تستكمل هذه المقاربة التأمل في بعض تمظهرات التحليلات الفرويدية وغيرها، والمتمحورة حول جوهر فكرة التلذذ بالدمار والموت الجماعي والنزعات العنفية عند البشر. وقد مثلت الحرب وما زالت التجسد الأكثر حضورا ودموية لتلك النزعات مجتمعة بكونها تجذب إليها «القطيع» على نحو فريد، في تبعية يكون العماء الجماعي ديدنها الأساس. في مناخات الحرب وتنامي العداوات العميقة وتفاقهما سرعان ما تتطور ميول وممارسات توحشية نحو الآخر تعمل في مجموعها على تحقيره ونزع إنسانيته وإلصاق كل الأوصاف الممكنة به. وهذه الممارسة، أي نزع الأنسنة dehumanizing عن الخصم، هي واحدة من أبرز الممارسات والدعاوى التي يتم إطلاقها وتشغيلها قبل الحرب وخلالها وربما بعدها ايضا، او في أي مناخات استعدائية عموماً. وتتأسس هذه الممارسة على تصوير الآخر بكونه ناقصاً إنسانياً ولا يتصف بالصفات البشرية الكاملة (التي طبعاً ينتحلها لنفسه وجماعته من يقوم بتوجيه الاتهام)، ويحتل هذا التوصيف المتكرر والذي يُعاد إنتاجه إعلامياً ودعاوياً قلب البروباغاندا ضد الآخر. في التاريخ الحربي الحديث، وتحديدا في الحربين العالميتين الاثنتين، بلغت هذه الممارسة ذروتها بين الأطراف المتحاربة. آلة الدعاية النازية الهتلرية استمرت على مدار اكثر من عقدين وهي تصور اليهود بكونهم اقل مرتبة من البشر، وبأنهم اقرب إلى الحيوانية، وانهم فئران، ونسبت إليهم كل الصفات السيئة الممكنة (وهي للمفارقة نفس الصفات التي نسبها اليهود انفسهم إلى العرب والفلسطينيين في وقت لاحق). وأنشأت تلك الدعاية المتواصلة مناخاً عدائيا ضد اليهود يحتقرهم إلى درجات قصوى. وبعد التأسيس لمثل هذا المناخ المعادي ضد جنس معين او شعب او طائفة او مجموعة يصبح بالإمكان اعتماد أقسى أنواع السياسة والحرب والتوحش ضدهم، ومن دون الخشية من اية معارضة داخلية او شعبية، فالرأي العام الداخلي والشعبوي يكون قد تمت قولبته تماماً ضمن الخطاب الرسمي الحربي الذي يشيطن الآخر وينزع عنه السمة البشرية. لهذا واعتماداً على المناخ المعادي والعميق ضد اليهود في ألمانيا والنمسا بل ومع معظم أرجاء أوروبا اطلق هتلر ماكينة الهولوكوست الإجرامية، والشيء المُدهش أنها لم تواجه اي معارضة ألمانية تذكر، إن لم نقل أوروبية أيضاً. وفي عقود لاحقة انبرت دراسات علمية عديدة لتحاول فك اللغز الكبير حول «قبول» الألمان كشعب بل و»تواطؤ» الأوروبيين عموماً وعدم قيامهم برفض المحرقة والوقوف ضدها خلال سنوات اشتغالها. جانب من الإجابة ارتبط بمسألة شيطنة الآخر ونزع إنسانيته وتهيئة الظروف لتنفيذ أقسى وأبشع أنواع السياسات والاعتداءات ضده.
في نفس أجواء الحربين العالميتين انخرطت ماكينة الإعلام الأميركي في تصوير اليابانيين على أنهم جنس متوحش، وانتشرت رسوم كاريكاتير تصورهم كمصاصي دماء أطفال، لا يخرجون إلا في الليل ليقوموا بجرائم القتل ومص الدماء. وتفاقم ذلك التصوير بشكل هائل ومتسارع بعد الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر في أواخر عام 1941، والذي سرع في دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء. المهم هنا والذي له علاقة وثيقة بشيطنة الآخر قبل إحلال الدمار الكلاني فيه هو ان البروباغاندا الأميركية والغربية عموماً في تصوير اليابانيين كجنس متوحش وبعيد عن البشر هو الذي مهد الأرض والمزاج العام في الولايات المتحدة وأوروبا لقرار إلقاء القنبلتين الذريتين على مدن هيروشيما وناغازاكي بعد ذلك بثلاث سنوات. كان من الصعب القيام بهذا الفعل الإبادي المُذهل وحرق مئات الألوف من البشر في دقائق لو لم تكن هناك شيطنة مسبقة لهؤلاء البشر وإزاحتهم إلى تعريفات أُخرى، مثل «جنس متوحش» او ما يقاربه.
