن مبتذلاً ولا مسفاً، بصرف النظر عن موضوعه .. بعض الأعمال السينمائية المصرية ذات رسالة أخلاقية واضحة ولكنها جمالياً وفنياً في منتهى الإسفاف والقبح والابتذال، إذن فالمشكلة ليست في الموضوع فقط بل في طريقة الطرح والتناول والأداء الفني والطموح الجمالي، وهي كلها ما يجب أن يشغل الفنان والكاتب أولاً وأخيراً قبل وبعد وفي أثناء اختياره لموضوع ما يعمل عليه.
جرب هاني العديد من الرجال قبل احتراف فن الاصطياد، إن جاز التعبير، فقد كان يختار شركاءه بطرق مختلفة منها ما ينجح، ومنها ما يكون الفشل نصيبه، بل قد تكون النتيجة صفعة على وجهه، كما فعل أستاذ الدروس الخصوصية حين مد هاني يده إلى فخذه.
أثناء قراءتي للرواية لمست تفاصيل الخبير بهذا العالم، فقد تحدث عبد النبي بلسان هاني عن تفاصيل وأحاسيس خاصة جداً، وهنا سألته: ألم تخش من الربط بين هاني وبينك؟ وأجاب: جزء من دور الفن، أحياناً، هو الإيهام، أي أن يصدّق المتلقي أن ما يحدث هو حقيقي وصادق مائة في المائة، ولكي يتحقق هذا الإيهام بالواقع لا بدّ من العناية بأدق التفاصيل، وتخلّي المبدع عن ذاته وارتداء قناع شخصياته والعيش تحت جلدها أثناء اللعب الفني.
وأضاف لـ”أيام الثقافة”: لا أذكر الآن اسم الكاتبة التي قالت إن الكاتب ينبغي أن يكون بلا نوع، أو بالأحرى أن يكون فوق الذكورة والأنوثة، وأنا معها إلى حدٍ كبير في هذا.. إذا ما عبّر بعض الكتاب تعبيراً موفقاً عن ذوات أنثوية هل يعني هذا ضمناً أنهم إناث، الأصح أنهم أيقظوا الجانب الأنثوي فيهم، إذا صحّ هذا التقسيم الثنائي الفج من الأساس، أمّا عناصر اللعبة الأخرى (لعبة الإيهام أقصد)، فتكتمل بالبحث والدراسة والمقابلات والتخيل أولاً وأخيراً.
“كما أنني لم أخشَ من الربط بيني وبين هاني محفوظ، شخصيتي الرئيسة، من ناحية لأنه ليس هناك ما يعيبه كإنسان، ومن ناحية لأن قارئ الروايات في لحظتنا هذه صار أنضج عقلاً ولم يعد يتعامل مع السرد كقناع لمواربة اعترافات الكاتب وأسراره، أو هذا ما نتمناه على الأقل” .. و”القارئ يدرك أيضاً أننا نضع جزءاً من ذواتنا في كل شخصية نكتبها، مهما بدت بعيدة عنا في سماتها الخارجية العامة. ما الذي اعتمد عليه نجيب محفوظ مثلاً لكي يبدع شخصية نفيسة في بداية ونهاية، هي الفتاة قليلة الجمال التي تأخّر زواجها واستسلمت للغواية؟ أظن أنه اعتمد على المشاعر الأساسية في داخله، مثل القهر والانكسار والرغبات غير المتحققة، وكلها أشياء مشتركة بين جميع الناس” ..
وختم عبد النبي: لو أنصت القارئ لتلك المشاعر الأساسية داخل الشخصية، وإلى صداها داخله هو نفسه، لن يعنيه كثيراً طبيعة ميولها الجنسية مهما كانت غريبة وموضع استهجان، سيلمس المشترك بيننا جميعاً، وهنا يكمن جانب كبير من متعة وقيمة التجربة الفنية، عند مبدعها وكذلك متلقيها الذي يفضّل أن يكون مبدعاً مشاركاً بصورة ما.
كان هاني محفوظ بين فينة وأخرى يغلبه الإحساس بالذنب، فيلجأ إلى المسجد للصلاة والاعتكاف والصوم عازماً على “التوبة” .. وهذا الأمر يستمر لفترة ثم ما يلبث بعدها أن يعود تدريجياً إلى عشيقه ملاحقاً احتياجات جسده وروحه، وكأنه “المهرج الذي يعود إلى مرآته في نهاية اليوم”.