الرئيسية زوايا أقلام واراء خيارات الإستراتيجية الأميركية الجديدة للتعامل مع طهران ..بقبلم :عبير بشير

خيارات الإستراتيجية الأميركية الجديدة للتعامل مع طهران ..بقبلم :عبير بشير

تتسارع المسارات في الإقليم على وقع جوقة التصعيد، منها مسار الأزمة الجديدة بين واشنطن وطهران في أعقاب خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومنها ارتفاع وتيرة الحديث عن مواجهة قادمة بين إسرائيل وحزب الله، ودعوة حسن نصر الله الإسرائيليين إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية لكي لا يكونوا وقودا في المواجهة الشاملة.وتكثيف الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف للحزب وللنظام في سوريا في وقت كان وزير دفاع روسيا يزور تل أبيب.
خطاب ترامب حول «الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع إيران» كان بمثابة قنبلة صوتيه داخل الشرق الأوسط والمسرح الدولي، حيث أعلن أنه لن يصدق على التزام طهران بالاتفاق النووي، وقدم لائحة اتهام مطولة ضد النظام الإيراني، وهو بدا كمن ينوي محاكمته قريبا.
الرئيس ترامب محارب بطبعه، وأحد أهم هواياته هي صناعة المعارك، لذلك لا أحد يتوقع أن تنتهي معاركه سواء على الساحة الداخلية أو الدولية، بغض النظر عن جديتها.هو حاول وضع برنامج صحي يحل محل برنامج «أوباما كير»، غير أنه فشل في ذلك، ويحاول حاليا نسف البرنامج خطوة خطوة، لذا أوقف الدفع لشركات التأمين ذات العلاقة بالبرنامج. الآن يحاول ترامب هز الاتفاق النووي بقوة، وهو ما اعتبره سلفه أوباما الإنجاز الأكبر له.
موقف أوباما الثابت كان يرتكز على ثلاث لاءات : لا حروب أمريكية مباشرة، لا حرب بالوساطة ضد إيران في سوريا، ولا لموقف أمريكي يهدد المفاوضات النووية مع طهران. وما فعله أوباما في إدارته لمفاوضات الاتفاق النووي مع طهران، يشبه كثيرا ما قال بوش الأب عندما حاول صدام حسين ربط غزو الكويت بالقضية الفلسطينية، يومها قال بوش –no linkage– أي لا ربط بينهما. أوباما فعل نفس الشيء، أي رفض ربط الملف النووي الإيراني بالسياسة الإيرانية التوسعية بالمنطقة. وتعامل أوباما ومجموعة الخمسة زائد واحد بشكل تقني مع إيران لمنعها من الحصول على القنبلة، بغض النظر عن الشق السياسي، فاقتصر التفاوض على المسائل الفنية (نسبة التخصيب، أعداد أجهزة الدفع المركزي، تفكيك المنشآت، المراقبة،. .). في حين هدفت طهران إلى انتزاع اعتراف دولي بنفوذها السياسي، وقد حصلت على أداتَين جديدتَين:تنظيم «داعش» والحرب الأميركية عليه.ومع أن إدارة أوباما بكل أجهزتها كانت على علم بالعلاقة العميقة بين إيران والنظام السوري مع جماعات الإرهاب، إلا أنها ظلّت رافضة حتميّة مواجهة الاثنين معاً.
تناسى أوباما بأن مشروع طهران السياسي هو الأخطر من القنبلة النووية والذي يتمثل في السيطرة على الإقليم والعواصم العربية، وعموده الفقري هو الحرس الثوري الإيراني وميليشياته العابرة للحدود، على العكس من ذلك، مكن أوباما «الحرس الثوري» مادياً وجغرافياً بموجب القرارات الدولية التي رافقت الاتفاق النووي.
غير أن إستراتيجية ترامب شكلت افتراق واضح عن إستراتيجية أوباما في كونها تضع دور إيران في دعم الإرهاب بموازاة إشكالية الاتفاق النووي. قام ترامب في خطابه بخلط الملف السياسي، وخطر الصواريخ البالستية الإيرانية بالملف النووي، وتعهد بفرض عقوبات اقتصادية على الحرس الثوري.أيقظ ترامب ذكريات ووقائع كان أوباما يحرص على تناسيها:أعاد التذكير بالمحطات الدامية في العلاقة بين طهران وواشنطن منذ ثورة الخميني. ذكر الشعب الأمريكي بمشهد دبلوماسيهم المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران على وقع هتافات:الموت لأمريكا»، ذكرهم أيضا بنعوش المار ينز العائدين من بيروت، والمتهم الأول كانت إيران، مرورا بأحداث الخبر في السعودية، وحتى أحداث 11 سبتمبر وإيواء عناصر القاعدة، وذكرهم بسلوك إيران التوسعي في سوريا والعراق، والدور التخريبي للحرس الثوري في المنطقة.
