
سيعتمد مقال اليوم على أساسيات التخطيط الاستراتيجي في التعامل مع الأزمات حيث سنحاول دراسة الواقع وتحليل التحديات ثم سنقدم مجموعة من الخيارات والفرص التي ممكن تجنيدها لخدمة المصالح الوطنية.
يكثر الحديث هذه الأيام عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. هناك تحليلات وإشاعات تتحدث عن إمكانية الإعلان عن هذا الخبر خلال الأسبوع الحالي. ترامب وعد ناخبيه بنقل السفارة خلال حملته الانتخابية، إذاً الموضوع ليس بغريب؛ لقد مرر الكونغرس الأمريكي مشروع قانون أمريكي عام ١٩٩٥ يعتبر القدس عاصمة إسرائيل ويتحدث عن نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، وقد عمل بوش وكلينتون وأوباما، الرؤساء الثلاثة الذين سبقوا ترامب على تأجيل العمل بهذا القانون لأسباب دبلوماسية وقانونية وأمنية كل ستة أشهر طوال الاثنتين والعشرين سنة السابقة.
فلسطينياً، كيف نرد؟
أولاً: ليس من مصلحتنا أن نرد من خلال الربط بين نقل السفارة وتدمير عملية السّلام. خاصة بعد أن حقق نتنياهو اختراقات عميقة في البُعدين العربي والإقليمي، والحقيقة المُرّة أن لا أحد سيحرك ساكناً إن تحدثنا عن تدمير عملية السلام! علينا كفلسطينيين التوقف عن الحديث عن القضية الفلسطينية كأساس للسلم والاستقرار في المنطقة؛ فما حصل في القدس في حزيران الماضي أكبر دليل أن لا أحد غير الشعب الفلسطيني سيحرك ساكناً في حال تم نقل السفارة. بدلاً من الحديث عن تدمير عملية السلام المنتهية منذ زمن، يتوجب علينا الآن دراسة احتمالية استغلال هذه الخطوة التحريضية وبناء مبادرة فلسطينية عليها وتقديمها باسم الشعب الفلسطيني.
ثانياً: من العقلاني أن نركز ردنا على الجانب القانوني ومخالفة هذا القانون الأمريكي للقوانين الدولية الحافظة للحقوق الفلسطينية. هناك من يدعي أن نقل السفارة الأمريكية إلى أراضي القدس الغربية لا يشكل خرقاً للقانون الدولي ولا يعتبرونه أمراً خطيراً! إنّ قرار الكونغرس واضح بأن نقل السفارة يرافقه اعتراف بالقدس كعاصمة وهنا تتحقق أهداف إسرائيل بالحديث عن القدس الموحدة عاصمة لهم. لذا علينا التركيز على نقطة مهمة مفادها عدم قانونية فكرة نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس وضرورة وقوف دول العالم في مواجهتها فوراً في حال أصر ترامب على تفعيلها، حيث أن القوانين والقرارات الدولية حفظت حق الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية وكافة الأراضي المُحتلة عام ١٩٦٧. وتؤكد ذلك قرارات لمجلس الأمن (قرار 253 عام 1968 وقرار 267 عام 1969, وقرار 298 عام 1971, وقرار 476 عام 1980 وقرار 478 عام 1980 والقرار الأخير 2334) كلها أعلنت بطلان الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع القدس. في حال احترمت دول العالم مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية، ممكن أن يفيدنا الخطاب القانوني وغير ذلك هو عبارة عن المزيد من القرارات المكتوبة لا تطبيق لها على الأرض.
ثالثاً: الوساطة والتحريض، الردود الفلسطينية يجب أن توضح أن خطوة نقل السفارة هي أكبر مثال للاستفزاز السياسي والتحريض على العنف كما أن اتخاذ خطوة كهذه تندرج تحت بند الأفعال الأُحادية الجانب لتغيير الوضع القائم! التآمر والانحياز والدبلوماسية القسرية التي نشهدها من قبل الوسيط الأمريكي أصبحت غير مُحتملة. علناً ورسمياً تعمل الإدارة الأمريكية لخدمة دولة الاحتلال من خلال عشرات مليارات الدولارات التي تدفعها الولايات المتحدة لإِسرائيل كمساعدات عسكريّة إضافة لقرارات الكونغرس الخاصّة بحماية دولة إسرائيل والضغط على الفلسطينيين، وآخرها ما يتعلق بملف محكمة الجنايات الدولية وأوراق الضغط التي تجلت حديثاً بإمكانية إغلاق مكتب مفوضية منظمة التحرير.
رابعاً: الرد الفلسطيني من خلال العمل داخلياً وهذا يشمل:
-المصالحة والانتخابات والعمل وطنياً بطريقة استراتيجية تصب في المصلحة العامة وخدمة القضية وهذا ما عجزنا عن تحقيقه لسنوات.
-تفعيل ملفات محكمة الجنايات الدولية ومقاضاة إسرائيل على جرائمها غير آبهين بالتهديدات والضغوطات الدولية.
-دراسة موضوع حل السلطة جدياً وترك إدارة الوضع القائم للاحتلال، فمن غير المنطقي الاستمرار ببناء دولة المؤسسات تحت سقف الاحتلال العنصري.
لخدمة مصالحنا الوطنية، على القيادة الفلسطينية دراسة إمكانية استغلال هذه الخطوة التحريضية لتقديم مبادرة فلسطينية تاريخية وعرضها على ترامب بعد اللجوء إلى خيار الاستفتاء الشعبي لقبول فكرة نقل السفارة جغرافياً إلى القدس الغربية بشرط أن ترافق هذه الخطوة صفقة إنهاء الاحتلال من خلال اعتراف أمريكي بدولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧ وبالقدس الشرقية عاصمة لها والالتزام بكل مرجعيات الأمم المتحدة والمبادرة العربية لعملية السلام إلى جانب تعديل أو إلغاء الأوامر العسكرية الإسرائيلية التي تتحدث عن القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل والتزام إسرائيل بإنهاء الاحتلال ومظاهره فوراً، وبالنتيجة يحقق ترامب حلم الصفقة الذي يتحدث عَنْه بما يُرضي باقي أطراف الصراع!
صحيفة القدس