
الايام -بديعة زيدان: كسورية وفرنسية معاً، أجدني معنية بالحرب التي صارت إحداهما سبباً للأخرى، وإن كان الحديث عن الحرب في فرنسا، هو مجرد حرب صغيرة، تشنّها قوى إرهابية متطرفة، تستند إلى فشل الثورة الشرعية في سوريا، الثورة التي تحولت إلى حرب متعددة الأطراف، دخل فيها العالم، لتتحول سوريا إلى أرض حرب يصفّي فيها الآخرون حساباتهم .. هكذا بدأت الروائية السورية مها حسن الحديث المتكئ على شيء من سيرة ذاتية كمدخل لحديث أوسع حول “ارتباك الكتابة في ظل الحرب”.
تقول حسن: وُلدت في زمن النكسة، وأعتبر نفسي من الجيل الذي حمل فكرة النكسة، وهذا ما كتبتُه في روايتي “جدران الخيبة”، حيث وصفت جيلنا بالجيل الخائب.. تفتّح وعيي إذن على الحرب، على الهزيمة، على الكتابة. وصار لاحقاً اشتغالي الرئيس: كيف أنجو بكتابتي من مصير الفشل المحتوم، بعد الانكسار النفسي والشعور بالمهانة الجمعية نتيجة حرب الأيام الستة؟
حروب فعلية
“كبرت وتطور وعيي بعيداً عن حرب فعلية، ولكن الحرب النفسية ظلت حولي، عبر تناقضات كثيرة، واحترابات إيديولوجية واجتماعية، لأجدني دائماً في حالة صراع وضرورة اختيار”، شددت حسن.
ومن هنا، وقعت في حرب الهوية .. تفصّل: أن أولد ككردية، ثم أكتب بالعربية، ثم أذهب إلى فرنسا، حاملة هواجسي الوجودية، وقلقي الروائي، لأحط الرحال في بلد جديد، يمنحني هوية ثالثة (بعد الكردية والعربية)، وأشعر بامتلاك هوية جامعة، تنفي التناقض وحالة: صراع الهويات، وتُدخلني في حالة: ثراء الهويات.
وتضيف: في فرنسا، كتبتُ “حبل سري”، جالبة “عفرين” حيث مسقط رأسي البيولوجي، إلى باريس، ومُحدثة التصالح بين تكويناتي المتعددة، القلقة .. اعتقدت أنني وصلت إلى السلام. ورحت أمارس اكتشافاتي اللاحقة في حالة السلم النفسية، والسلم الفعلية أيضاً، حيث كان شبح الحرب غير متوقع، إلى أن قامت الثورة في سوريا، فوجدتني مجبرة عاطفياً وأخلاقياً، للتعبير عما يحدث في بلدي.
كتبت حسن بعدها “طبول الحب” التي وُصفت بأنها أول رواية عن الثورة السورية.. كان الجدال آنذاك قائماً، بين وصف ما يحدث بالثورة، وتخوّف الكثيرين من ذهاب البلد إلى حرب أهلية، فلعبتُ على عنوان روايتي، راكلة حرف الراء في لفظة الحرب، لأعترف بطبول الحب التي تُدق في بلدي، رغم العنف.
في ظل الحرب
“تعرض الكثير من الكتّاب الذين كتبوا في ظل الحرب، للانتقادات القاسية، ومنهم أنا”، أشارت حسن .. مضيفة: وتمّ تأثيم كتابتنا، حيث ظهر رأيان على السطح، أولهما شعبوي، يقول إن الكتابة في ظل الحرب، هي انتهازية للظهور، والثاني نقدي مشروع، يقول بعدم نضج الكتابة وقت الحرب.
وتتابع: دُعيتُ إلى ملتقى عن الكتابة والحرب في مدينة بروكسل، لأقدم ورقة عنونتها بـ: تجريم الكتابة، تحدثت فيها عن هشاشة هذه الرواية، التي وجدتني مجبرة عاطفياً على كتابتها، ورغم افتقادها للتقنيات، ورغم لغتها البسيطة، وخلوّها من اللعب الروائي، لكنها أثيرة إلى نفسي، كونها طازجة، وتعبّر عن خلل الكتابة في ظل الحرب، (الكتابة الطازجة في أثناء الحدث توثّق اللحظة الانفعالية التي قد تصعب استعادتها في زمن الكتابة التالية للحدث. أو ما تسمّى مرحلة هضم واستيعاب الحدث ثم الكتابة عنه. نحن هنا أمام كتابة مختلفة، كتابة غير مصنوعة، كتابة مغمَّسة بوجع حقيقي لا بوجع متخيّل. أذكر أنني كنت أشعر بألم في معدتي
في أثناء كتابة بعض الفصول لأنني عشت أحداثها، أو عاشها مقرَّبون لي).
