الرئيسية الاخبار إلى أي مدى يساهم «فيسبوك» في توجيه السياسة والرأي العام في تونس؟

إلى أي مدى يساهم «فيسبوك» في توجيه السياسة والرأي العام في تونس؟


تونس – «القدس العربي»: بات من البديهي القول إن موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يؤثر بشكل كبير في الحياة السياسية في تونس، في ظل اعتماد الحكومة والأحزاب السياسية عليه في إصدار بياناتهم الرسمية، فضلاً عن لجوء أغلب السياسيين في البلاد للتعبير عن آرائهم ومواقفهم الرسمية عبر الشبكة الاجتماعية.
ويؤدي «فيسبوك»، الذي يستخدمه أكثر من نصف التونسيين (55 في المئة)، دوراً كبيراً في صناعة الرأي العام التونسي، فضلاً عن دوره في تحريك الشارع والضغط على الحكومة لتعديل بعض قراراتها، ويجب أن لا ننسى دوره الكبير في الثورة التونسية التي أدت إلى سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
وتتباين آراء السياسيين والباحثين التونسيين الذين استطلعت «القدس العربي» آراءهم حول هذا الأمر، حيث يرى البعض أن موقع «فيسبوك» بات يساهم بشكل كبير في توجيه السياسة العامة في تونس، فيما يقلل آخرون من أهميته ويشككون بالمعلومات المتداولة عبره، كما يتحدثون عن دوره «السلبي» على الصعيد الاجتماعي.
ويقول المؤرخ والباحث السياسي د. عبد اللطيف الحنّاشي «لا شك أن فيسبوك هو أحد أهم مصادر المعلومة والفكرة، وأصبح في تونس يؤثر بشكل متفاوت ولكن هذا التأثير في جزء منه عميق، بمعنى أن الدوائر الرسمية تعطي أهمية لما يُنشر في فيسبوك وتتفاعل معه إيجاباً أو سلباً، بل إن فيسبوك أصبح يوجه السلوك السياسي لبعض الأطراف وهذا ينطبق أيضاً على الحكومة وأعضائها».
ويضيف «فيسبوك لعب دوراً مهماً جداً في الثورة التونسية، وهذا الدور تنامى بعد الثورة، والآن يؤدي دوراً متفاوتاً (كما أسلفت) بمعنى أننا نجد فيه الغث والثمين، ولا يمكن اعتماده كمصدر أساسي (للمعلومات) ولكن الكثير من السياسيين يعتمدونه ويتأثرون به ويقومون برد فعل تجاه ما يُنشر وهو ما يشير إلى أن أنه يلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام التونسي».
ويلجأ عدد كبير من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى «فيسبوك» لإطلاق حملات إلكترونية واسعة تبدأ بالفضاء الافتراضي وتتحول لاحقاً إلى مظاهرات في الشارع للضغط على الحكومة.
ويتحدث محمد عبّو مؤسس حزب «التيار الديمقراطي» عن الحملة التي أطلقها حزبه مؤخراً بعنوان «يزي فك» (يكفي) بقوله «الحملة تتعلق بقانون المصالحة وهي تهدف لتوعية التونسيين بمخاطر هذا القانون، السياسيون يعرفون جميعاً أن الأمر يتعلق بفساد رئاسة الجمهورية وبعض الأحزاب الحاكمة، ولكن الكثير من التونسيين لا يدركون أن هذا الأمر يتعلق بالفساد، بل إن بعضهم يعتقد أن هذا القانون يمكن أن يأتي بمداخيل كبرى للخزينة التونسية، في حين أن المقصود منه هو إفلات العقاب عن الذين موّلوا بعض أحزاب الحكم، ونحن نحاول تحريك نخوة التونسي وإيمانه بقيم الثورة والمسار الديمقراطي وثورته وحماية المال العام».
وأضاف «فيسبوك يمكن أن يؤثر بشكل كبير في السياسة التونسية، قد يؤثر بشكل سلبي عبر استخدامها بشكل «شعبوي» من قبل الحكومة، ويمكن أن يؤثر بشكل إيجابي عندما تكون هناك قضايا جدية قابلة للإقناع وفيها مصلحة وطنية ومواقف مبنية على العقلانية، حيث يتم تحريك الناس عبر الفيسبوك ليكونوا مستعدين – إذا اقتضى الأمر- للنزول إلى الشوارع والاحتجاج وهذا الأمر جيد والثابت أن «فيسبوك» يؤثر إلى درجة كبيرة في السلطة».