بعد ساعة من خطاب ترامب، أصدر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بيانا مشتركا، مؤكدين فيه أن الدول الثلاث التي ساعدت في التفاوض بشأن الاتفاق تعلن عن التزامها التام بتنفيذ بنوده.ويعد البيان الأوروبي ضربة لتطلعات ترامب في حشد تأييد الحلفاء وإعادة إجراء المفاوضات بشأن الاتفاق النووي إذ يرغب ترامب في تأمين إنفاذ أكثر صرامة لبنوده وتكبيل الاتفاق النووي بنصوص مباشرة، وعرقلة برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية الذي يهدد إسرائيل..
إيران حضارة ممتدة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، وحاضر زاخر بالإنجازات والمؤسسات الصناعية، لذلك يصعب اختزالها بنظام المرشد الأعلى.والمشكلة العربية والدولية هي مع النظام الإيراني وليس مع الأمة الإيرانية الكريمة.في المحصلة صناعة معارك كلامية أو نصف عملية، يضعف موقف المعتدلين داخل إيران لصالح المتشددين، ويعطى النظام الإيراني فرصة قوية للحياة، ويصب في بوتقة ماكينته الدعائية بأن طهران في قلب المؤامرة الكونية التي تقودها أمريكا.
والأهم، أن تركيز ترامب على الاتفاق النووي مع إيران وهو يعلن إستراتيجيته، كان تشتيتا للانتباه بعيدا عن الصورة الكبيرة وهي الأنشطة الإيرانية التوسعية في المنطقة من سوريا إلى العراق إلى لبنان واليمن.
نظريا، يمكننا الاعتراف بأن خطاب ترامب بالنسبة للهجته ولغته كان يشرع الأبواب أمام مواجهة طهران ومشروعها في المنطقة.غير أنه من الناحية العملية، فإن ترامب لم يعلن في خطابه كما هم مفترض، عن إجراءات ملموسة للضغط الميداني على التواجد العسكري الإيراني في الجغرافيا العربية، لأننا وكما تعلمنا من التجارب السابقة، فإن طهران تبتعد لحظة الحقيقة عن منازلة أمريكا مباشرة، وكلما كان هناك وجود عسكري أمريكي على رقعة ما، كلما إنكمشت إيران وابتعدت عن هذا المكان. وما حدث في كركوك – عشية خطاب ترامب – من تدخل الحشد الشعبي، والحرس الثوري والجنرال قاسم سليماني مباشرة، في عملية استعادة كركوك من سيطرة حكومة كردستان، تحت سمع وبصر ترامب بل تواطؤ الإدارة الأمريكية، دليلا على أن ما يقال شيء وما يتم على الأرض شيء آخر ومؤشرا على وعورة التضاريس الإقليمية.
الحرب ليس من خيارات إستراتيجية ترامب الجديدة.ولمن يعرفون واشنطن يمكن القول، أن جزءا كبيرا من حديث ترامب هو معركة داخل واشنطن
ترامب محكوم بالمسرح الدولي الذي ليس مهيئا ولا يرغب في الدخول في مواجهة عسكرية مع طهران، صقور إدارة ترامب هربرت مكماستر، مستشار الأمن القومي، ورئيس الأركان في البيت الأبيض جون كيلي، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، ورغم التهويل لا يريدون الدخول في هذه الخطوة وهو يرون بأن لكوريا الشمالية أولوية عن الشرق الأوسط.كان بإمكان ترامب بان يعلن في خطابه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، ولكنه لم يفعل.بل اكتفى بالتهديد بأنه في حال عدم التوصل إلى شروط أفضل للاتفاق فإنه سيتخذ هذه الخطوة. بمعنى آخر أنه رمى الاتفاق النووي في حجر طهران.كل ما فعله ترامب هو أنه أشعل الشرارة، وترك مهمة إطفائها على عاتق طهران. فإما تقبل مرغمة بقبول إدخال تعديلات على الإتفاق النووي، أو تقرر هي بيدها إلغاؤه.وبالتالي تواجه العالم بتوجهها تحو امتلاك قنبلة ذرية.البديل الأسوأ للاتفاق النووي هو إلغاؤه، ولا أحد يرغب في أن تنزلق المنطقة إلى حاقة الهاوية، بما فيهم إسرائيل.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version