
صفة الحياة هي التتابعية وكل مرحلة تكون نتيجة للمرحلة السابقة او وليدة منها فالموقف من التراث واستحضاره انما هو لاكتشاف المحطات الكبيرة في حركة البشرية وللتأكيد انه ثمة تواصل في هذه الحركة وان الانتقال من مرحلة الى اخرى يحمل معه انتقال من فكر الى فكر جديد معاصر يكون اكثر تطورا من الذي سلفه . فكما قال كريم مروة ان الجديد انما يولد من رحم القديم .لكن شروط ولادة هذا الجديد تختلف باختلاف القائمين بتحقيق هذه الولادة . فالجديد يمكن ان يكون تكرارا للقديم ,كما يمكن ان يكون استخلاصا للدروس من ذلك القديم في الطريق الى توليد الجديد الذي تتطابق ولادته مع حاجات العصر الذي يولد فيه ويتطور . فمثلا فكر ماركس جاء ليكمل فكر ابن خلدون ويضيف عليه الكثير .
ومن هنا نستخلص اهمية الاجيال القادمة في اكمال مسيرة الاجيال السابقة وان الصلة بينهما لا يمكن ان تنقطع فهي علاقة تكاملية والشباب هم محور هذه العلاقة فقد اكد “بياجيه” ان التعاون هو التعبير العملي عن الثقة المتبادلة فبالنسبة للشباب اذا وضعنا قانون التعاون مكان قانون الكبح يصبح عند اذ قانونا خلاقا فعالا يمكن نشوء ذلك فقط من خلال التقدم الذي ينجزه التعاون والاحترام المتبادل بين الاطفال اولا ثم بين الشباب ثم بين الشاب و الكبار حين يدرك الشاب انه على قدم المساواة معهم .
فلسطين … التحرير بيد شبابية :
يقول الدكتور ماهر الشريف اننا دخلنا منذ عقود عديدة , بعد ان حصلت كل شعوب المستعمرات واشباه المستعمرات في آسيا وافريقيا على استقلالها السياسي , وإن ما زالت تكافح من اجل استقلالها الاقتصادي , وزال , ومنذ اكثر من عقد , آخر نظام للتمييز العنصري في جنوب افريقيا ولم يبق في ميدان الكفاح من اجل التحرر الوطني والاستقلال السياسي سوى الشعب الفلسطيني .
وقد مرت الدولة الفلسطينية بالعديد من المؤامرات ومحاولات كبرى لفنائها لحساب قيام كيان الاحتلال فنذكر رسالة نابليون بونابرت الى الصهاينة حيث وصفهم بالورثة الشرعيين لفلسطين اضافة الى ما اظهرته فرنسا من دعم لاقامة دولة يهودية في فلسطين منذ نهاية القرن الثامن عشر تشكل حاجزا يفصل بلاد الشام عن مصر سيخدم المشاريع الاستعمارية الفرنسية في المناطق الخاضغة للحكم العثماني .
وبعد نابليون جاء وعد بلفور المشؤوم ونحن الان دخلنا في عامه المئة .
كل ذلك ولد لدى الشعب الفلسطيني حالة من الثورة المحتمة على هذا الوضع اذ لم يكل او يمل على الصراع على حقه المسلوب من خلال الانتفاضة الاولى وانتفاضة الكرامة او ما تسمى بيوم الارض على يد مهندسها توفيق زياد مرورا بالانتفاضة الثانية الى انتفاضة القدس الاخيرة انتفاضة الدعس والسكاكين . ولقد كان للشباب دور ريادي في المراحل النضالية للشعب الفلسطيني .
