الرئيسية زوايا ثقافة وادب “زرايب العبيد” لنجوى بن شتوان .. حكايات ليبية عتيقة لم تخلع عباءة...

“زرايب العبيد” لنجوى بن شتوان .. حكايات ليبية عتيقة لم تخلع عباءة الواقع


الايام -بديعة زيدان:تروي لنا نجوى بن شتوان حكاية “تعويضة” الشخصية المحورية في روايتها “زرايب العبيد”، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، والمنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، بوصولها إلى القائمة القصيرة، هي التي تعيش ظروف العبودية بأمل تجلياتها وبأدق تفاصيلها التي تحمل من الظلم والقسوة والاضطهاد والتعنيف من ذوي البشرة البيضاء او الأسياد الكثير.
تعيش تعويضة باسم مستعار (العمة صبرية) في “زرايب العبيد” برفقة الطفلة “عتيقة”، ابنة الثامنة، يزيد أو يقل كثيراً، والطفل “مفتاح” ابيض البشرة، والذي يكبرها بسنوات معدودات.
تعمل تعويضة في تكسير الملح يومياً لساعات طويلة، واعمال اخرى لا تقل صعوبة وشقاء عن هذا العمل، بينما يساعدها الطفلان في ذلك.
تحكي لنا بن شتوان ظروف حياة هذه الفئة من ذوي البشرة الداكنة أو السوداء، والقادمين من أبوجا أو دارفور أو وادي الدوم او غيرها من الأماكن، فهي اما منحت كبقية الأطفال، لفقر أو جوع، إلى ملك القبيلة كي يبيعها وإياهم في سوق النخاسة، واما تكون “بضاعة” مسروقة من قبل قوافل الليبيين، بيعت واغتصبت كملك يمين من مختطفيها مكافأة لهم، وهو ما يحدث في المناطق الخاضعة لدى ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية أو داعش في العراق وسورية وغيرهما .. او ربما فرّت عائلاتهم من المجاعات والحروب القبلية في بلاد أخرى يعامل فيها هذا النوع من البشر معاملة ملك اليمين، وكأنها تحاكي ما يحدث اليوم في عدة مناطق في دول عربية وإسلامية.
وقالت نجوى بن شتوان لـ”أيام الثقافة”: لم أقصد إبراز أوجه التشابه ما بين الظروف الحالية وأحداث الرواية وظروفها الزمانية والمكانية، لأنها متشابهة أصلاً .. لا أقول بأن التاريخ يعيد نفسه .. التاريخ لا يعيد نفسه لرتابته، بل لا يزال هو نفسه .. التغييرات الجذرية مكلفة، ولهذا تجنبها أسلافنا، وقبلوا بكل ما هو كائن.
وتعود بنا بن شتوان الى حكاية “العمة صبرية” التي هي بالأصل “تعويضة”، والتي اضطرت للهرب في “زرايب العبيد”، للاختفاء ومن ثم الاحتماء بسكان المنطقة، ولتربي طفلتها والطفل مفتاح.
وبالرجوع الى فترة طفولة وصبا تعويضة، هي التي كانت من ضمن عدد كبير من العبيد يعملون في خدمة أسرة سيدهم محمد بن امحمد عبد الكبير، نرى أن من مهامها كغيرها من “العبدات” في ذلك الوقت، غير التنظيف والطهي وعمل اعمال شاقة كثيرة ايضا، حيث كان السادة من حقهم الاستمتاع بالعبدات جنسيا من باب ملك اليمين، إلا أن المفارقة هنا، قصة الحب التي نشأت بالتدريج بين “تعويضة” وابن سيدها، فتحبل منه، ما يثير غضب والديه، وزوجته الحرة، فيعدّون المكائد لها، تنجح إحداها بإجهاضها، إلى أن تحبل من جيل، وتلد لابن السيد مولوداً ذكراً، ليكون الذكر الوحيد له، كون أن زوجته الحرة لم تلد له ذكوراً.
وكشفت بن شتوان: بدأت كتابة رواية “زرايب العبيد” في العام 2006، كتبت منها ما يشبه القصة القصيرة ثم توقفت بعد ذلك وشرعت في التفكير في الانطلاق من تلك القصة نحو عمل أكبر يستمد جذوره من الواقع لكنه لا يخلو من الخيال، أخذت اسم الحي القديم لأحد مناطق مدينة بنغازي وبدأت في تخيله كيف كان منذ قرابة 200 سنة خلت، لا يوجد معلومات تاريخية أو مادة موثقة يمكنني الانطلاق منها، عدا بعض الصور التي التقطت للزرايب إبان دخول ايطاليا لليبيا واهتمامها بالمسح، عثرت على صورة لها عند صديق وبدأت في تأملها، محتويات الصورة كانت فقيرة ولا يوجد بها تفاصيل، أتذكر أنني وضعتها أمامي على شاشة كمبيوتري وبدأت أتأملها وأفكر في تعبئتها بالأشخاص المناسبين وبحكايتهم، لم أكتب خلال هذه الفترة الطويلة التي سكنتني فيها الصورة فقط وانشغلت بأمور أخرى تخص الدراسة والعمل.
