
من الطبيعي أن تشهد الأزمات الدولية انقسامات وشدا وجذبا، وما نشهده الآن في المواقف الدولية تجاه أزمة فنزويلا يجسد تلك المرحلة الأولى التي تتداخل فيها المواقف على نحو يزيد من تعقيدها، ويجعل الحلول السلمية المطروحة في مهب الريح. والحقيقة أن جملة المواقف الدولية لاسيما التي تعمل على هديها الولايات المتحدة بشأن دعم رئيس الجمعية الوطنية غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسا مؤقتا بعد مرور أسبوعين كاملين على بدء الولاية الثانية للرئيس المنتخب مادورو، تثير الكثير من التناقضات والإشكاليات القانونية والعملية، ولا تقدم حلا بقدر ما تزيد الأزمة وتدفع بفنزويلا إلى أتون حرب أهلية وتدخلات عسكرية خارجية وخراب ودمار كما حدث في سوريا وليبيا.
أحد أبرز التناقضات يتعلق بالرئيس ترامب، الذي كثيرا ما يؤكد التزامه بالوعود التي قطعها إبان حملته الانتخابية، وكان من بين تلك الوعود هو عدم التدخل في شئون دول أخرى، وترك مصيرها لاختيار شعوبها. وتجيء حالة فنزويلا الراهنة لتعيد السياسات الأمريكية إلى ما هو معروف عنها تاريخيا في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، حيث التدخل المباشر، وتوقيع عقوبات أحادية وفرضها على باقي دول العالم، ودعم الانقلابات وممارسة جميع الضغوط على أطراف بعينها لمصلحة أطراف أخرى تعتبرهم واشنطن أقرب لها ويحمون مصالحها. وفي حالة فنزويلا الراهنة يقوم رئيس الجمعية الوطنية بإعلان نفسه رئيسا مؤقتا دون سند من قانون ولا دستور، ويطالب الولايات المتحدة بالوقوف معه لاستكمال خطته في إبعاد الرئيس المنتخب، ثم يقول الرئيس ترامب إن ذلك هو بداية الكفاح لاستعادة الديمقراطية في فنزويلا. و
هنا يبرز التناقض الأمريكي الفج في أن الديمقراطية تستند الى انتخابات وليس انقلابات سياسية وتجاوزا للدستور، صحيح أن غوايدو يمثل معارضة لها مؤيدون في الداخل الفنزويلي، وكذلك الرئيس مادورو الذي انتخبه 86 في المائة من المشاركين في الانتخابات الرئاسية التي عقدت في ايار الماضي. وإذا استند كل زعيم معارضة إلى أن هناك من يؤيده ونصب نفسه رئيسا مؤقتا، ويطالب قوى خارجية بدعمه وتأييده، ويحث جيش بلاده على تأييده، فتلك قمة الانقلاب على الدستور المعمول به، ولا علاقة له بالديمقراطية التي يتشدق بها الغرب اجمالا حين يريد أن يقضي على دولة ونظام تتعارض توجيهاته مع التوجهات الامريكية والغربية. واختصارا فالمسألة هنا لا علاقة لها بالشعارات البراقة، وإنما بسياسة هدم الدول وإثارة الحروب الأهلية داخلها وتدمير مستقبلها. وأيا كان حجم الانتقادات التي توجه إلى حكم مادورو خاصة زيادة الأوضاع الاقتصادية البائسة، فإن من يؤيد إنقلاب غوايدو، يعني أنه يوافق مبدئيا على تدخل واشنطن في الإطاحة به عبر انقلاب غير قانوني.
ولا يقف الأمر عند تناقض الموقف الأمريكي، بل يمتد الى تناقض أوروبي صارخ، فقد أسس الاتحاد الاوروبي موقفه على تأييد غوايدو باعتباره رئيس الجمعية الوطنية وهي المؤسسة الوحيدة المنتخبة ديمقراطيا ويجب حمايتها حسب نص تصريح موجريني مفوضة الاتحاد الأوروبي في الأول من شباط الحالي. فإذا كان هناك برلمان انتخب ديمقراطيا في فنزويلا، فهذا يعني أن الاتهامات الموجهة لنظام مادورو كالديكتاتورية واغتصاب السلطة هي اتهامات غير صحيحة، وانما مفتعلة لتبرير التدخل في شئون فنزويلا، إذ كيف يسمح نظام ديكتاتوري تسلطي بفوز المعارضة، وإجراء انتخابات نزيهة لا يحصل فيها على كل شيء.
