بعد نحو أربعة أشهر على انعقاد قمة سوتشي، انعقدت القمة الثلاثية في أنقرة التي جمعت الأطراف نفسها: رجب اردوغان، حسن روحاني، فلاديمير بوتين، على وقع إعلان الرئيس الأميريكي المفاجئ عن عزمه سحب قواته من سورية قريبا جدا.
لقد جرى تظهير القمة الثلاثية الأخيرة بوصفها قمة النصر للمحور الجديد، فقد تمكن أردوغان من اجتياح عفرين، وأحكمت موسكو وطهران سيطرتها على الغوطة الشرقية ودمشق ومحيطها. وفي المؤتمر الصحافي الذي جمع القادة الثلاثة، قال روحاني: اليوم نعلن رسمياً نهاية الحرب بسورية، فيما قال بوتين: اتفقنا على التعاون في تسوية الأزمة السورية، المهم ما قاله أردوغان إن: من لا يفهمون أن داعش والمسلحين الأكراد يخدمون الهدف نفسه لا يمكنهم المساهمة في إرساء سلام دائم في سورية!
. ومع القمة الثلاثية في أنقرة، دشّن الرئيسان بوتين وأردوغان مشروعاً نووياً تركياً بتقنيات روسية، وأعلنا الإسراع في تسليم أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسي، وأيضاً الاعتماد على تركيا كممر لتصدير الغاز الروسي بدل خط الأنابيب الأوكراني. هذه الحزمة من المشاريع الضخمة، عسكرياً واقتصادياً، تفيد بأن التحالف الروسي – التركي يأخذ منحى استراتيجياً مشابهاً للتحالف الروسي – الإيراني، من دون أن يتأثر أحدهما بالآخر كما يتمنى البعض.
غير أن الأهم هو المسار السياسي لتحالف هذه الأطراف، ففور انتهاء معركة حلب، أسست الدولتان المنتصرتان في الحرب، روسيا وإيران، مع حليفتهما الطارئة تركيا، مسار آستانة الذي حقق نجاحاً ميدانياً وأسّس ما بات يعرف بالدول الضامنة، وشكل هذا الإطار مرجعية ميدانية خارج مسار جنيف الأممي الذي فشل في وقف نار بندقية واحدة على الأراضي السورية.
حدث هذا بالتوازي مع تغيّر الخطاب التركي حول الحل في سورية، وإبتعاد الرئيس أردوغان عن شعارات الثورة السورية، فلم يعد يعنيه سوى الحرب على حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي، وتركيزه أسوة بنظيره الروسي على وحدة الأراضي السورية، وهو اعتراف ضمني ببقاء بشار الأسد. وبالتوازي أيضا مع تصعيد تركي تجاه الغرب كله، والمستهدف ضمناً هو قيم الديموقراطية الغربية، كتغطية لإعادة التموضع وفق التحالف الجديد.
أما طهران، فعلى رغم مشاركتها أنقرة المخاوف من الطموحات الكردية إلا أنها قلقة من الوجود التركي في سورية، إضافة إلى خشية طهران من نجاح تركيا في فتح جبهة أخرى في منبج، أو حتى على الضفة الشرقية من نهر الفرات، وهو ما يمكن أن يشكل تهديداً للمعاقل الساحلية الشمالية للنظام السوري، وربما يعيق الطموح الإيراني في التقدم نحو البحر المتوسط لربط مناطــــق النفوذ الإيراني في سورية، والعراق، ولبنان وهنا يمكن فهم مغزى تصريحات روحاني في قمة أنقرة، حيث شدد على ضرورة أن تقوم تركيا وحلفاؤها بتسليم عفرين إلى جيش النظام السوري، وأضاف: التطورات الجارية في عفرين لن تكون مفيدة إذا أخلّت بوحدة الأراضي السورية.
وربما يرى البعض بأن إعلان الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من سورية قريباً، سيربك أصحاب مسار أستانة وسوتشي، أي موسكو وطهران وأنقرة، ويضعهم في مواجهة استحقاقات كانت واشنطن تتولى تصريفها. غير أن موقف ترامب قوبل بارتياح ضمني كبير في موسكو، فهي ترى في الانسحاب خياراً أميركياً من شأنه أن يعزز دورها في سورية، ويطلق يدها في هندسة الحل السياسي لضمان مصالحها ومصالح حلفائها. في حين أن طهران ستتعامل مع الانسحاب الأميركي على أنه فرصة تاريخية، إذ أنها والنظام السوري سيندفعان الى استكمال السيطرة شمالاً وجنوباً، بانيَين على ما حصل أخيراً في الغوطة الشرقية، بدعم سخي من روسي – جوي ولوجستي وإستخباراتي -.
وشكل إعلان ترامب الأخير الانسحاب من سورية، وترك الآخرين إدارة الأمور فيها، خلال تجمع انتخابي في ولاية أوهايو، مفاجأة ليس للسوريين فقط وإنما لوزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين نفسيهما، ولذلك صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية أن ليس لديها علم بهذا القرار، ويعد الإعلان مناقضاً تماماً لما أعلنه وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس من بقاء القوات الأميركية في سورية لمنع عودة داعش، ولضمان استمرار الاستقرار في سورية، وهو لا يقل تناقضاً عما طرحه وزير الخارجية الأميركي السابق تيلرسون في جامعة ستانفورد تحت عنوان «سياسة الولايات المتحدة الجديدة تجاه سورية»، حيث أكد حينها أن الولايات المتحدة لن تسحب وجودها العسكري من سورية، لأنها تعلمت الدرس من العراق بأن الانسحاب المبكر قبل وجود حكومة شرعية ومستقرة، سيمكّن جماعات أصولية ومتطرفة من ملء الفراغ، وهذا حدث عندما تمكنت داعش من استغلال انسحاب القوات الأميركية في العراق وإعلان قيام الدولة الإسلامية، من الموصل التي سيطرت عليها في وقت قياسي.