يخرج السيد محمد في رحلة للتجارة فتعذب تعويضة حتى يموت طفلها من الجوع وهو ملقى بجانبها هي المعلق جسدها في الهواء .. يتم التخلص منها ببيعها وأبعادها عن بيت السيد، وعند عودته تبدأ رحلته في البحث عن حبيبته “تعويضة”، هو الذي شعر أن اول محاولة له للتمرد على المجتمع والأهل باءت بالفشل بل والهزيمة.
وتابعت بن شتوان: في العام 2015 كنت قد أصبحت في روما، أعدت فتح ملف الزرايب على حاسوبي ذات ليلة في شهر شباط وكانت صاحبة البيت تطلب مني الإخلاء، أصبت بالارتباك والحزن كيف بقي كل شيء معلقاً دون تتمة وأين سأتمه إذا ما كنت لا أعرف لي مكاناً استقر به، شرعت في ترتيب ما وجدته من ملاحظات، ثم انتقلت الي مدينة باليرمو للبحث عن عمل وقررت فتح ملف الزرايب هناك، ثم خلال عام كامل انتهيت منها ووجدت نفسي أعود من جديد بعدها لروما.. كان تفكيري وحديثي مع نفسي وعيشي مع الزرايب ومع أبطالها متواصلا، حتى أنني كتبت أجزاء منها ووجدتني أبكي ثم أسير ساعات طويلة لأتخلص من تأثيرها الغامض على روحي. . خلال سنة الكتابة الأخيرة لم أشاهد الصورة التي انطلقت منها، وبدأت أرى الشخصيات تتحرك فعلياً أمامي.. انهيتها وأرسلت المسودة للناشر، فجاءتني الموافقة بعد شهرين، وكانت هي الفرحة الوحيدة لي في ذلك الوقت الحزين جداً.
ينتهي الحال بتعويضة في “ماخور” بأحد زقاق المدينة، واجبارها على ممارسة البغاء إلى أن يتاح لها فرصة الهرب، مستغلة طلب مديرة “الماخور” منها بالتخلص من الطفل الأبيض ذي العينين الزرقاوين لإحدى العاهرات بالتخلص منه بوضعه أمام باب المسجد، فتهرب برفقته، وكأنه تعويضها عن طفلها الحقيقي الذي مات جوعاً أمام عينيها.
تنصحها أختها عيدة في الاختفاء داخل “زرايب العبيد”، فسكان تلك المنطقة يشعرون ببعضهم البعض، وسيحميها الجميع هناك: تخفي اسمها وقصة الطفل وتعيش هناك حياة قاسية لكن حرة، الا ان علاقتها مع السيد محمد لم تنته، فتنجب منه طفلتها عتيقة التي يرفض الاب الاعتراف بها .. تبقى في “الزرايب” هي و”طفلاها”، حتى يقوم رجال الأمن بحرق المنطقة للتخلص من مرض الطاعون المنتشر هناك .. يحرقونها بمن فيها باعتبارها وإياهم بؤرة المرض، وكأن السكان جرائيم وليسوا بشراً .. ينجو البعض، ويحترق البعض الآخر.
واللافت في رواية بن شتوان، تلك الحكايات القصيرة التي تتخلل الرواية لتمنحها مزيداً من الزخم والتشويق، منها فصل بعنوان ” دكاكين حميد”، تروي فيها حكاية الصبية فطوم وخطيبها ابن الجيران حماد، والتي تخبط له باتفاق لا يعلمه بين الأهل، ودون رأيها.
أما اللغة السلسة والتي لا تخلو من بعض المصطلحات المحلية التي يصعب على القارئ العربي فهمها، ما دفع بالكاتبة إلى تفسيرها في حواش اسفل الصفحات، وهذا ما تميزت به الكاتبة عن غيرها ممن يعمد الى تضمين روايته باللهجة العامية التي تكون غير مفهومة للقارئ العربي أحيانا.
أما أسلوب السرد وطريقة ترتيب المراحل الزمنية فكانا في منتهى الروعة، والتميز، والتمايز، حيث بدأت الرواية بحكاية الطفلة “عتيقة” التي أصبحت زوجة وأُماً ثم عرجت الكاتبة الى حكاية الأم “تعويضة”، بطلة الرواية طفولتها وصباها وحكايتها مع العشيق الحر ابن الأحرار، الذي يعشق عبدة وخادمة.
وختمت بن شتوان: بعد صدور الرواية بدأت تصلني ردود أفعال القراء بمختلف أنماطهم. كثيرها مملوء بالإعجاب والدهشة بقدرة الرواية على شدهم لقراءتها حتى النهاية، لقد انتبهت إلى أنني كتبت ثلاثمائة صفحة ومن الصعب أن أحتفظ بقارئ لها في أسبوع، فإذ بالقراء عندما أسألهم عن الزمن الذي استغرقوه في قراءتها يقولون لي (يومين بس) إنها وتيرة عالية ومشجعة بالنسبة لي، على عكس زمن كتابتها، فقد كان ثقيلاً بكل معنى الكلمة.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version