تعلو في الأيام الأخيرة أصوات فلسطينية تنادي بحلّ السلطة الفلسطينية وتسليم المفاتيح لإسرائيل. المنطق الذي يقف وراء هذا المطلب أن هذه الخطوة من شأنها أن تقلب الطاولة على رأس المحتل وتحرر الفلسطينيين من دور وكيل الاحتلال وتعيد تحميل المحتل ثمن وتبعات الاحتلال المباشرة. للوهلة الأولى المطلب منطقي؛ إذ إن السلطة بواقعها ودورها الحالي تحولت إلى «سلطة محلية» بصلاحيات محدودة، تتموضع في علاقات إخضاع مذلة للاحتلال، وزاد ترسيخ هذا الدور صعود اليمين الإسرائيلي المسياني الاستيطاني والشعبوي وإعلانه أن الترتيبات الحالية في ظل السلطة بواقعها الحالة هي تعبير عن «الحل النهائي» وأن مناطق السلطة – ربما مع بعض التغييرات -هي الـ «دولة» المقصودة بحل الدولتين. القيادة الإسرائيلية الحالية تضيف: إنها لا تنوي الانسحاب من المستوطنات ولا من مناطق واسعة من مناطق «ج» ولن تخلي الأغوار بأي اتفاق مقبل، وأن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، ناهيك بالطبع عن تخشيب الموقف من حق العودة واعتباره خارج النقاش. وفي الخطاب الإسرائيلي الذي يقوده اليوم مثلث الليكود-المستوطنون المتدينون – والحريديون، تعتبر السلطة بصيغتها القائمة وصلاحياتها الداخلية ومكانتها الدولية نهاية الحل وليس بدايته. وتوضح متابعة التصريحات الإسرائيلية الرسمية وشبه الرسمية، أن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ دور السلطة بوصفها وسيطاً محلياً بين الاحتلال والسكان، وقائمقام «الإدارة المدنية» التي كان الاحتلال يتعامل من خلالها قبل ذلك مع السكان، وهي بذلك غير معنية بانهيارها وفي ذات الوقت معنية بكبحها بصيغتها الحالية وتجميدها على دورها هذا. وينطوي التوجه الإسرائيلي هذا على تبني تقاسم وظيفي للأدوار يضمنه وجود السلطة بصيغتها التي تريدها إسرائيل بما يتواءم مع المصلحة الإسرائيلية الأمنية من جهة والمصلحة الاستعمارية التوسعية من جهة أخرى، حيث تظل المسؤوليات السيادية التي تضم السيطرة الأمنية والعسكرية والتحكم بسجل السكان والتنقل بين المدن والسفر للخارج في كل الأراضي الفلسطينية بالضفة وغزة تحت سيطرتها التامة كما تظل بيدها السيطرة على كل نواحي الحياة في مناطق ج التي تشكل 60% من أراضي الضفة الغربية، هذه المعادلة تتيح لإسرائيل الاستمرار بسياسات التهويد الزاحف لمناطق «ج» ضمن معادلة أرض أكثر وعرب أقل، ضمن تكثيف وتوسيع الاستيطان وتمديده في موازاة الدفع التدريجي للفلسطينيين في هذه المناطق إلى محميات محاصرة، في المقابل تسعى إسرائيل إلى إبقاء الإدارة المرتبطة بالأمور المدنية الحياتية للسكان كالصحة والتعليم بيد السلطة وحصرها بها، وهي تعتمد في هذه السياسة على الفصل بين الأرض والسكان حيث يسمح لها وجود السلطة بصيغتها الحالية بالانسحاب من حياة السكان ويسمح لها بالإبقاء على مفاتيح السيادة والسيطرة على 60% من أرض الضفة تهويد الأرض وتوسيع المستوطنات.
مع الأخذ بعين الاعتبار كل هذا، هل الحل هو حل السلطة وإعادة مفاتيح الاحتلال لإسرائيل على كل ما يعنيه فعلياً هذا من تغييرات ولسقاطات مباشرة على الأرض؟ مثلاً هل نريد فعلاً حل الوزارات الموجودة بما فيها وزارة التربية والتعليم والصحة والثقافة وحتى الخارجية والداخلية ونحل الشرطة والأمن ونسلّمها لإسرائيل كما كان قبل أوسلو؟ هل نريد فعلاً أن يعود الجيش الإسرائيلي للانتشار في مدن الضفة الغربية؟ هل نريد حقاً أن يعود جيش الاحتلال للتمركز في المنارة وميدان الشهيد ياسر عرفات برام الله؟ هل نريد أن يعود للتمرس في ميدان عبد الناصر بطولكرم وفي القصبة بنابلس وفي قلقيلية وجنين والمخيمات التي خرج منها؟ ما الذي سنجنيه فعلياً من هذا؟ هل سيشعر المحتل أصلاً بأن ثمن الاحتلال أعلى من أن يحتمله؟ ولنفترض أنه لن يعود إلى مراكز المدن وسيبقيها لنا لنتدبرها كما حدث في غزة مثلاً، هل يعني هذا أنه سيتراجع بعد ذلك عن سياساته الاستعمارية في مناطق «ج» والقدس أم سيجد أسباباً إضافية لتكثيفها؟ والأهم هل هذه خطوة فلسطينية حكيمة؟
أنا لا أعتقد ذلك لسببين:
أولاً: نحن لا نريد إعادة الجيش لرام الله بل نريد إخراجه من القدس، لا نريد أن نعيد الجنود لجنين بل نريد إخراجهم من الأغوار، نحن لا نريد إعادة الاحتلال لتحمل مسؤوليته على إدارة حياتنا بل نريد إخراجه تماماً منها.
