الرئيسية زوايا أقلام واراء العالم العربي وتركيا وإيران نحو تكتل حضاري جديد ..بقلم :د. نورالدين ثنيو

العالم العربي وتركيا وإيران نحو تكتل حضاري جديد ..بقلم :د. نورالدين ثنيو

المقاربة الثقافية للمنطقة الجغرافية التي تضم العالم العربي، تركيا وإيران تؤكد على الثوابت المشتركة وعوامل الاستمرار، بينما المقاربة الأيديولوجية والسياسية المزاجية هي التي تشير في الغالب إلى عوامل وعناصر الاختلاف والتغيير والتبدل.
وللخروج من هذا المأزق التاريخي الخطير الذي آلت إليه هذه المنطقة من العالم، يجب أن تعاد تهيئتها من جديد بالقدر الذي تؤلف عناصرها الثابتة مع عواملها السياسية والجيوستراتيجية في صيغة حضارية تساعد على النمو والتطور في المدى الطويل للتاريخ المعاصر. وبتعبير آخر يفيد المعنى نفسه، إن هذه المنطقة التي تضم العالم العربي وتركيا وإيران تتمتع بعمق تاريخي حضاري ثري، ما زالت ملامحه الدينية والحضارية والروحية، وحتى المَدَنِيّة ماثلة وحاضرة، وإن لها فقط أن تجايل وتجاري العمق الاستراتيجي، الذي يعد الشرط اللازب لمواصلة الحياة في عصر العولمة والزمن الفائق.
فقد صارت العبرة، كل العبرة، بالسياسي والاستراتيجي والاعتبار الاقتصادي، كإمكان التواصل مع الوحدات السياسية والحضارية الأخرى، في عالم بات يلح على التكامل والتعاون والتآلف، ولا يقوى على النزاعات والخلافات، ناهيك عن الثورات والحروب.
لعلّ واحدة من نتائج الربيع العربي، أن العالم العربي لم يعد يكتفي بنفسه، ولا هو قادر على التصرف بسيادة مطلقة وحيدة الطرف، بل صار يتطلع أكثر إلى البحث عمن يعاضده من أطراف أخرى تحالفه وتدخل معه في صيغة من صيغ التواجد والتعاون والتعايش. فأصل الثورات التي قامت في أكثر من بلد عربي هي آخر تاريخ للنزعة السلطوية والاستبداد والتسلط، ومن ثم فالانهيار الذي طال بعض البلدان العربية هو النتيجة الحتمية لتفويت فرص الدخول في صيغ سياسية واستراتيجية، مع وحدات ومؤسسات سياسية واقتصادية، تؤمّن البقاء للدولة على ما فعلت مثلا تركيا مع الحلف الأطلسي، وإصرارها على الدخول إلى الاتحاد الأوروبي.
إن العالم العربي الذي يمثل مجموعة من البلدان غير قائمة على كيان سياسي واحد، أحوج من غيره لضرورة إرساء معالم لنظام سياسي يقوم على التجاوب الجِوَاري والثقافي والديني والحضاري والمدني، من أجل درء الأخطار عليه، وتلافي حالة الصراعات المزمنة التي عصفت به طوال التاريخ الحديث والمعاصر. ومن المتوقع، خاصة بعد تسوية الأزمة السورية، بناء على مفاوضات تتم خارج النظام السوري، وبالنيابة عن إرادته، وهي أول بوادر حاجة النظام العربي إلى غيره، وغياب حالة الاكتفاء بذاته، أن يعاد تثمين إمكانات المنطقة التي تضم العالم العربي، تركيا وإيران وايلاؤها القيمة والاعتبار الجديرين بها، مثل العمق التاريخي العثماني التركي والفارسي الإيراني، فضلا بطبيعة الحال على العمق الجيوسياسي والإستراتيجي، كل ذلك يوفر مكانا يساعد على الانخراط في لحظة العولمة، وما توفره من إمكانات وعدّة ووسائل لم تكن متيسرة من قبل. فالمعروف أن التاريخ السياسي للقرن العشرين، كتبت أغلب فصوله في المنطقة التي تضم العالم العربي، تركيا وإيران، وأن نصيبا وافرا من الجغرافيا قد تحدد في تلك المنطقة، التي حددت أيضا مصير العالم، ويكفي القول إن فاتحة القرن العشرين كانت الحرب الكبرى 1914- 1918، التي اندلعت بسبب ما عرف بحادثة اغتيال ولي عهد النمسا والمجر في سراييفو، المنطقة التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، وانتهى القرن العشرون بحادثة تمزق وتشرذم فيدرالية يوغوسلافية الاشتراكية، أي المنطقة البلقانية، مطلع التسعينيات.