“هذه الرواية الآن، تُترجم إلى الإيطالية. حين تلقيتُ عرض ترجمتها، قلت للناشر: ولكنها رواية قديمة، ولدي روايات أفضل. فقال لي: أنا أريد هذه الرواية”.
عن الحرب أيضاً
وتواصل حسن سرد الحكاية حول الرواية، بالقول: بعد أربع سنوات من صدور روايتي عن الثورة، ذهبت إلى ملتقى الرواية في بيروت، لتكون مشاركتي أيضاً في ندوة عن الرواية والحرب. وكتبتُ ورقة طويلة تحت عنوان “حين تنتهي الحرب ستطفو الحكايات على السطح”.
قسمت حسن، وقتها، الكتابة الروائية في السنوات الخمس الأخيرة، إلى نوعين من الكتابة: الكتابة العاجلة، حيث ظهرت روايات عديدة، منها “طبول الحب”، وكان لا بد من كتابتها، والكتابة المقبلة، بعد انتهاء الحرب، حيث مرحلة تفكيك القصص واستخدام التخييل واكتشاف أدوات سردية لاحقة توفّرها حالة الكتابة بعيداً عن ظل الحرب.
في السنة الأخيرة، كتبتُ “مترو حلب”، وهي بمثابة حبل سري جديد، بين حلب وباريس، ولكن عبر الحرب. كأن الحرب هي الحبل بين المدينتين اللتين أنتمي إليهما معاً: باريس حيث أقيم، وحلب حيث وُلدت.
مرض الثورة
في “مترو حلب”، استخدمت تقنيات متطورة عن “طبول الحب”، وكأنني شُفيتُ من مرض الثورة، أو الكتابة العاطفية في ظل الثورة والأحلام الوردية الكبرى، والحديث لحسن، التي أضافت: جاءت مترو حلب، لتطبطب على طبول الحب، وتشرّح آلام المهزومين. الأبطال الذين خرجوا في التظاهرات السلمية، ثم سقطوا شهداء، أو لاجئين في أوربا، أو منكسرين منعزلين عن الهم العام، أو منفيين في بلاد غريبة… هنا جاء الحديث عن المنفى: المنفى الذي فرضته الحرب، وصدمة المكان الجديد، وأحلام العودة.
طريق الجلجلة
وتابعت الروائية السورية: هكذا إذن، كأننا نسير، نعم شعوب المنطقة، في طريق الجلجلة ذاته: من فلسطين، حيث النزوح الأول، والنكسة الأولى، والضياع الأول (لأحدد أنني أتحدث عن جيلي)، إلى روايات الحرب الأهلية اللبنانية، إلى روايات الحرب العراقية، وهكذا حتى روايات الحرب السورية.. إذن أنا ابنة الحرب. منذ 1967، وحتى 2017، تلاصقني الحرب، وتحوّلني إلى كائن ميتافيزيقي يتشبث بالكتابة كحبل خلاص، أعتقد أنه لن يتحقق، أعني الخلاص.
ارتباك الكتابة
“عليّ أن أعترف إبداعياً، أن هذه الحرب هي التي تضعني في حالة اشتغال دائم، وقلق، وعدم ثبات معرفي أو إبداعي” ومن هنا، عنونت مشاركتي هذه بـ”ارتباك الكتابة..”، وهي تشير إلى مشاركتها في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية في أيار 2017 بمدينة رام الله .. “هذه الحروب تخلق منّا كائنات غير مستقرة، ولكنها أيضاً تنقذنا من التنميط والكليشيهات الكبرى”.
هضم الحدث
لهذا تملكت حسن الأسئلة التقليدية من نوع: هل يكتب أحدنا في زمن الحرب أو ينتظر عبور التجربة لهضم الحدث، أو يكتب أثناء الحرب؟ أو هل ترقى الكتابة في زمن الحرب إلى مستوى الكتابة الناضجة التي يحلم بها الكاتب، فينزل بمستواه الإبداعي، حين (يتسرّع) ويكتب دون وضوح المشهد، وقبل اكتماله؟
هي مقتنعة أنه في هذه الحالة “تصبح الكتابة مغامرة، ومشروعاً مرتبكاً. وبرأيي هنا يكمن لبّ الإبداع: المشهد الناقص، وهنا يمكن القول، إن الأدب المهم، هو الأدب الناقص”.
