
القدس العربي -سامان نوح /اقترب الجيش العراقي من حسم معارك إنهاء وجود تنظيم «الدولة» في مدينة الموصل، كما اقترب الحشد الشعبي من حسم معارك السيطرة على معظم مناطق غربي نينوى المحاذية لسوريا والتي تشاركه في السيطرة عليها قوات إيزيدية. وحسم قبلهما البيشمركه معارك شمال غربي وشمال شرقي نينوى بدعم من الجيش في ظل غياب القوى السنّية المدعومة من تركيا والتي كانت قد أعلنت في أوقات سابقة عن تشكيل وحدات مسلحة ونشرها في نقاط حول الموصل لكن لم يظهر أي دور لها على الأرض.
وسط ذلك المشهد الأمني المعقد لمحاور توزيع القوى، ومع معاناة مئات الآلاف من أهالي المحافظة التي تضم أكثر من 3.5 مليون نسمة، نتيجة ضعف الأمن وانهيار الخدمات وتعطل عمليات الإعمار في المناطق التي مضى على تحريرها أكثر من عام ونصف كسنجار وتلك التي حررت قبل أشهر طويلة مثل سهل نينوى أو التي حررت في الفترة اللاحقة كالساحل الأيسر للموصل، لم تظهر أي خطة متفق عليها بين القوى الرئيسية في البلاد «لإدارة نينوى ما بعد داعش».
وخلال نحو عام من التحضيرات الأمنية لاستعادة نينوى، لم يبحث القادة العراقيون أي خطة سياسية ترسم الخطوط العريضة لمستقبل نينوى وخريطتها ما بعد التنظيم، ولم توضع خطط تحدد طريقة إدارة المحافظة أمنيا واقتصاديا وخدميا، رغم الاعتراف بفشل نظام الإدارة والحكم السابق، ورغم المطالب المتكررة للقيادة الكردية كما للقيادات السنية والقوى الإيزيدية والمسيحية والتركمانية لبحث ذلك والجلوس للاتفاق على مستقبل المحافظة التي تقطنها مكونات مختلفة وتضم أراضيها مناطق واسعة هي محل نزاع بين حكومتي بغداد وأربيل.
الغياب السنّي
القوى السنّية الفاعلة في مشهد نينوى السياسي كـ»حركة متحدون» بزعامة أسامة النجيفي والحزب الإسلامي بزعامة إياد السامرائي إلى جانب أحزاب وحركات تمثل قوى عشائرية، طالبت جميعا بتغيير طريقة الحكم والإدارة السابقة وباتفاق سياسي بضمانات دولية لإدارة نينوى بعد «داعش».
وأكدت تلك القوى، التي انضم مؤيدو وأعضاء بعضها للحشد الوطني السنّي كما ان لديها مؤيدين في تشكيلات الجيش والشرطة، على استحالة القبول بعودة الطريقة القديمة ذاتها في إدارة نينوى التي تمثلت بسيطرة الحكومة الاتحادية على مفاصل القرار السياسي والأمني وحتى على جزء من القرار الإداري الخدمي، مشددة على منح أهل نينوى صـــلاحيات واسعة في إدارة المحافظة.
لكن تلك القوى لم تقدم مشروعا محددا، بل تباينت رؤاها بين من طالبت بإقليم ومن طالبت بصلاحيات أمنية وسياسية واسعة، ومن طالبت بتقسيم المحافظة إلى مناطق إدارية جديدة وفق انتشار المكونات ومنحها حقوق الإدارة الذاتية. ولم تتفق اطلاقا على مشروع محدد، ومع إعلان مجملها رفض انشاء إقليم على أساس طائفي فانها في الوقت عينه لم تخف حماستها لانشاء إقليم نينوى الذي هو في النهاية سيكون إقليما عربيا سنيا. ودعت معظم تلك القوى إلى ابقاء وجود جيد للتحالف الدولي في مرحلة ما بعد «داعش» «لكي يلعب دوراً في منع تصفية الحسابات السياسية وأن يشكل ضغطاً على الحكومة العراقية».
الأمر ذاته (إدارة ذاتية، ووجود قوات دولية) طالبت به القوى الرئيسية للمكونات الصغيرة مثل المسيحيين والإيزيديين، لكنها بدورها لم تتفق على مشروع واضح للحل يحدد رؤيتها ومطالبها.
القلق الكردي
غموض مستقبل نينوى كان مصدر قلق بالنسبة للقيادة الكردية، فرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني طالب عدة مرات الحكومة العراقية بالجلوس والتباحث للاتفاق على إدارة نينوى ومستقبلها في مرحلة ما بعد التنظيم، واعتبر ذلك شرطا لمشاركة البيشمركه في عملية استعادة نينوى، لكن دعواته لم يتم الاستجابة لها، وتحت ضغط الأمريكيين شاركت قوات البيشمركه باستعادة مناطق محدودة شرقي وشمال شرقي الموصل، لكن تلك القوات لم تشترك في عملية استعادة مدينة الموصل نفسها، حالها حال الحشد الشعبي.
ورغم المطالب الكردية المتكررة في عامي 2015 و2016 بضرورة حصول اتفاق، ورغم تأكيدهم الدائم على ان الأمور على الأرض أمنيا وإداريا لن تعود كما كانت في الماضي خاصة في المناطق المتنازع عليها في المحافظة، ورغم مساندتها لتوجهات بعض القوى السنية بتشكيل إقليم، فان القيادة الكردية لم تقدم أي مشروع أو رؤية لإدارة نينوى ما بعد تنظيم «الدولة» وركزت في النهاية اهتمامها على ضمان ابقاء سيطرتها على المناطق التي استعادتها من التنظيم قبل انطلاق عملية «تحرير نينوى» خاصة بوجود اتفاق مع حكومة بغداد يقضي بانسحاب القوات الكردية من المناطق التي سيجري استعادتها بعد انطلاق معارك «تحرير نينوى».