ويتابع «يجب أن لا ننسى دور فيسبوك في الثورة التونسية، فعلى سبيل المثال حصلت انتفاضة في الحوض المنجمي في قفصة (جنوب غرب تونس) عام 2008 ولم يكن لها أي وقع لأن الفيسبوك حينها لم يكن انتشر بشكل كبير، ولكن بعد عامين حين قامت الثورة التونسية كان الفيسبوك هو الوسيلة التي حركت الناس وأقنعت الكثيرين بضرورة المشاركة في أعمال التحرر (من النظام السابق)».
ويقول الباحث د. سامي براهم «الحياة السياسية في تونس أصبحت مُعتلّة ومشوّهة بالتحالفات التي ربما ليست في صالح الثورة، لذلك هناك وسائل ضغط من أجل تغيير الواقع إما عبر الحراك المدني السلمي في الشارع (وقد وقع هذا)، أو الحراك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة فيسبوك، وقد رأينا أن فيسبوك ساهم عبر حملات تلقائية وغير منظّمة بشكل كامل في التأثير والدفع إلى تغيير بعض القوانين والأوضاع والتأثير حتى في الخطاب الرسمي في اتجاه مختلف، لذلك أعتقد أن فيسبوك هو وسيلة مهمة للتأثير في القرار السياسي وفي بعض التوجهات والسياسات العامة في البلاد».
وحول تجربته الشخصية مع موقع «فيسبوك»، يقول براهم «لا يمكن أن أتنفس من غير فيسبوك، هو أصبح شيئاً أساسياً في حياتي، وكلما قررت أن أغادر هذا الفضاء فشلت في ذلك، فهو فضاء تلتقي فيه وسائط تواصلية عدة تساهم في تيسير الكثير من المهام التي بدون «فيسبوك» لا يمكن أن أتمكن منها، كما أن جزءًا من أعمالي الأكاديمية أنظمه أو أثثه عبر فيسوك، ليس عن طريق المادة المنشورة فقط بل أيضاً عبر العلاقات التي أعقدها، فجزء كبير من أصدقائي هم من الباحثين في جامعات العالم وبعض تعليقاتهم الفيسبوكية مفيدة معرفيا بالنسبة لي، وهناك مقال بحثت عنه لسنوات عدة وهو مهم في بحوثي الأكاديمية، ووجدته مؤخراً منشوراً على إحدى الصفحات».
على صعيد آخر، ثمة من يشكك بمصداقية المعلومات التي يتم نشرها عبر «فيسبوك» على الصعيد السياسي، ويحذر من دوره السلبي على الصعيد الاجتماعي، ويرى أنه مجرد «موضة» ستختفي بعد سنوات عدة.
ويقول لزهر بالي رئيس حزب «الأمان»: «مشكلة فيسبوك هو أنه كالسكين يمكن أن تستعمله لشيء نافع أو لإنقاذ حياة الناس، كما يمكن أن تستعمل أيضا في القتل، لا شكّ أن شبكات التواصل الاجتماعي (وخاصة فيسبوك) لعبت دوراً مهماً في الثورة التونسية وهذا كان مرحب به، واليوم هناك إعلاميين كبار كانوا يكتبون في صحف ومجلات تونسية معروفة وتحولوا الآن إلى فيسبوك للتعبير عن آرائهم، ولكن نحن نرى أن هذه الموضة (مواقع التواصل الاجتماعي) سوف تختفي بعد سنوات عدة».
ويضيف «فيسبوك لا يمكن أن يكون مصدرا لمعلومات موثوق بها، لذلك لا بد أن نكن حذرين في التعامل معه، ولا بد أن نبتعد أيضاً عن اللغو، فالمجتمع العربي هو مجتمع لغو في حين أن المجتمعات الأخرى هي مجتمعات عمل، كما أن فيسبوك يؤدي دوراً سلبياً على الصعيد الاجتماعي، حيث يتسبب في 40 في المئة من حالات الطلاق في بعض الدول العربية، بمعنى أنه يمكن أن يساهم في التأثير على الصعيد السياسي، لكنه في المستويات الأخرى (الاجتماعية وغيرها) أصبح آلة قاتلة ولا بد أن نتخذ كل وسائل الحماية من هذا الدواء القاتل».
وكان أحد النواب تعرض لهجوم من قبل عدد من النشطاء بعد دعوته رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى عدم الإصغاء إلى ما يُكتب على موقع «فيسبوك»، حيث استغرب البعض محاولة التقليل من شأن منبر أساسي لعدد كبير من السياسيين والناشطين الذين يحاولون إيصال آرائهم للحكومة عبر الموقع الذي يحظى بشعبية كبيرة في البلاد، في ظل تعذر هذا الأمر عبر وسائل الإعلام التقليدية.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version