التناقض الثالث يتعلق بالالتزام بالتعاقدات والعهود وثروات الشعوب، والواضح في حالة فنزويلا، كما في حالات أخرى عديدة، تتغلب نوازع النهب والسيطرة على ثروات الشعوب الاخرى من خلال المصادرة غير القانونية ووضع اليد عنوة على تلك الثروات، ومنع السلطات الشرعية من التصرف فيها وتوقيع العقوبات الظالمة عليها. فقد فرضت واشنطن نهاية كانون الثاني الماضي عقوبات على شركة النفط الوطنية الفنزويلية، وحجب عائدات النفط الفنزولي عن حكومة مادورو، وفرضت عقوبات أخرى على شركة نفطية في نيكارجوا تتعاون مع شركة النفط الفنزويلية.
كما منع البنك البريطاني، استجابة لضغوط أمريكية، إصدار ذهب بقيمة 2٫1 مليار دولار لحكومة مادورو، مع وقف جميع الحسابات الخاصة بالحكومة الفنزويلية. ومثل هذه التصرفات لا علاقة لها بالدفاع عن الديمقراطية أو أي قيمة انسانية، بل تدخل في إطار السياسات الامبريالية والاستغلال لثروات الشعوب، خاصة أن الاوضاع الاقتصادية في فنزويلا متدهورة أصلا، ومن شأن منع الحكومة الشرعية من التصرف في حقوقها المشروعة أن يزداد الوضع سوءا وتتدهور أحوال المواطنين، وحينها لن تنفعهم شعارات واشنطن ولا ضغوط أوروبا.
التناقض الرابع يتعلق برفض الدول المتشدقة بالديمقراطية وحقوق الانسان دعوات الحوار من أجل تسوية الأزمة ووضع البلاد على أول طريق الاستقرار. فبدلا من التجاوب ولو المشروط مع دعوة الرئيس مادورو للحوار مع المعارضة والوصول إلى تسوية تجنب البلاد خرابا أكبر، فإذا بالموقف الاوروبي كامتداد للموقف الامريكي يوجه التهديدات ويضع شروطا زمنية لا تتجاوز عدة أيام للدعوة الى انتخابات رئاسية.
وكأن المطلوب هو تأجيج الأزمة وتضخيم العقبات، وتوجيه الإهانات للرئيس المنتخب وإيجاد ذرائع لمزيد من التدخل في الشأن الفنزويلي. التناقض الخامس يتعلق بخدعة تمثيل المجتمع الدولى، فمنذ اللحظة الأولى لإعلان غوايدو نفسه رئيسا مؤقتا، ادعت إدارة الرئيس ترامب ان على مادورو الانصياع لمطالب المجتمع الدولي وترك منصبه فورا وإلا وسيواجه مصيرا مؤلما. وكما هو معروف ليس هناك مجتمع دولي موحد، ولكن استخدام التعبير من هؤلاء يستهدف الخداع والتأثير على الاطراف الأخرى بزعم أن ما تقوله واشنطن ومعها ثلاث أو أربع عواصم أوروبية هو مطلب العالم بأسره.
ولو كان ذلك صحيحا لرأينا عدد المؤيدين لانقلاب غوايدو يشمل العالم كله أو غالبيته العظمى، وهو ما لم يحدث، فلم يزد عدد مؤيدي انقلاب غوايدو عن عشر دول بما فيها ست دول أمريكية لا تينية تسير وفقا للهوى الامريكي، وليست كل دول الاتحاد الاوروبي مع تأييد غوايدو، وإفريقيا لم يصدر عنها أي تأييد سوى دولة وحيدة في الشمال.
وهناك دول مهمة تقف بالمرصاد للتدخل الأمريكي وتؤيد مادورو وتعتبره الرئيس الشرعي، كروسيا والصين وكوبا وغيرها، وغالبية دول أمريكا اللاتينية لاسيما مجموعة ليما ليست مع زيادة حدة الأزمة وتسعى إلى فرض صيغة حوار بناء.
…عن “الأهرام” المصرية