الرئيسية زوايا ثقافة وادب “الزوجة المكسيكية” لإيمان يحيى .. حكاية يوسف إدريس وروث تفتح نوافذ على...

“الزوجة المكسيكية” لإيمان يحيى .. حكاية يوسف إدريس وروث تفتح نوافذ على مصر الخمسينيات


الايام – بديعة زيدان:حين قرأ الروائي إيمان يحيى كتاباً حول يوسف إدريس للمستشرقة الروسية فاليريا كيربتشينكو يقوم على لقاءات متعددة بإدريس، بل إنه أرسل لها تسجيلات بصوته سبع ساعات عن الوقائع الحياتية وما في سيرته الشخصية، ما أثر على إبداعه وعلى قصصه، واكتشف مما جاء فيه أن رواية “البيضاء” كتبت من وحي زواج قصير غير معلن وغير معروف بين يوسف إدريس وروث دييجو ريفيرا ابنة فنان تشكيلي مكسيكي عالمي، أشعلت هذه المعلومة في رأسه الأفكار، وأثارت فضوله بشكل كبير، فكانت رحلة بحث طويلة، ممتعة ومُعذبة في نفس الوقت، كما وصفها، عن روث ريفيرا ويوسف إدريس، وما إذا كان هذا حقيقياً أم لا، ليرصد عبر قصة حب وزواج، حكاية مصر والعالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ما بين العامين 1952 و1954، في روايته “الزوجة المكسيكية”، الصادرة حديثاً عن دار الشروق المصرية، وتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، بوصولها إلى القائمة الطويلة.

وكان لافتاً أن الرواية توزعت على ثلاثة رواة تناوبوا على سرد حكايتهم وحكايتها على مدار الصفحات ما يزيد على ثلاثمئة صفحة، وفصول عدة كان مفتتحها مقاطع من رواية “البيضاء” ليوسف إدريس، ومن ثم سرد يتواءم وطبيعة المقطع المختار في “الزوجة المكسيكية”، حتى تبدو الثانية وكأنها تسير في ركب الأولى، أو تحت ظلالها.

والرواة هم “الدكتور سامي جميل”، وانتقل إلى العمل في الجامعة الأميركية بعدما سئم بيروقطراية وفساد الجامعات الحكومية، حتى بدأ هو وطالبته الأميركية “سامانثا” التي تدرس الأدب العربي بوحي من جدتها المصرية التي أورثتها عشق القاهرة، وخاصة “السيدة زينب”، هي التي تعد رسالة ماجستير حول “البيضاء”، واكتشفت حكاية زواج “الدكتور يحيى”، الشخصية المحورية في رواية يوسف إدريس، والذي تقمص دوره هنا، وهو الروائي الثاني هنا، من المكسيكية “روث دييجو ريفيرا”، ابنة الفنان المكسيكي العالمي الشهير بجداريّاته وتوجهاته الشيوعية كما يحيى أو يوسف إدريس، حيث استعانت “سامانثا”، كما جاء في الرواية، بصديقات روسيات ترجمن لها مقالاً بالروسية عن “البيضاء”، لتكتشف هذا الزواج القصير الذي كان ثمرة لقاء في مؤتمر حركة السلام للأحزاب اليسارية، ونظمه الحزب الشيوعي في فيينا العام 1952، ومثل إدريس أو “الدكتور يحيى” في الرواية، مصر في هذا المؤتمر.

واللافت أن رواية “البيضاء” بقيت ملتبسة تاريخ النشر وجغرافيته الأولى، فهناك من يتحدث عن العام 1954 أو 1955، فيما نشرت على حلقات في جريدة الجمهورية المصرية العام 1959 أو 1960، على اختلاف المؤرخين، هي التي أثارت غضب الشيوعيين من رفيقهم السابق يوسف إدريس، الذي اعتبره البعض عبرها يغازل سلطة جمال عبد الناصر، ويتبرأ من تاريخه الشيوعي ومن الحزب، خاصة أنها تنبأت في وقت مبكر بانهيار “الدولة الاشتراكية” و”هبوط الشيوعية”.

وحسب د. جابر عصفور فقد كان من الطبيعي أن يهاجم اليسار المصري يوسف إدريس على ما رَأَوْهُ سقطةً فادحة منه، وتخليًا كاملًا عن أصدقائه الذين لم يُراع مأساة وضعهم في سجون يلقون فيها التعذيب والموت، بينما يتنعم هو بحياة الرفاهية والأمن في أحضان السلطة الناصرية التي جعلته واحدًا من كُتابها البارزين بعد أن أفرجت عنه وأطلقت سراحه؛ لكي يطير حراً في عالَم الكتابة المصرية.