ففي الانتفاضة الاولى ادرك قيادة الشعب الفلسطيني اهمية الشباب فبرز دور اللجان بشكل كبير والتي كان عمادها الشباب فيقول “ربعي المدهون” تعتبر اللجان الشعبية والوطنية أداة النضال التنظيمية الرئيسية , التي تمثل قنوات الاتصال ذات الفعالية العالية لمرور الاهداف الصغيرة , في الوقت الذي تمثل فيه دورا قياديا في حدود صلاحياتها يؤهلها فيما بعد لان تصبح الشكل الجنيني لسلطة الحكم الذاتي الوطني على المستويين الوظيفي والسياسي في حدود صلاحياتها ومنطقة عملها على مستوى الحارة والحي والمنطقة. ومع تطور هذه الانتفاضة ترسخت جذور هذه اللجان وجعلت امكانيات القضاء عليها من قبل الجيش الصهيوني شبه مستحيلة , اذ يستطيع الجيش الصهيوني قمع المظاهرات الخارجية للانتفاضة في المناطق المحتلة ولكن هذه التظاهرات ليست الانجاز الحقيقي للانتفاضة انما الانجاز هو في مدى التنظيم الداخلي للفلسطينين وتكامل شبابهم مع شيوخهم .
فيمكن مما سبق تعريف هذه اللجان هي مجموعات من الشباب المتحمس , ممن يتمتعون بحس وطني عال ومستوى اعلى من التضحية , وقدرة تميزهم عن غيرهم في تحمل المسؤوليات على مستوى المناطق او الاحياء التي يعملون بها وهم يشكلون لجانهم بقوى ذاتية ووفق نداءات القيادة الموحدة “من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والشيوعيين” ويتولى هؤلاء الشبان اعضاء اللجان ,عمليات التظاهر ورشق الحجارة وغير ذلك من المهام الموكلة لهم .
وفي الانتفاضة الثانية والتي فجرها الشباب شكلت العلاقة بين الاجيال مبحث للكثير من الكتاب فقد وضّحت الصورة التي نقلتها وسائل الاعلام وشاشات التلفزة لاول عامين من الانتفاضة ملمحا ايجابيا في علاقة الفئات العمرية بعضها ببعض وعكست حالة الوحدة القوية والتقارب العملي بين عدة اجيال فلسطينية في اطار حالة الشمول التي امتاز بها الفعل الشعبي فلم تقتصر المشاركة في الانتفاضة على الصبية والشباب والجيل الجديد الذي قام بتفجيرها وانما شملت ايضا الشيوخ والكهول من ناحية والاطفال من ناحية اخرى وارتقى من الاجيال المختلفة الشهداء.
ويقول الدكتور احمد الديك انه لم تقتصر اشكال التمرد الشبابي على مجالات المشاركة “في الانتفاضة” , بل تعدتها لتتحدى كافة البنى التقليدية التي خضع لسلطانها في السابق وليس ادل على ذلك من خروج الشاب او الطفل دون اذن والديه او تصدر احد الفتية لاجتماع شعبي وهو يروي قصة او حادثة من واقع الانتفاضة او يحلل بعض دروسها وعبرها بينما يجلس كبار السن وهم يستمعون لحديثه
وعلى الرغم من ذلك فان اشكالية العلاقة بين الاجيال مستمرة وبقيت حديث الكثير من المثقفين ففي ندوة نقلت اعمالها مجلة الفكر الديموقراطي يطرح د.عورتاني تحليله لهذه العلاقة فيقول : قد يكون من المبالغة في التفاؤل ان نقول انه ليس هناك صراع او تفاوت بين الاجيال , انا اعتقد بأن التفاوت موجود الى حد ما وان له جذور عميقة , وهو ناجم عن احباطات في نفوس الشباب ليست بسيطة , … فعندما ينظر الشباب الى الوراء فيرون ماذا فعل اجدادهم حيث كانت الولاءات للزعماء ومقاييس الولاء الغير موضوعية , بل عائلية وما شابه , فإن النظرة ستخلف احباطا قويا في نفوسهم .
ويبدي عورتاني تخوفه من المستقبل عندما يقول الكبار “ايها الشباب انتم الذين اوصلتمونا الى هنا , وهذا هو ما اردتموه ” وفي ذلك اشارة لحالة تشاؤمية قد تسود في مجتمع الانتفاضة في فترات تراجعه او عندما يكتشف صعوبة تحقيق اهدافه .