ثانياً: من يتوقع أن بديل حل السلطة وتحميل الاحتلال إدارة الضفة سيفضي في النهاية إلى تدفيع الاحتلال ثمن الاحتلال أو حتى إلى إقامة الدولة الواحدة لا يضع في الحسبان أن إسرائيل لا تعدم الخيارات للتعامل مع الأمر والتي تتضمن على سبيل المثال لا الحصر إغراق الضفة بالمستوطنين وتحويل الفلسطينيين إلى أقلية محاصرة في بؤر مقطعة مدارة من الأطراف من قبل إسرائيل، وأن حل الدولة الواحدة هو حلم جميل في بلد على حافة الهاوية!
ثالثاً: نحن نعيش في واقع أهوج تقاطعت فيه ثلاث أشياء: هيمنة اليمين الجديد الاستيطاني الديني والشعبوي في إسرائيل، حكم الترامبية الافنجيلية في أميركا، واقع عربي كارثي وفلسطيني منقسم.
ما العمل؟ هل توجد أدوات ممكنة للتعامل مع الموقف المركب؟ هل توجد فرص رغم الشرط الحالي لتحويل اللحظة الحالية إلى رافعة للانطلاق دون خسارة ما أنجزناه؟ الجواب باختصار نعم، لأن الواقع يوفر أيضاً فرص إذا أحسنا استخدامها:
أولاً: رغم كل الواقع العربي وربما بسبب التشرذم والصراعات الداخلية في دول الربيع العربي والصراعات بين المحور السعودي-الإيراني، تشكل القدس نقطة إجماع يتفق عليها كل المتحاربين ويتنافسون على «استملاكها»، يمكن استغلال هذا الإجماع من أجل فرض خطاب فلسطيني بسقف عال يتحرر من محددات أوسلو ويجبر كل الدول المتصارعة، ليس فقط على اتخاذ موقف واضح، بل استخدام ورقة القدس خاصة وإنهاء الاحتلال عامة كـ»ورقة رابحة» في تصليب مواقفها تجاه المسألة الفلسطينية لمصالحها الضيقة، باختصار العمل على استغلال الصراعات لإعادة الأضواء والتركيز على الصراع مع الاحتلال! باعتقادي أنه حتى السعودية لن تسمح بأن تترك الساحة لتحول إيران وتركيا إلى حاملات رايات الدفاع عن القدس، وعلينا ألا نستخف بالثقل الرمزي للقدس واستخدامه.
ثانياً: الانطلاق من أن الشعب الفلسطيني يضم 12 مليون فلسطيني، واعتباره كينونة واحدة، ما يعني التنسيق بين كل الأجزاء من أجل إطلاق فعاليات شعبية تتعدى التقطيعات السياسية الجغرافية الموجودة، وإقامة أطر موحدة للتنسيق بين كل الأطر والفعاليات والقيادات في الداخل والضفة وغزة والشتات والمهجر لأن القدس عقدة ربط تخص ابن الناصرة وعين الحلوة وغزة وجنين وتتجاوز الهويات السياسية المقطعة.
ثالثاً: عقد تحالفات وتنسيق مع كل الجهات الشعبية العالمية المناهضة للترامبية العنصرية وتوثيق الربط بين فلسطين وقضايا العدالة العالمية والفئات المتضررة من الترامبية كالمهاجرين والأقليات والسود والتيار الديمقراطي الذي يقوده بيرني ساندرز في أميركا والتيارات المناهضة للترامبية في أوروبا وهي واسعة وكبيرة، هذا ربط ضروري يضع الترامبية وإسرائيل في جهة العنصرية ويعزلهما ويضع فلسطين والقوى الديمقراطية العالمية في جهة مقابلة!
رابعاً: التوقف تماماً عن التلويح بإعادة المفاتيح للمحتل حتى من قبل القيادة الفلسطينية وبدل ذلك التلويح من قبل القيادة الفلسطينية بإقامة قيادة وطنية فلسطينية موحدة تضم الفئات الشبابية وفئات من المجتمع المدني والأطر والأحزاب المختلفة، تتسلم قيادة المناطق الفلسطينية وتعيد ترتيب المهام الداخلية وتقسيم الأدوار في المدن باعتبارها مناطق محررة تدار وطنياً، الأمر الذي يضمن المحافظة على المنجزات التي تمت ولا يسمح بعودة المحتل ويتيح في ذات الوقت تحرير السلطة من دور «الإدارة المدنية» الذي تسعى إسرائيل إلى تأبيده وترسيخه.
كل هذا ممكن إن توفرت الإرادة!
عن صحيفة الايام