ويسلط الروائي في “الزوجة المكسيكية”، وعبر هذه الحكاية التي أزال التراب عنها، فكانت ككشف أثري نادر، عن الواقع المصري، خاصة في أعقاب ثورة يوليو، التي أطاح من خلالها “الضباط الأحرار” بالملكية في مصر، حيث الصراع على السلطة ما بين “الثائرين”، مع تسليط الضوء على ما طال الشيوعيين من اعتقالات لغالبية أصدقاء الدكتور يحيى، بل له نفسه لفترة اختلف المؤرخون على تحديدها بدقة، بينما استقر الروائي على كونها أحد عشر شهراً، خرج بها وقد طلّق السياسة، هو الكاتب الشيوعي الذي اضطر على ممارسة العمل السرّي بعد اعتقال كبار قيادات الحزب الشيوعي في تلك الفترة، وزجهم في سجون عبد الناصر، لذا نرى الرواية عجّت بالأحداث التي غاصت عميقاً في الحديث عن الاعتقالات، والتغول الأمني، والصراعات ما بين قادة الثورة، واختلافات الشيوعيين، ما انعكس على الحكاية الأم، أي زواج “يحيى” و”روث”.

توتر يحيى الشديد يدفعه ذات مرّة لصفع “روث” على وجهها، هي التي كانت تربكها أصلاً الأحداث الأمنية والسياسية غير المستقرة في مصر، فتقرر إثر ذلك على مغادرة القاهرة رفقة والدتها عائدة إلى مسقط رأسها في مكسيسكو سيتي، لتدير بعد رفض “يحيى” مرافقتها، أعمال والدها، وتصبح واحدة من أشهر نساء المكسيك، قبل أن يقضي عليها مرض السرطان قبل أن تكمل النصف الأول من أربعينياتها، مخلفة عدداً من الأبناء ثمرة زيجتين، يقال إن الأكبر قد يكون ابن “يحيى” أو يوسف إدريس، دون أن تؤكد الرواية ذلك أو تنفيه.

وكان لافتاً أن الروائي هنا اعتمد تقنية جديدة لإعادة إحياء “البيضاء” بشخوصها، عبر تعدد الرواة الذي منح الرواية روحاً خاصة، جعلت من “الزوجة المكسيكية” رواية شائقة وسلسة دون وهن أو عطب، بل كانت سلاستها غير المسطّحة من علامات تميزها وقوّتها، فكلٌ هنا يروي قصته بنفسه، سواء أكان سامي، أو يحيى، أو روث، والأخيران تبادلا أحياناً الرواية عن ذات الحدث، وهو ما حمل مغايرة في الرؤية السردية للرواية.

وشدد الروائي على أن هذه العلاقة أو الحكاية ما بين “الدكتور يحيى” أو يوسف إدريس وما بين “روث” كانت بمثابة نافذة على العالم ومصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في الفترة ما بين العامين 1952 و1954، لذا فهي ليست قصة حب وزواج فحسب، بل هي حكاية مصر والعالم في تلك السنوات، فهي رواية بالتالي عن صراع ما بين ثقافتين مختلفتين، وطموحين، وجانبين من المشاعر، وسط أجواء سياسية مرتبكة في مصر، ومأساة تعصف بعائلة “روث” في المكسيك”، كما كانت رواية حول الصراع ما بين ديمقراطية ودكتاتورية، وما بين المثقف الموالي والمثقف المعارض، وغير ذلك من الجدليات.

“ثلاث سنوات انتقلت فيها مصر من مسار إلى مسار. تحدد فيها مصيرها، وشكلت الأقدار طريقها عبر الأحلام الكبيرة والألم الدفين. اليوم، عندما أنظر إلى تلك السنوات، تصدمني حقيقة، أن النهايات ارتبطت بالبدايات. خدعتُ نفسي عندما استسلمت لفكرة مفادها أن الاستبداد المؤقت قد يفضي إلى العدل والتحرر. الهزيمة التي نلناها كانت قاسية، وكان أقسى منها خداع النفس. تنازلنا عن حريتنا كأفراد وتيارات، وجعلناها قرباناً لتحقيق الاستقلال والعدل الاجتماعي وحرية الأوطان، وفوجئنا بعد سنوات باحتلال البلد من جديد”.

Exit mobile version