
عمان- «القدس العربي»: يمكن تلمس نمط جديد مؤخرًا بتعامل الحكومة الأردنية في ملف سحب الأرقام الوطنية من أردنيين ذوي أصول فلسطينية، استناداً إلى «تعليمات قرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية»، فمنذ أكثر من عامين ليس هناك توسع في تنفيذ القرار وخصوصاً بعد أن أعلن مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية مختصة من صلاحياتها سحب وإعادة الأرقام الوطنية وليس من صلاحية هيئات وزارة الداخلية.
ولازالت تثير تعليمات قرار فك الارتباط «السرية» جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاجتماعية داخل المملكة وخارجها، بين تبريرات حكومية وانتقادات حقوقية.
حاوت «القدس العربي» ولأول مرة استخدام «قانون ضمان حق الحصول على المعلومات لسنة 2007» من خلال تقديم نموذج لطلب المعلومات من وزارة الداخلية مباشرة، لطلب الحصول على النص الكامل لتعليمات قرار فك الارتباط، ومعرفة عدد الحالات التي تم سحب الجنسية الأردنية أو الرقم الوطني منها، ومعرفة عدد الحالات التي تمت إعادة الجنسية أو الرقم الوطني لها، بعد تشكيل اللجنة ملكية للنظر في الحالات المتضررة من هذه التعليمات، وقرار رئاسة الوزراء قبل عامين تشكيل لجنة وزارية مختصة من صلاحياتها النظر في تطبيق تعليمات فك الارتباط وسحب وإعادة الأرقام الوطنية. ولكن للأسف رفضت وزارة الداخلية طلب «القدس العربي» بعد شهر من تقديم نموذج الطلب، وهي الفترة القانونية المحددة للرد على الأسئلة الموجهة لها. وكان الهدف من استخدام قانون (حق الحصول على المعلومات) هو معرفة مقدار الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد لدى المؤسسة الرسمية في ملف سحب الأرقام الوطنية.
وزير الداخلية الأردني غالب الزعبي أبلغ رسميًا في تصريح سابق بأن سلطات وزارته لم تسحب مؤخراً أيا من الأرقام الوطنية لأي من المواطنين. فيما تقول أنباء إن الوزارة أعادت فعليا في عهد الزعبي نحو 37 رقماً وطنياً لمواطنين من أبناء الضفة الغربية سحبت بقرارات فردية وبصورة خاطئة.
وقدم الوزير الزعبي إجابة دستورية رسمية على سؤال نيابي بهذا المضمون تضمنت القول بعدم سحب أي رقم وطني مع التأكيد على أن سحب الأرقام الوطنية أو إعادتها أصبح أصلاً من صلاحيات لجنة وزارية مختصة في مجلس الوزراء وليس من صلاحية هيئات وزارة الداخلية. وافادت المصادر بأن وزارة الداخلية أعادت وبغطاء من مجلس الوزراء في عهد وزير الداخلية الأسبق سلامه حماد ما يصل إلى 700 رقم وطني لأصحابها وجميعها تبين أنها سحبت بدون وجه حق وخارج الأنظمة والقواعد القانونية المعنية بتطبيقات قرارات فك الارتباط.
وتظهر هذه الأرقام الوقائع التي كانت تقول بأن وزارة الداخلية في الماضي توسعت في سحب الأرقام الوطنية وبدون مسوغ قانوني وبطريقة غامضة حيث طال التصويب نحو 750 حالة وشكوى من الذين تقدم أصحابها بطعونات في قرارات سحب جنسياتهم للجنة وزارية مختصة لم تجتمع إلا ثلاث مرات في عهد حكومة الرئيس عبدالله النسور.
فيما ذكرت مصادر مطلعة على هذا الملف لـ»القدس العربي» أن هناك أكثر من 4800 حالة وشكوى مسجلة بشكل رسمي لدى اللجنة الوزارية.
ويقضي قرار فك الارتباط بسحب الجنسية عبر استبدال البطاقات الصفراء لحاملي الجنسية الأردنية من أبناء الضفة الغربية، ومنح بطاقات خضراء عوضاً عنها لحاملي الجواز الأردني المؤقت دون تمتعهم بحقوق المواطنة.
وتنطلق تبريرات الحكومة بضرورة تثبيت الفلسطينيين في أرضهم، وترى السلطات أن ما تقدم عليه هو تصويب للأوضاع استناداً إلى قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين المملكة والضفة عام 1988.
بينما يؤكد المتضررون، ومعهم حقوقيون، أن ما يجري هو تعد على الحق الدستوري لفلسطينيين اكتسبوا جنسيتهم الأردنية بقرار وحدة الضفتين عام 1950.
ويترتب على القرار سحب حقوق المواطنة التي تبدأ من فقدان الرقم الوطني والانتقال من حالة المواطن إلى حالة المقيم الذي يحمل جواز سفر مؤقتاً، ويتفرع لتفاصيل فقدان الحق في التعليم والوظيفة والعلاج.