إن وجه المفارقة في التاريخ السياسي العربي الحديث والمعاصر، أنه طغى عليه الصراع والنزاع مع تركيا وإيران، وقلما استفاد من العمق التاريخي والحضاري المشترك معهما، من أجل تحديد ملامح لكتلة حضارية فاعلة في الحياة الدولية ومؤثرة في الحضارة الإنسانية. والوجه الآخر للمفارقة في العالم العربي، أنه رغم الثورات التصحيحية والانقلابات والعقوبات الدولية التي طالته، طوال فترة ما بعد الاستعمار، إلا أنه بقي عصيا على الاستقرار وحفظ أمنه، بل بقي عرضة للتمزق والتشرذم والتفكك الداخلي، على ما توحي به آخر الثورات القائمة اليوم في غير بلد عربي. وعلى خلاف ذلك، نجد أن الثورة الكبيرة التي حصلت في إيران عام 1979، أفضت إلى تأسيس الجمهورية الإيرانية الحديثة، ذات المؤسسات الدائمة والقارة، مناصرة للقضايا العادلة في العالم وفي العالم العربي على وجه الخصوص. وبالمثل الدولة التركية التي أسست للتجربة الديمقراطية، مع فوز حزب العدالة والتنمية مطلع الألفية الثالثة، وبقيت مؤسسات الدولة القارة تشتغل على أساس الشخصية الاعتبارية والعمومية لها. وهكذا، يبقى على العالم العربي الطرف الثالث، الذي يجب أن يؤسس لدولة ذات مؤسسات ثابتة قارة تحفظ الإستقرار والاستمرار والأمن من أجل إرساء معالم وخصائص الكتلة الحضارية الجديدة في المنطقة.
إن الكتلة الحضارية الجديدة التي تضم العالم العربي، تركيا وإيران هي المجال اللائق بالتاريخ المعاصر، الذي يحكمه سياق العولمة، حيث تزدهر كافة الوحدات الحضارية ليس على أساس الصراع، كما تصور صامويل هنتنغتون، بل على أساس الإسعاف المتبادل، الذي يحمي الجميع، خاصة الحضارة اليهودية المسيحية التي تعاني الاحتضار كما يرى ذلك (ميشال أنفري) وبداية ضعف قيمة الديمقراطية في الغرب، عودة سياسة العزلة والحواجز العنصرية التي تتبناها القوى اليمنية المتطرفة، ومنها سياسة دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي.
إن العالم العربي يرنو إلى جغرافية جديدة مع تركيا (الدولة الشرقية الحديثة الناجحة) ومع إيران ( القوة المعنوية والروحية والعرفانية الكامنة). كل الأطراف الثلاثة تنتمي إلى منطقة استراتيجية واحدة، تنتظر الاتحاد المؤتلف والصيغة الحضارية المنسجمة والكيان الحضاري الجديد القادر على أداء فاعل في حياة شعوب المنطقة وبقية العالم. ولكي نستجلي مكامن الكتلة الحضارية الجديدة يجب الوقوف على ما يلي:
العمق التاريخي للمنطقة: حضارة إسلامية مشتركة، حضارة عربية، تاريخ عثماني وتركي، تاريخ فارسي.
العمق الإستراتيجي للمنطقة: التاريخ الاستعماري للعالم الحديث، عمق جغرافية القرن العشرين، عمق السياسة الدولية، استشراف آفاق المستقبل، إمكان حضاري وديني للمجموعة الإنسانية.
الكتلة الحضارية الجديدة: حفظ التوازنات الحضارية على صعيد العالم، حيث صار تواجد الحضارات في المجال الإنساني العالمي الواحد، بحيث لا تتعاقب ولا تتصارع، كما كان يحدث في التاريخ الكلاسيكي.
*
٭ كاتب وباحث جزائري
القدس العربي

Exit mobile version