وشددت حسن: النقص هو القيمة هنا، لأن النقص هو العنوان الكبير لملامح الإنسان التائه في ظل الحرب.. وعبر النقص، يتخلّص الكاتب من عنجهية الروائي العارف، الكامل، المتفوق.. عبر النقص، يتماهى الروائي مع شخوصه، ومع ناسه الحقيقيين، الممتلئين بالتناقضات، وفشل الإجابات الحاسمة، ويفتح الأبواب على رياح القلق: هل هذه ثورة أو حرب؟ هل نكتب أو نصمت؟ هل أخطأنا حين خرجنا ضد الاستبداد السياسي فوقعنا في وحل الاستبداد الديني؟ كل هذه الأسئلة المفتوحة على إجابات لا تنتهي، هي أرض خصبة للإبداع.
واستطردت: لكن، لحظة.. هل يحق لنا أخلاقياً أن نتحدث عن خصوبة الإبداع في ظل الحرب؟ ألا يعدّ هذا الكلام انغماساً في الكتابة، وتخلياً عن وجع العالم؟ أيحق لنا الكلام عن الإبداع الفردي، أمام مشاهد الجثث والدم وخراب المدن؟
“مترو حلب” مجدداً
وعادت لتسرد: حين كنت أكتب “مترو حلب”، طامحة لتقديم شكل فني جديد عن الحرب والمنفى، وبينما أنا مستغرقة في روايتي التخييلية، كانت حلب تُقصف من قبل النظام والمعارضة معاً، ووصلني نبأ سقوط بيتنا تحت القصف، وأنا أدوّن المقاطع الأخيرة في روايتي، في مسودتها الأولى. ثم ماتت أمي، بسبب سقوط بيتها في حلب، بعد أسبوع فقط من نزوحها ونجاتها من بين الأنقاض، فهل تعدّ كتابتي جرماً أخلاقياً، قبالة فقدان أمي لبيتها، وفقداني لها؟
وقالت: هذه أيضاً حرب. أن أنوس بين وجعي الخاص، وهمّي الفني. أن أتصالح مع نفسي وكتابتي، وأدع أمي تطبطب عليّ، من قبرها، لتطلب مني أن أكتب. فهل أخدع نفسي بتخيل طبطبة أمي لي، وعدم دخولي في حداد أخلاقي، أمتنع فيه عن الكتابة؟
ارتباكات
وتساءلت حسن: ماذا أفعل؟ أكتب؟ أصمت؟ أنتظر؟ أتفرّج؟ أنضج أكثر؟ أعتزل؟ ..كل هذه التساؤلات تتفاعل في داخلي، بين الفعل الإبداعي الخالص، حيث هويتي الكبرى هي الكتابة، وكما كتبتُ في (الراويات) : وُلدتُ لأروي، وبين الفعل الأخلاقي وفق مواصفات المثقف العضوي، المطالب بالانخراط في قضايا ناسه ومجتمعاته، وبين الاستجابة لأحكام النقد القديمة، في ضرورة التأنّي وانتظار مرور الحدث…هل أنتظر عشرين سنة أخرى، لأكتب عن الحرب في حلب؟ عن أمي التي كانت تقضي يومياتها في الحرب، وهي تقرأ في الفنجان لجاراتها، مستخدمات تقنيات خاصة بهن، للتواطؤ على الحرب، والتشبث بالحياة؟
وختمت حسن بالقول: كل هذه الارتباكات يعيشها أحدنا، وهو محاط بكمية العنف اليومية، لينوس بين فعلين أساسيين: المشاهدة أو المشاركة، ولأنني كائن “دونكيشوتي” كما أصف نفسي، حملت قلمي، وركبت حصان الكتابة، أكتب وفي الوقت ذاته، أستمر في مساءلتي: لماذا تكتبين؟ وهل عليّ التوقف أو الاستمرار.. ولا أزال مرتبكة حتى الآن، وخاصة وأنا أقدّم هذه المشاركة في ملتقى روائي في فلسطين، وهذا إرباك إضافي، يخلط ارتباكاتي، ويعجن روحي بمزيد من القلق والكتابة.
وهنا نختم بالسؤال الابتدائي، لكونه محوريا أينما طرح على لسان حسن: صارت الحرب حولنا في كل مكان. عن أية حرب يمكن الكتابة، أنا التي أعيش في فرنسا، حيث وصلت الحرب بطريقة ما، في السنوات الأخيرة، مرتبطة بما يحدث في بلدي الأول سوريا ؟!