الرئيسية زوايا أقلام واراء في الدفاع عن التعددية الثقافية ..بقلم :جون وايت

في الدفاع عن التعددية الثقافية ..بقلم :جون وايت


في عصر شعبوية اليمين، الذي نجد أنفسنا الآن فيه، أصبحت التعددية الثقافية تُماهى مع النخبة الليبرالية، بينما تُماهى الليبرالية وسياسات الهوية مع “أسراب” اللاجئين والمهاجرين الفقراء غير المغتسلين، القادمين من العالم الثالث لغزو الغرب لاستئصال وتدنيس كل شيء مقدس في الحضارة الغربية. ويحاجج اليمين بأن تعددية الثقافات هي مرادف للعولمة، والعالمية ونخبة عالمية عازمة على تدمير شيء يشيرون إليه على أنه “الحضارة اليهودية-المسيحية”.
إنه نوع الحشو الكلامي المتصل بنهاية العالم، والذي ربما تكون قد ربطته، حتى وقت قريب، بالمواقع الإلكترونية لليمين المتطرف، والمداخلات والمجلات التي ينتجها المهووسون بهتلر والحمقى من ماضغي التبغ المسلحين وأنواع الميليشيات التابعة لأقصى اليمين. أما الآن، اليوم، فقد أصبح هذا الخطاب في الاتجاه السائد، حيث لا يطلقه أحد غير كبير مستشاري الرئيس ترامب، وعقله المفكر، ستيف بانون.
في العام 2016، كان بانون قد ألقى خطاباً أمام تجمع للمحافظين الأميركيين، والذي شجب فيه بعنف الاتحاد الأوروبي لسماحه “بالانهيار التام للغرب المسيحي-اليهودي في أوروبا”.
كما أنه تحدث أيضاً أن يكون هذا هو نوع الخطاب الذي تبناه القاتل الجماعي النرويجي من الحركة النازية الجديدة، أنديرس بريفيك، الذي أطلق نار رشاشه ونفذ موجة قتل في العام 2011. وبينما يعلن عن أيديولوجيته المشوهة في بيان شامل بعنوان “2083”، برر بريفيك ذبحه لأكثر من 70 شخصاً في النرويج على أساس التهديد الذي يشكله “صعود ثقافة الماركسية وتعدد الثقافات في أوروبا الغربية” سوية مع “الكولونيالية الإسلامية وأسلمة أوروبا الغربية”.
ولم يكن حظر ترامب لسفر المسلمين وهجماته على المهاجرين والأقليات من قبيل المصادفة. فهي مدفوعة بأيديولوجية اليمين المتطرف التي ترسم، مثلها مثل خطاب التنصيب للرئيس الجديد، سيناريو يوم القيامة، حيث يتعرض الغرب المسيحي-اليهودي للاجتياح من “الآخَر” -من حشود من الناس الذين يحملون معهم بكتيريا الثقافات الغريبة، والمعتقدات الدينية، والأعراق. وهذا على وجه التحديد هو السبب الذي يجعل القوى التقدمية في الولايات المتحدة وفي عموم الغرب في حاجة إلى اتخاذ موقف للدفاع عن التعددية الثقافية.
على وجه الخصوص، تمس الحاجة إلى شن هجوم معاكس جديد ضد صعود وانتشار رهاب الخوف من الإسلام -إسلاموفوبيا- الذي أصبح، بفضل سياسات الحكومات الغربية والسم الذي ينفثه يومياً معلقو اليمين المتطرف، بمثابة الشكل المقبول من العنصرية في أوساط المجتمع السياسي.
فالاستدلال الذي رسموه بنجاح لدى قطاعات ضخمة من الشعب هو أن الإسلام دين رجعي، يمارسه أناس لديهم ثقافة غريبة حيث تكون الأفكار المتشددة هي العرف السائد، وحيث الأعمال الإرهابية التي تنفذ ضد الغرب ليست مقبولة وحسب، بل إنها تلقى الترحيب من المسلمين في الوطن أيضاً، العدو في الداخل.
وجاءت أحداث 11/9 لتكون بمثابة سهم من قوس الحقائق المتصورة التي كانت قد سادت في الغرب لوقت طويل. وكانت قسمة الكوكبي إلى نصفين، بين الشمال والجنوب، قد شهدت طفرة استهلاك سادت في الغرب، والتي دُفع ثمنها بالفقر اليائس والمتواصل الذي عانى منه العالم النامي. وقد تمخض دور الغرب القائم على دعم وشد أزر الأنظمة الفاسدة في عموم العالم العربي، والظلم والإذلال المستمرين للشعب الفلسطيني، وسنوات معاناة الشعب العراقي كنتيجة للعقوبات، تمخض كل ذلك عن نمو الأفكار المتشددة التي ولدها إحساس متزايد بالظلم والمعاناة في عموم المنطقة.
وقد أنتجت الحربان في أفغانستان والعراق، واللتان أعقبتا هجمات 11/9، مزيداً من التطرف في عموم العالم الإسلامي والعربي، والظهور الموازي لرهاب الإسلام في الوطن، مع شن الهجمات الإرهابية مثل الهجوم في لندن يوم 7/7 من العام 2015، والهجوم في مدريد بعد عام، مما أفرز موجة من النفور لدى العديد من غير المسلمين من الإسلام وأتباعه.
وفي الأوقات الأخيرة، ومع صعود تنظيمات “داعش” و”النصرة” والجهادية السلفية في الشرق الأوسط، والذي أدى إلى شن موجة من الهجمات الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة، ارتفعت تلك الأصوات من اليمين -وحتى بعض الأصوات على اليسار- والتي أكدت أن ثمة ميلاً نحو التطرف في داخل الإسلام نفسه، وخلصت إلى الاستنتاج أن المحفزات الرجعية في داخل الدين وثقافته ليست مناسبة للمجتمع الغربي، ونجحت تبعاً لذلك في تصوير نزعة تعدد الثقافات على أنها مفهوم فاشل، بل وخطير في الحقيقة.
لكنها ليست كذلك. وبدلاً من ذلك، تحتضن التعددية الثقافية الطبقة العاملة في زماننا. ونظراً لذلك، فإنها توفر مركز الثقل للمقاومة المحتملة الوحيدة التي تبعث الأمل بوجود بديل تمس الحاجة إليه للتعصب العنصري لدى ترامب أو الليبرالية الكلينتونية التي مهدت الطريق أمام صعود ترامب.
إن الطبقة العاملة ليست نتاج عرق أو دين أو ثقافة أو عقيدة. ليست هناك طبقة عاملة بيضاء. وفي الحقيقة، فإن هذه الكلمات نفسها يشكل إهانة لاؤلئك الذين يفهمون خيارين ممكنين فقط عندما يتعلق الأمر بالطبقة العاملة -إما طبقة في حد ذاتها أو طبقة من أجل ذاتها.
وكما يذكرنا ماركس، فإن المطلوب “ليس تغييراً سياسياً، وإنما تحول إنساني يتم تحقيقه من خلال طبقة من خارج وأسفل المجتمع القائم، طبقة لها عنوان إنساني فحسب”.
“عنوان إنساني”، كما قال الرجل -ليس عنواناً عنصرياً أو عرقياً أو دينياً أو ثقافياً، وإنما إنساني.
*مؤلف كتاب “الأحلام التي تموت”. كما كتب خمس روايات.
(كاونتربنتش) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version