وينقل المستشار الإعلامي لرئاسة إقليم كردستان كفاح سنجاري، عن رئيس الإقليم خلال اجتماعه بشيوخ ووجهاء نينوى في حزيران/يونيو الماضي قوله إن «ما بعد داعش في الموصل يقلقنا جميعا». بارزاني خلال الاجتماع انتقد خطط استعادة الموصل ومرحلة ما بعد التنظيم وعدم إبداء أي اهتمام بالمناطق المستعادة، مشيراً إلى أنها «سلمت بيد القضاء والقدر».
ويحذر من ان «الأسباب التي أدت لظهور داعش في العراق لم تتم معالجتها بعد» ويشدد على ان «طرد داعش من الموصل لا يعني نهاية التنظيم».
فرض الأمر الواقع
فشل القوى العربية السنّية في تقديم مشروع أو رؤية مشتركة لإدارة نينوى ما بعد تنظيم «الدولة» وعدم تقديم الكرد لرؤية محددة حول مستقبل المحافظة، يمنح فعليا الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة، الفرصة مجددا لفرض رؤيتها الأمنية والإدارية والسياسية على نينوى مدعومة من الجيش المؤلف في غالبيته من الشيعة ومن الحشد الشعبي الذي يتمركز في عدة نقاط حول الموصل.
تلك الرؤية التي يحذر الكثير من القادة السنة من نتائجها في إعادة إنتاج التنظيمات المتشددة، وينبهون إلى ان معظم القادة الشيعة المؤثرين في القرار في العراق ما زالوا متشبثين بالمركزية الإدارية ويتحفظون على فكرة منح صلاحيات واسعة لأبناء نينوى لإدارة مناطقهم، ويرفضون بحث فكرة تقسيم المحافظة إلى وحدات «إدارة ذاتية» وفق التوزيع الديموغرافي للمكونات، كما يعارضون فكرة تحويلها إلى إقليم سني بمحافظات متعددة.
وبالنسبة للكرد ومع عدم حسم مصير المناطق المتنازع عليها والتي يعتبرونها مناطق مستقطعة من الإقليم، فان تلك الرؤية قد تحمل نتائج «خطيرة» خاصة مع اقتراب الحشد الشعبي من بعض المناطق المتاخمة لحدود الإقليم وسيطرته على مناطق أخرى مثل جنوب سنجار، فالاحتكاك والتنازع المحتمل هناك يمكن ان يشعلا حربا بين الطرفين، وفي حدها الأدنى ستربك خطط ضم المناطق المتنازع عليها في وقت يسعى الكرد إلى تنظيم استفتاء في ايلول/سبتمبر المقبل يمنحهم حق ضم تلك المناطق في خطوة قد يتبعها إعلان الاستقلال.
الطموحات المعطلة
والأهداف المنتظرة
الكرد الذين نجحوا في بناء علاقات جيدة مع معظم قيادات الأحزاب السنّية وكسب ولاء زعماء العشائر العربية الذين نزحت غالبيتهم إلى اربيل بعد سيطرة تنظيم «الدولة» على نينوى منتصف 2014 كانوا يأملون ان يحصل هؤلاء القادة على اتفاق سياسي مع حكومة بغداد يمنحهم حق إدارة مناطق نينوى وفق صيغة متفق عليها مع اربيل (مناطق إدارة ذاتية، صلاحيات أوسع لمحافظات جديدة، إقليم جديد) وهو ما كان سيمثل فرصة للكرد لحسم سريع لمصير المناطق المتنازع عليها.
ومع تعطل تلك الطموحات، فإن الأهداف الرئيسية للكرد ومن خلال التحالف مع القوى السنّية ودعم مطالبها بتوسيع وتعميق اللامركزية، تتمثل في ضمان التأثير القوي على الساسة السنة والزعماء العشائريين لدعم سياسات حكومة كردستان باستعادة «الأراضي المستقطعة» وتقليل نفوذ حكومة بغداد وابعاد الحشد الشعبي وفرض تسويات واتفاقات تعيد رسم حدود محافظة نينوى الحالية عبر تشكيل محافظات جديدة للمكونات أو إقليم جديد يضم عدة محافظات كسهل نينوى وسنجار يمكن ان تنضم سريعا أو لاحقا إلى إقليم كردستان.
ويريد الكرد بناء تحالفات مع القادة المحتملين في «نينوى الغد» بغض النظر عن شكلها وحدودها وطريقة إدارتها، بما يمنحهم انفصالا بأقل الخسائر وأكبر الأرباح كضم كامل مناطق سهل نينوى وسنجار، أو بما يمكنهم من فرض نظام جديد أقرب إلى الكنفدرالية منه إلى الفيدرالية وبحدود جغرافية أوسع.
تحقيق أي من تلك الأهداف ليس بالأمر السهل، فإضعاف نفوذ حكومة بغداد وإبعاد خطر أذرعها العسكرية، في مناطق يتداخل فيها الشيعة مع السنة مع الكرد، أمر في غاية الصعوبة، كما ان ولادة مناطق إدارة سنية في نينوى بصلاحيات واسعة قد يتبعه انهيار التحالفات «الكردية العربية السنية» التي فرضتها مواجهة تنظيم «الدولة» والحكومة الشيعية في بغداد، وهو ما قد يهدد بنشوب صراعات سنّية ـ كردية، مع حقيقة ان معظم الأراضي التي يطالب الكرد بضمها يقع في مناطق متنازع عليها بين الكرد والعرب السنّة.