
الحلقة الأخيرة في مسلسل «جريمة السفارة» تترقب تداعيات «الغضبة الملكية» على «نخب الداخل» بعد الإدارة الفاشلة
عمان ـ «القدس العربي»: وضع الملك عبدالله الثاني وخلال ثلاث ساعات فقط الأمور في نصابها في ما يخص جريمة السفارة الإسرائيلية وبطريقة أعادت إنتاج المشهد المحلي وخففت من الاحتقان الشعبي، لكنها انتهت بطرح سلسلة من الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بالاستعصاء «النخبوي» والاحتقان السياسي.
الأكثر إحراجا وأهمية في المسألة بعد عودة الملك وتصرف الدولة على نحو ضاغط وبخشونة على حكومة بنيامين نتنياهو هو كيفية «تبديل الرواية» بعدما تصرفت مؤسسة القصر الملكي قانونيا وبيرقراطيا وإجرائيا على أساس رواية لمسار الجريمة مختلفة عن تلك التي أعلنها الأمن أولاً ثم تبنتها الحكومة.
تلك بكل الأحوال «مسألة داخلية» تماما لا علاقة لها بالجانب السياسي أو الإسرائيلي، وتوازيها في الأهمية تلك الإشارات الملكية التي تعاملت مع ما وقع في سفارة إسرائيل باعتباره «إعتداء وجريمة» وليس مجرد «مشاجرة» نتجت، كما قيل رسميا في الرواية الأولى، عن توجه محمد جواودة لضرب الحارس الإسرائيلي بـ»مفك الأثاث».
النيابة التي استلمت ملف الجريمة أظهرت في قرار الإتهام الأولي الذي صدر بسرعة أيضا في نفس يوم عودة الملك بأن الحديث عن جريمة مزدوجة بالقتل وعن «حيازة سلاح غير مرخص».
وفي لائحة الإتهام التي نشرت لدى النيابة لا ذكر من أي نوع لوقائع مشاجرة ولا لمفك اثاث استخدمه جواودة ضد القاتل والأهم ثمة تهمة مكيفة تماما وجهت للقاتل الإسرائيلي بحيازة سلاح غير مرخص .
وهو تكييف قانوني يعني ضمنيا أن القاتل وخلافا لما يقوله الإسرائيليون لم يكن مرخصا له بحمل السلاح وبأن سلاح الجريمة «ليس شرعيا». بمعنى آخر رواية الدرجة الأولى من حالة التقاضي وقبل الوصول لمحكمة الجنايات تتسق تماما مع وصف القصر الملكي لما حصل باعتباره جريمة ولا بد من عقاب عليها .
هنا حصريا تتلاشى تماما رواية السلطة الحكومية والمستوى الأمني الأول التي تبنت سيناريو «الشجار»، وساهمت في جرح الرأي العام بالحديث عن اعتداء الضحية بمفك الأثاث على القاتل الإسرائيلي ومقتل الطبيب بشار الحمارنة بالخطأ وهو ما قيل لمجلس النواب علنا.w
المشهد الأن كالتالي: رواية القصر وسلطة القضاء في إتجاه معاكس تماماً لرواية الحكومة.
هو وضع معقد سياسيا وغريب على المستوى البيرقراطي يؤسس لمفارقة نادراً ما تحصل، يريد الرأي العام اليوم معرفة لماذا حصلت، لا بل وبرأي الكثير من الساسة الذين قابلتهم «القدس العربي» ينبغي ان يشخص مركز القرار الأمر على ان تتبعه عواقب خصوصا وأن الحكومة تأخرت في سرد رواية اصلا، وعندما فعلت قدمت واحدة تقلب الحق الذي يتحدث عنه الملك وتعبث بالوقائع.
ويزيد في التعقيد، سرد الحكاية كما وردت من «الشاهد الوحيد» الحي في القضية وهو السائق ماهر الجنيدي الذي اختفى تحفظاً عن الأنظار ولحمايته خمسة أيام وتم الإفراج عنه مساء الأربعاء فقط.
مضمون رواية السائق التي تنشر تفاصيلها «القدس العربي» في تقرير خاص يساند منطق الجريمة المقصودة وبدم بارد، بدلا من»المشاجرة والقتل بالخطأ» كما ورد في تفصيلات الرواية الرسمية الأولى.
سيناريو شهادة السائق يضفي مصداقية على مسار الأحداث ويصادق على ذلك القضاء، بدرجة التحقيق الأولى عند المدعي العام من خلال تكييف الاتهامات كما يسانده عمليا السرد الذي يتبناه أو اكتشفه القصر الملكي وهو يعتبر ما حصل جريمة على الأرض الأردنية ولا بد من معاقبة من قام بها .
في كل الأحوال قدمت المسارات الملكية الواضحة إطاراً جديداً ووطنياً في التأسيس لواقع ان الدولة الأردنية لا تتساهل بحقوق أولادها .
لكن الغضبة الملكية على حكومة بنيامين نتنياهو والعودة لمسار الإنصاف في القضية لا يحسمان الجدل الذي سرعان ما تبدل إلى سعي مخلصين كثر داخل مؤسسات الدولة لتشخيص أزمة القرار التي حصلت، والبحث عن مسببات الإخفاق الملموس في إدارة أزمة جريمة السفارة الإسرائيلية .
كما تبدل في إتجاه جديد للرأي العام يريد تحديد مسؤوليات الحكومة ويدعو لمحاسبة ومعاقبة المسؤولين عن الرواية البائسة التي قدمت للناس وكادت تطيح بمصداقية الدولة وحضورها، الأمر الذي سيصر عليه البرلمان لاحقاً بعد الترسيم الملكي الواضح الجديد للمسارات في القصة.
الغضبة التي ردت على إسرائيل قد تعقبها غضبة لها علاقة بالداخل لأن حجم الجدل الذي أثارته الإدارة الضعيفة للمسألة من النوع الذي أساء كثيراً للدولة في نظرة شعبها ومن الطراز الذي لا يمكن السكوت عليه.
لذلك يترقب الجميع الآن «جردة الحساب» القائمة ليس على إخفاق في إدارة الأزمة فقط، بل على تشخيص ما حصل من ارتباك ومن المسؤولين عنه، مع الفشل في ترتيب الأمر مع الإسرائيليين بصورة تضمن ان لا يستعرض نتنياهو بصورة جارحة بعد تسليمه القاتل.
وهو ما لم يحصل عملياً رغم إدراك جميع المسؤولين في غرفة القرار العميقة لكل مؤشرات العداء والخصومة التي يحتفظ بها نتنياهو تحديداً ضد الأردن قيادة وشعباً.