الرئيسية زوايا أقلام واراء معادلة الجغرافيا والتاريخ ..بقلم كعمر حلمي الغول

معادلة الجغرافيا والتاريخ ..بقلم كعمر حلمي الغول


الجغرافيا أسيرة التاريخ وتطوراته. وهي لصيقة به كظله. وهي ايضا تؤثر به، وتأخذه إلى مساقات ومحطات ومتعرجات عديدة. فالتاريخ يدون في صفحاته الأحداث بكل ما لها وعليها، صغيرها وكبيرها. والقوى المتعاقبة في صناعة الإنعطافات الحادة في التاريخ بالإتكاء على قوة وأثر الديمغرافيا، تستطيع ان تغير معالم وتوجهات التاريخ في حقبة تاريخية ما وفق معاييرها ومصالحها السياسية والإقتصادية والأمنية.
وعبر التاريخ نلاحظ، ان حدود الدول والإمبراطوريات غير ثابتة، بل متحركة، وتعيش حالة صعود وهبوط. وبمقدار ما تتمكن دولة من الدول من حماية دورها وموقعها السياسي في خضم تموج حدة الصراعات العاصفة بالعالم بين فترة وأخرى، بمقدار ما تحتفظ بحدودها ومصالحها القومية. والعكس صحيح. ورغم ان العالم تغير بتغير تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، الأمر الذي أثر سلبا وإيجابا في خارطة الدول. فما كان ممكنا في زمن وحقبة الإقطاع، لم يعد ممكنا في عصر البرجوازية. لإن الشروط السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية إختلفت إختلافا جذريا. فدولة السوق والهوية القومية في عصر الرأسمالية، رسخت وحدة الهوية في داخل حدودها، ووسمتها بجملة مع السمات العامة، منها: اللغة، التاريخ، الإقتصاد، الثقافة والمصالح المشتركة، وأبعد دور الكنيسة (الدين) عن الدولة والنظام السياسي، اي فصلت الدين عن الدولة.
لكن هذا التطور لم يسقط دور التاريخ في التأثير على جغرافية وحدود الدول. فكل الدول شهدت مدا وجزرا في حدودها، وبعض الدول شطبت من الخارطة الجيوبولتيكية نموذج بولندا، وهنغاريا النمسا وتشيكوسلوفكيا، وحدث ولا حرج عن العالم العربي، الذي خضع للتمزق والتقسيم الإستعماري وفق مخرجات مؤتمر كامبل نبرمان وإتفاقيات سايكس بيكو. وعشية الإقتراب من القرن على الذكرى المشؤومة، اعدت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل خارطة جديدة للمنطقة العربية، تقوم على إعادة تقسيم هذه الدول على أساس ديني وطائفي ومذهبي وإثني، وأعدت أدواتها المنفذة (جماعة الإخوان المسلمين وفروعها ومشتقاتها من المجموعات التكفيرية)، وهو ما حصل مع إشتعال اول شرارة في تونس في اكتوبر 2010 بعد سقوط محمد بو عزيزي ضحية ممارسات نظام زين العابدين بن علي. وتلا ذلك ما عايشناه جميعا في مصر وتونس وليبيا وسوريا والسودان والصومال واليمن وطبعا قبلها في العراق وفلسطين.وكان الإستهداف يطال الأردن والسعودية وغيرها من دول الخليخ والمملكة المغربية.
هذا السيناريو الواقع تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد او الكبير، مازالت تعمل أميركا وإسرائيل عليه، لكن مع تغير في شكل وحدود الخارطة، إرتباطا بعدد من العوامل، منها: اولا تغير الأدوات بعد فشل تجربة الإخوان المسلمين في القيام بالمهمة الموكلة لها، وإتضاح سلوكها المتطرف، وإنتفاء اية وسطية عن توجهاتها ؛ ثانيا عدم السيطرة على الجماعات التكفيرية، التي نقلت جزءا من إرهابها إلى الغرب الرأسمالي. وهذا ما تم التأكيد عليه مرارا، ان هذه الجماعات سلاح ذو حدين؛ ثالثا إستعصاء بعض الحلقات على التطويع، وعدم النجاح في بعض المحطات. كما حصل في مصر وتونس؛ رابعا إستعداد بعض الدول لدفع الأتاوة لصانع القرار الأميركي، مقابل رفع سيف تقسيمها، وإعادة الإعتبار لدورها في الإقليم؛ خامسا تغير اللاعب السياسي المقرر والحاسم في شكل وطبيعة الخطة؛ سادسا تغير طبيعة النظام السياسي العالمي، وإنتقاله من حالة القطبية الفردية إلى القطبية المتعددة.
من المؤكد ان هناك قوى إقليمية هامة ومتجذرة لا يمكن القفز عنها، منها تركيا وإيران والعرب، ولكن العرب كما كانوا على مدار القرن الماضي محل مفعول به، سيبقوا لحين تحت دائرة العبث والتغيير. وخارطة دولهم رخوة جدا، إلآ ان الإتجاه على ما يبدو نحو إعادة الإعتبار للدولة الوطنية القائمة، ولكن بشروط تبعية جديدة ومهينة أكثر، وعلى ارضية الإعتراف المعلن بإسرائيل والتحالف معها في مواجهة الآخرين. وفي السياق سيكون للشعب الفلسطيني دولة في الجيوبوليتك الأقليمي، ولهذا تم الإتفاق الدولي والإقليمي على شطب إنقلاب حماس من المعادلة، وتم تقزيم أدوار دول عربية واقليمية، كانت تعتبر حتى الأمس القريب صاحبة باع طويل في الأقليم.
غير ان التطورات الجارية والمستندة لحقبة طويلة من الزمن تمتد لقرن خلا، لا تحمل في طياتها بقاء القوى المؤثرة في سياسات الإقليم باستثناء القوى الأصيلة، وبتعبير آخر القوى او الدول الطارئة (نموجها إسرائيل) لن تعتبر من القوى المستقرة في الإقليم. وستشهد الجغرافيا بفعل صعود التاريخ معادلات جديدة تنتفي فيها دول قامت على انقاض دول وشعوب بفعل وحدة المشروع الغربي سابقا، الذي بات من شبه المؤكد (الغرب) أنه في المرحلة الراهنة آخذ في الإنقسام والتشرذم، ولهذا إنعكاساته وإرتداداته على الجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ..

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version