كما شكل هذا الإعلان المباغت، مفاجأة من العيار الثقيل لمتابعي الملف السوري، لأنه من يسعى إلى إنهاء «داعش» ومواجهة موسكو وطهران، لن يقرر فجأة أن يخلي الساحة لهذه العواصم التي تناصبه العداء، وأن يزيل الحواجز والمعوقات التي تقف أمام توسعهم في سورية، فيما يهدد النظام السوري وحلفاؤه- طهران- بالتوجه نحو الجبهة الجنوبية حتى الحدود مع الأردن وإسرائيل، بينما تلوح تركيا كل يوم بالتقدم نحو المناطق الكردية التي تنتشر فيها قواعد لقوات أميركية من منبج إلى شرق سورية وشمال شرقها.
ثم ما معنى أن يبدل ترامب في أركان إدارته بتولية الصقور المتشددين من دعاة المواجهة مع طهران وزارة الخارجية والأمن القومي.
ويبدو أن ترامب قد تذكر خلال لقائه مع عمال صناعيين في أوهايو الـسبعة تريليونات دولار التي أنفقتها أميركا في الشرق الاوسط، وتذكر أيضاً أنه تعهّد خلال حملته الانتخابية بعدم إهدار المال العام في الإنفاق العسكري خارج الولايات المتحدة، وإجبار الدول الثرية على الدفع مقابل حماية واشنطن لها. ويعتبر الآن أن مهمة القضاء على داعش قد انتهت أو هي على وشك الانتهاء، لذا فقد حان وقت الانسحاب. وليس واضحاً حتى الآن كيف سيهندس البنتاغون انسحاب القوات الأميركية، وما هي الأبعاد التي سيتخذها، وهل سيحرص على ترتيبات معينة مع الآخرين الذين سيتولون أمر سورية لضمان عدم تغيير الأوضاع في المناطق التي تولّت حمايتها، كما سيطرح الانسحاب المتوقع علامات استفهام حول مستقبل الوضع في الجنوب الغربي وقاعدة التنف، كذلك الوضع في الشمال الشرقي ومصير قوات سورية الديموقراطية.
ويرى المتابعون، أنه يصعب تفسير خطوة ترامب بصفتها تمهيداً لمواجهة مباشرة مع طهران في سورية على ضوء التوقعات التي تتحدث عن احتمال كبير لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع طهران. ثم أن محاولات إيجاد سياق لقرار الرئيس الأميركي لن تفضي إلى تصورٍ مستقبل جيد لسورية والإقليم في ظل هذا الفراغ الجديد، فالخطوة الأميركية إذا ما تم تنفيذها على نحو متسرع، ستفسح المجال لما لا يحصى من مواجهات. وسيأخذ الاصطفاف الإقليمي أشكالاً جديدة. الانسحاب من سورية يعني مواجهة أكيدة بين تركيا والأكراد في سورية، وابتلاع تركي لشمال سورية وشرقها، وللأكراد. والانسحاب يعني أيضاً تحويل احتمالات المواجهة بين طهران وتل أبيب إلى واقع شبه محسوم، وستبحث المواجهات بينهما عن فرصة للانتصار. والانسحاب يعني ترك فلاديمير بوتين لاعباً دولياً وحيداً في سورية، وسيعني أيضاً تفويض موسكو مهمة ليست بحجم تنفيذها، والأرجح أن موسكو لن تقوى على إدارة هذا العنف وعلى توظيفه في مد نفوذها إلى مناطق الفراغ الذي سيحدثه الانسحاب الأميركي. الانسحاب باختصار يعني انهيار نظام الحرب في سورية، والتأسيس لنظام حرب مختلف.
فبعد الانسحاب الأميركي ستفقد المنطقة ضابطاً حدودَ القتل. وعلى الرغم من أن مسؤولا أميركيا رفيع المستوى قال إن ترامب وافق خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي الأميركي، انعقد قبل بضعة أيام، على بقاء القوات الأميركية في سورية فترة أطول، إلا أن قرار الانسحاب أصبح في عقل ترامب، وهو ما يعني أنه سيتم تنفيذه في وقت غير بعيد. وتهديد ترامب للنظام السوري بعد ما قيل عن قصف النظام لدوما بالكيماوي لن يضيف جديدا إلى المعطيات الحالية المتعلقة بالانسحاب الأميركي المتوقع، ولأنه حتى لو قصفت الإدارة الأميركية مراكز تابعة للنظام السوري، رداً على استخدام النظام السلاح الكيماوي، كما حصل منذ ما يقرب السنة حين قصفت البحرية الأميركية مطار الشعيرات السوري ردّاً على اتهام النظام بهجوم كيماوي على بلدة خان شيخون. فمثل هذه الضربات لا جدوى سياسية منها، لأن النظام ما عاد قائماً كنظام متماسك، بل بات موزعاً إلى مجموعات نظامية وغير نظامية. بالتالي، قصف واحدة من هذه المجموعات، لن يؤثر على الأجزاء الأخرى المكونة للنظام السوري.