في حقبة الحرب الباردة اشتغل الإعلام الغربي بكل انواعه واذرعه وخاصة السينمائي منه على شيطنة الاتحاد السوفياتي والسوفيات واحتل هؤلاء موقع الصدارة في صف «الأشرار». ولم تكن تلك الشيطنة بعيدة عن أختها سيئة الذكر التي مهدت للقنبلة النووية الأولى في تاريخ الإنسانية. كما لم يكن الاتحاد السوفياتي ولا السوفييت انفسهم اكثر براءة في هذا المجال او اقل استخداماً لنفس الأدوات التي تشيطن الآخر، فتم تصوير الولايات المتحدة والأميركيين بكونهم مصاصي دماء العالم بأسره عن طريق رأسماليتهم. في كلتا الحالين كان الهدف هو بناء المناخ والظرف والرأي العام المُتقبل لأقسى رد عسكري ممكن ضد الآخر المُشيطن، حتى لو تضمن الرد هذه المرة الهجوم بالقنابل الهيدروجينية التي تبلغ قوتها عشرات قوة القنبلة الذرية التي دمرت هيروشيما وناغازاكي. وفي اكثر من لحظة بالغة السخونة خلال الحرب الباردة وقف العالم بأسره على حافة الانهيار والدمار المتبادل والكلي، وما زال لليوم مرهوناً بمزاج او جنون هذا القائد او تلك السياسة. الترسانة النووية المنثورة في عالم اليوم، من أميركا وروسيا وأوروبا، إلى الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية بإمكانها تدمير كوكب الأرض بمن عليه عشرات المرات. من يضمن عدم بروز قائد مهووس بالقوة العصابية يسيطر على قرار استخدام هذا السلاح، ويكون مدفوعا بيقينيات متعصبة في هذا الاتجاه او ذاك، ومريضا بالتلذذ في رؤية او إحلال الفناء في هذا العالم؟ امتلاك القوة العسكرية التقليدية وبأقل من القوة النووية بعشرات المستويات قاد عشرات القادة والسياسيين إلى جنون العظمة مقادين بمظنة إمكانية سيطرتهم على بلدان مجاورة وشن حروب وتحويل بلدانهم، التي دمروها في نهاية المطاف، إلى قوى عظمى.
لتبرير النزعات الحربية والعنفية والحفاظ على جهوزيتها العالية لا بد دوماً من وجود عدو خارجي، او تخليقه إن لم يوجد. عالمياً وبعد انتهاء الحرب الباردة وجدت القوة العسكرية الغربية ذاتها عاطلة عن العمل ومُهددة بالتفكك جراء سقوط الاتحاد السوفياتي وكتلته وبالتالي انتفاء سبب وجود القوة. لذلك سرعان ما تم ترشيح «أعداء وجوديين» جدد تستخدمهم تلك القوة وسياسيوها لتبرير الوجود، منهم الصين وما تم تسميته وتسويقه بـ «الإرهاب الاسلامي». وفي ما خص هذا الأخير أعيد تعرفة كل ما له علاقة بالإسلام و»الجهاد» وخلط من هو شرير فعلا من المسلمين مع ما هو خير، واخضع ذلك كله في ماكينة الإعلام والمبالغة والتضخيم على مدار اربعة عقود على اقل تقدير، انتهت إلى ما نشهده حالياً من تصوير «المارد الإسلامي» المتربص بالغرب والحضارة الغربية. «المجاهدون» الذين صنعتهم الولايات المتحدة في افغانستان ليساندوها في حربها ضد السوفييت، وانتجوا لاحقاً «القاعدة « وكل الشرور التي تبعتها، تحولوا إلى «تهديد وجودي» يبرر القيام بكل الحروب. ونسجاً على منوال الشيطنات السابقة تمت شيطنة المسلمين والعرب شرقاً وغربا وتهيئة المناخ لإطلاق الحروب ضدهم، بدءا من افغانستان ووصولا إلى العراق. وكما يرصد جاك شاهين في كتابه المبدع Reel Bad Arabs والذي رصد فيه اكثر من الف فيلم سينمائي اُنتجت في هوليوود وكانت فيها صورة العربي والمسلم شريرة وبالغة السوء، فإن ذلك الترسيم والتعميق لصورة «الآخر الوحش» هو ما كانت قد قامت به النازية ضد اليهود لتهيئة سياسات الحرب والإبادة ضدهم، وتهيئة تقبلها. لذلك وبعد عقود طويلة من شيطنة العربي والمسلم في العقل الجمعي الغربي اصبح هذا العقل ورأيه العام مهيئاً ومستعدا لقبول اي حرب تطلق على هؤلاء «المتوحشين» ولقبول اية سياسات غير إنسانية ضدهم. شيطنة الآخر والتلذذ باحتقاره هي جزء من تلك النزعة الفرويدية المتغلغلة في لاوعي البشر، وهي المرحلة الممهدة للانخراط في التلذذ بتدميرهم ومراقبة إبادتهم. ما رصده فرويد في أوائل القرن العشرين واشير له في الجزء الأول من هذه المقاربة لم يستطع نفيه حتى منظرو السلام العالمي والناقمون على الحرب مثل كانت وروسو. دمار العالم وبلدانه وشعوبه وازدهاره مرهون بمدى انفلات هذه النزعات الفرويدية عند قادتهم أو لجمها.