وكتتويج للحالة النضالية الشبابية جاءت الانتفاضة الاخيرة انتفاضة السكاكين اذ هي تحمل طابع شبابي بشكل كامل مستاء من الوضع المزري الذي تمر به القضية الفلسطينية على الصعيدين الدولي والمحلي فالاول نلحظ تهميش للقضية الفلسطينية من اجندة اعمال الامم المتحدة والتي هي اصلا لطالما اخذت منحى معادي لقضيتنا العادلة والثاني نتيجة الانقسام المدمر والمخزي بين طرفي الانقسام , فقد اتت الوحدة الفلسطينية في ميدان الصراع مع كيان الاحتلال وجيشه اذ اتحد اليمين مع اليسار واحدثوا اثر كبير في العمليات البطولية التي قدموها فكل ذلك هو من الشباب وسيكون عائد في نهايته للشباب .
التخلف في المجتمعات العربية (تخلف شباب ام عقلية مجتمع ) ؟
بداية دعونا نسترشد من الدكتور هشام شرابي ونستخدم مصطلحه النظام الابوي اذ هو مصطلح اقتصادي اجتماعي يشير الى مجتمع تقليدي وسابق على الحداثة وتبعا لذلك فان التعبيرين مجتمع ثقافة ابوية ومجتمع ثقافة تقليدية هما تقريبا ذو دلالة واحدة اذ يجري تعريف التعبيرين على انهما نقيض الحديث .
واننا نرى ان مفهوم الابوية في المجتمع العربي انما يدل على تهميش دور الشباب لصالح فئات لها اهمية ولكن انيط لها ان تبني مستقبل لفئة لا تشارك في هذا البناء وانما ستسكن فيه وهذا تبسيط للمأزق الذي تقع به الاجيال العربية على شكل حلقات مفرغة.
ونتيجة هذه الابوية تظهر لدينا التباينات بين انطلاقة الشباب فيما بعد الاسرة بين الدول العربية والاخرين فعلى سبيل المثال فان العائلة اليابانية التقليدية تلقن صغارها فضيلتي التضامن والطاعة على انهما شرطان اساسيان للبقاء والاستمرار ,تماما كما تلقن العائلة العربية صغارها . ولكن في حين ان اليابانيين يمارسون التضامن والطاعة خارج نطاق العائلة أي في المجتمع الرحب فإن هاتين الفضيلتين في المجتمع العربي تبقيان منحصرتين في البنى الاولية (العائلة – العشيرة – الطائفة) وعلى نحو مشابه فإن الماوية في الصين قد اثرت في الانتقال من الولاء العائلي الى الولاء الاجتماعي , ليس عن طريق التحويل الجذري للقيم التي تولدت داخل العائلة ولكن عن طريق “بديل حافظ على الاحترام ووفر في الوقت نفسه مواضيع حب وتعلق ” وعلى سبيل المثال فإن واجب الاطفال خدمة ابائهم تحول الى واجب الشباب في خدمة الشعب .
صحيح ان مقولة حب الوطن فوق حب النفس مأثرة تمجدها القومية العربية الا انها لم تترسخ في بنى تضمن ترجمتها الى مسلك عملي.
مما سبق نؤكد بان تنشأة الشاب الاسرية هي التي تعكس مدى مساهمته في تطور مجتمعه وهذه المساهمة هي التي تحدد اتجاه المجتمع نحو الحداثة او نحو التخلف وعدم القدرة على اللحاق بالامم المتقدمة وسنذكر هنا مقولة (reich) الاساسية التي تنادي بان بنية الفرد النفسانية تماثل بنية النظام الاجتماعي القائم . هذا معناه ان البنية النفسانية العربية تنتج من التنشئة الاجتماعية في ظل النظام الابوي.
ان التعويل في اعادة امجاد الشرق هو على النبت الجديد والذي اصبح كثيرا اولئك العقلاء في كل مكان الذين عرفوا مضار مزج دنياهم مع تخلف ممارسات السابقين, اولئك الذين يطالبون وضع هذه الممارسات جانبا كي يتحدوا سويا اتحادا حقيقيا ومجاراة التمدن الاوروبي ومزاحمة اهله والا جرفهم جميعا وجعلهم مسخرين لغيرهم.
امد