في هذا الجانب أوضح الناشط الحقوقي الدكتور فوزي السمهوري لـ»القدس العربي» أن الجنسية حق من حقوق الإنسان المكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية، كما أنها مكفولة بالدستور الأردني.
وأشار السمهوري إلى أن القانون حدد ثلاث حالات يجوز لمجلس الوزراء بموافقة الملك سحب الجنسية منها وهي: الخيانة العظمى والعمل لدى دولة عدو أو العمل لدى دولة ويطلب منه المغادرة ويرفض، أو الاقدام على عمل يمس أمن الدولة. وأكد أن القانون أجاز للمواطن بتعدد الجنسيات ولم يستثن الجنسيات العربية، لذا أي سحب للجنسية خلافا للمنصوص عليها والمحددة في القانون يعتبر إجراء غير قانوني.
تعليقات منقولة عن وزير الداخلية الأسبق رجائي الدجاني، ليس بصفته شاهدًا على العصر ولكن بصفته أحد أبرز مهندسي قرار فك الارتباط عام 88 في عهد الملك الراحل حسين بن طلال، أكد فيها أن الضفة الغربية من الناحية القانونية والدستورية ومن جهة القانون الدولي وبموجب قرارات الشرعية الدولية جزء من أرض المملكة الأردنية الهاشمية وبالتالي أهلها جزء من الشعب الأردني.
وشدد الدجاني على أن قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية لم يستند إلى قرار من مجلس الوزراء ولا إلى إرادة ملكية سامية حسب الأصول القانونية والدستورية المرعية، مبيناً إنه لم يمر عبر المراحل الدستورية ولم يعرض على البرلمان للموافقة والتصديق (عليه) ولذلك فهو ليس قراراً دستورياً.
الدجاني مرة أخرى، وصف التعليمات بأنها حملت أكثر مما تحتمل وفسرت على غير ما أريد بها واجتهد من اجتهد بشأنها وتمادت الجهات المعنية في تطبيق تعليماتها بشكل تعسفي وبوتيرة متصاعدة في السنوات الخمس الماضية.
وقال: كنت من الذين شاركوا في وضع صيغة تعليمات فك الارتباط ومن العالمين بخلفيتها ومبرراتها وأسبابها الموجبة، حتى تظهر الحقيقة للجميع ولقطع الطريق على أي تفسير أو تأويل خاطئ.
وأضاف: إننا في الأردن وبعد اتفاق اوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل وبعد عقد اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل نكون قد تجاوزنا مرحلة فك الارتباط مع الضفة الغربية بأهدافها وغاياتها.
وحول اعتراضه على الأمر قال الدجاني في الحقيقة إنني اعترضت على الأمر أمام الملك عبدالله الثاني شخصياً وذكرت له أن هناك تجاوزات وهناك تمادٍ وسوء تطبيق لتعليمات فك الارتباط، وأمر الملك من جهته بتشكيل لجنة لبحث هذا الموضوع وتقديم تقرير على ذلك، ولكن اللجنة لم تجتمع ولم تقدم أي تقرير معني بالأمر.
النائب صالح العرموطي وهو نقيب المحامين سابقاً، اعتبر أن المساس بالحقوق المدنية بأي ذريعة يخالف الدستور صراحة، مشيراً إلى أن استهداف فئات اجتماعية دون غيرها بإجراءات غير دستورية وغير ديمقراطية هو الذي يخدم في الواقع خطاب نتنياهو والمشروع الصهيوني.
وقال العرموطي إن الحكومة في الأردن لم تنفذ ما طلبه منها رأس الدولة الملك عبدالله الثاني بإعادة النظر في قرار سحب الجنسية، موضحاً أن هناك قرارات شخصية إدارية من موظفي الدولة يفسرون التعليمات تفسيراً خاطئاً، مما يشكل مساً في الوحدة الوطنية ويفرق وحدة الصف.
من جهته قال وزير الداخلية الأسبق ومدير دائرة الأحوال المدنية السابق عوني يرفاس، في تصريحات سابقة إن قرار فك الارتباط ليس موضوعاً قانونياً ولكنه موضوع سياسي صرف، أما الجنسية فهو موضوع سيادي كما أنه اختصاص مانع للدولة وهو من أعمال السيادة، لافتًا إلى أن الارقام التي تذكر عن الذين سحبت منهم الجنسية هي أرقام مبالغ فيها.
أما عن المشمولين بتعليمات فك الارتباط، عددهم يرفاس، بالإقامة في الضفة الغربية قبل 31/7/1988 والمبعد وإنهاء التصريح وتقديم إقرار بالإقامة في الضفة الغربية، والتنازل عن البطاقة الصفراء لعدم الرغبة في خدمة العلم واستبدالها ببطاقة خضراء وتشمل أيضاً العاملين في السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الحصول على جواز سفر فلسطيني.