
الايام – محمد بلاص:لم يكن هناك أي أثر للحياة الآدمية في خربة السويدة المطلة على نهر الأردن في الأغوار الشمالية، حتى أشهر قليلة مضت، بعد أن هجرها أهلها تحت وطأة شظف العيش وضغوط كثيرة مارستها عليهم سلطات الاحتلال لم يكن بمقدورهم مواجهتها لوحدهم، دون أن يدركوا أن هناك ثمة أطماع إسرائيلية بفرض السيطرة على تلك المنطقة الإستراتيجية وجعلها خالصة للمستوطنين.
في ذلك المكان المقفر الذي يعني مجرد التفكير بالوصول إليه تفكير بالموت بالنسبة لأصحاب الأرض الشرعيين، استوطنت مجموعة من المستوطنين الذين قال خبير الاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية في منطقة الأغوار، عارف دراغمة، إنهم استوطنوا فيه قبل عدة شهور.
“إنهم يسعون إلى فرض سيطرتهم على أراضي السكان ويسابقون الزمن في بسط نفوذهم وإقامة منشآت حيوية وخيام هناك”..قال دراغمة الذي أكد أن هؤلاء المستوطنين يستغلون تضاريس موقع الخربة وبعدها عن مرأى أصحاب الأرض الشرعيين، ويسعون جاهدين للسيطرة على آلاف الدونمات من المراعي، وحرمان الرعاة الفلسطينيين من مجرد التفكير في الوصول إليها.
وبحسب دراغمة، نصب المستوطنون خياما ومنشآت سكنية في خربة السويدة، وهم مجموعة من المستوطنين ممن تمركزوا في مناطق أخرى منذ أشهر، وأحضروا إلى المكان مواد لبناء بركسات جديدة، وبركه مياه، ولوحات إنارة شمسية.
وقال: “خربة السويدة واحدة من الخرب في الأغوار الشمالية، والتي كان الفلسطينيون يسكنون فيها، إلا أن الاحتلال عمل على امتداد سنوات على تفريغها منهم، ومنذ أشهر والمستوطنون يسيرون على سياسة وضع معرشات وبركسات لهم في تلك الخرب، ويتبع ذلك التوسع في الاستيلاء على الأراضي المحيطة بها”.
واختفى نمط حياة تلاشت مع مر السنين من ذلك المكان الذي هجره أهله بدون جلبة في ليلة لم يكن فيها ضوء قمر، بعد أن أصبحت حياتهم أشبه بجحيم لا يطاق، وبعد أن لم تترك سلطات الاحتلال وسيلة ضغط إلا ومارستها عليهم، بهدف إجبارهم على هجر أرض الآباء والأجداد.
ومن وجهة نظر القاطنين في تجمعات بدوية ليست بالبعيدة كثيرا عن خربة السويدة، فإن مجرد التفكير في الوصول إلى تلك الخربة، أصبح أمرا غير واد في الحسبان، لأنه أشبه ما يكون بالمهمة الانتحارية.
“كانت السويدة مثلها مثل أي مضرب بدوي فيها عدد من بيوت الشعر والخيش، وعاش أهلها حياة كانت هانئة لسنوات طويلة قبل الاحتلال”، قال دراغمة، إلا أنها أصبحت مهجعا لوحوش البراري، قبل أن تستوطن فيها مجموعة من المستوطنين ممن كانوا يخططون للسيطرة على أراضي الخربة القاحلة نظرا لموقعها الإستراتيجي وإطلالها على نهر الأردن.
وخلال الفترة الانتقالية ما بين رحيل أصحاب الأرض الشرعيين مضطرين عن أرضهم، وإخضاعها للاستيطان تحت حماية حراب الاحتلال، كانت أراضي خربة السويدة تفتقر لأي أثر من آثار الحياة الآدمية، باستثناء الحيوانات والوحوش الضالة التي استوطنت هناك لسنوات.
ولسنوات طويلة، عاشت في تلك المنطقة عائلات بدوية تعود أصولها من مناطق طوباس وطمون وجنوب الخليل، وكانت تعتمد في مصدر عيشها على تربية المواشي، إلا أنها اضطرت مجبرة على هجرها تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية المتمثلة في تصنيف ذلك الموقع على أنه منطقة محرمة، وسرعان ما تحولت إلى خراب لا تزال تظهر فيه بقايا حجارة كان الأهالي يستخدمونها لتثبيت بيوت الخيش التي سكنوها خشية تطايرها من شدة رياح الشتاء، إلى جانب قطع حديدية كانوا يضعون فيها الماء لسقاية مواشيهم.
ولجأ أهالي هذه الخربة وعدد من الخرب المدمرة في الأغوار، إلى مناطق زراعية يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية، ولكن بخوف أقل، وكل همهم الحصول على الكلأ والماء اللازم لمواشيهم.
ووضع جيش الاحتلال على أعلى جبل خربة السويدة، شبكات رادارات ومراقبة يستخدمها للسيطرة على المنطقة التي تتمسك بها دولة الاحتلال، وتعتبرها منطقة إستراتيجية لأمنها على الحدود الشرقية مع الأردن.
وعلى أول طريق صخرية تؤدي إلى هذه الخربة، وضعت سلطة حماية الطبيعية الإسرائيلية لافتة خضراء تحدد فيها حدود إحدى أكبر المحميات الطبيعية الواسعة والتي تحظر على الفلسطينيين التواجد فيها، واعتبار كل من يتم ضبطه فيها من الفلسطينيين حصرا، تحت طائلة المسؤولية.
وتعتبر خربة السويدة، في الأساس منطقة سكنية ضمن حضارة غابرة يعتقد البعض أنها تعود للعصر الروماني، والبعض الآخر يقول إنها قد تعود للعهد الكنعاني، وتعرضت آثارها للسطو والسرقة على مدار السنوات، حيث نبش لصوص الآثار قبورا فيها تعود لآلاف السنين.