
نتنياهو قال علانية قبل عامين أنه سيفاجيء العالم من خلال اختراق علاقات اسرائيل للدول وخاصة العربية منها! كثيرون لم يصدقوا وكثيرون ما زالوا يرفضون التصديق؛ من المهم أن ندرك أن نتنياهو يبالغ ويُضخم من واقع حجم العلاقات وهذا ظهر جلياً في تعليقاته الأخيرة المتعلقة بإعارته ‘الميكروفون’ في وارسو.
من الضروري أن نلاحظ أن الدول الأوروبية العظمى باستثناء بريطانيا غابت عن مؤتمر وارسو بتمثيل رسمي على مستوى وزراء الخارجية، تماماً مثل مشاركة جمهورية مصر العربية اَي العمق العربي في هذا المؤتمر حيث أن المقاطعة العربية للمؤتمر تمنح إسرائيل ذريعة للترويج بأن العرب يرفضون السلام، ويعطيها الفرصة للشروع في إجراءات أحادية تزيد الموقف الفلسطيني تأزماً! بالرغم من مغالاة نتنياهو ومحاولاته لتضخيم شكل العلاقات، إلا أن الواقع المرئي بالعين المُجردة للشعب ما هو إلا إثبات لمحاولات نتنياهو وضغوطات دونالد ترامب لإنهاء عصر مقاطعة وعزلة إسرائيل، لقد عملت اسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية بقوة دبلوماسية وبنفس غير منقطع لتوطيد علاقاتها مع دول العالم وبالتحديد مع دول الإقليم ونرى أن الإدارة الأمريكية ونتنياهو أقنعوا العالم حتى الدول العربية بأن الخطر الحقيقي في المنطقة هو إيران واستطاعوا أن يوجهوا اهتمام الدول للخطر الإيراني.
اليوم سنتناول تركيبة مجلس الأمن الجديدة ونحاول تحديد مصالح الدول أتتحقق من خلال تعميق العلاقة مع إسرائيل أم من خلال التعاطف مع فلسطين واحترام القانون الدولي ؟
لا يهدف مقال الْيَوْم لإعطاء إجابة قطعية بقدر توعية الجمهور الفلسطيني بواقع العلاقات الدولية وما يحكمها من مصالح!
في العام ٢٠١٩، تبقى كل من غينيا وساحل العاج والكويت وبولندا والبيرو في عضوية مجلس الأمن ثم تلحقها عام ٢٠٢٠، كل من بلجيكا وجنوب أفريقيا وألمانيا وجمهورية الدومينيكان وإندونيسيا.
لن نتحدث عن الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا والصين) لأن علاقاتها التجارية والدبلوماسية وأهدافها في المنطقة جلية بقوة علاقاتها وانحيازها لاسرائيل.
غينيا مثلاً كانت دليلاً علً تصريحات نتنياهو فبعد ٤٩ عاماً من القطيعة، بعد أن كانت غينيا من أوائل الدول الإفريقية الإسلامية التي قاطعت اسرائيل بعد حرب ١٩٦٧ إلا أنها في العام ٢٠١٦ أعلنت عن استئناف العلاقات الدبلوماسية. وهذا الاختراق في العلاقات بين البلدين جاء بعد مكافحة وباء إيبولا الذي أصاب غينيا وكانت إسرائيل إحدى الدول البارزة من بين الدول المتبرعة لصندوق الأمم المتحدة لمكافحة إيبولا، كما أرسلت إسرائيل إلى غينيا، عيادة متجولة لتشخيص المصابين بالمرض، وتقديم العلاج الطبي. وتقيم إسرائيل، حاليا، علاقات مع ١٦ دولة أفريقية، كما أن رجال أعمال إسرائيليين يستثمرون في دول أفريقية لا تقيم علاقات مع إسرائيل. أما بالنسبة لساحل العاج فهي أيضاً من دول أفريقيا الغربية التي أخترقتها اسرائيل بعد المشاركة في قمة العام ٢٠١٥ للإيكواس وهناك استثمارات واسعة لرجال أعمال اسرائيليين في ساحل العاج ويجمعها تبادل تجاري وطيد.
حتى إندونيسيا، الدولة الأولى التي اعترفت بفلسطين عام ١٩٨٨ وما تزال علاقاتها الدبلوماسية منقطعة مع اسرائيل إلا أن العلاقات التجارية عميقة والبضائع الإسرائيلية موجودة بأريحية على رفوف المحال التجارية في إندونيسا ! بالرغم من أن موقف إندونيسيا السياسي الرسمي هو أن فتح العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل مشروط بالتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧ إلا أن التبادل التجاري عميقة وفي تطور مستمر بين رجال الأعمال في إندونيسيا وإسرائيل.
جنوب إفريقيا بشكل عام علاقاتها إيجابية تجاه الفلسطينيين لا بل أن علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل متوترة دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني وهي من أبرز المناصرين لحركة المقاطعة. إلا أن حكومة نتنياهو مستمرة وتحاول التودد لجنوب أفريقيا للتعاون في مجالات المياه والزراعة والتكنولوجيا.
بلجيكا وألمانيا وبولندا مواقفها واضحة ومتوافقة مع موقف الإتحاد الأوروبي مجتمعاً بتأييد حل الدولتين للصراع من خلال الدعم الشفوي وهي دول لا تجرؤ للوقوف في وجه الإملاءات الأمريكية وعلاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع اسرائيل في تطور مستمر. وتتميز علاقة بولندا بإسرائيل عن ألمانيا وبلجيكا كونها جزء من تحالف الڤايسغراد المنحاز تاريخياً لإسرائيل وكان آخر احتضان لمؤتمر أمريكي في وارسو ومناقشة قضايا الشرق الأوسط دون مشاركة رسمية فلسطينية أكبر دليل على سيرها وراء مصالحها مع اسرائيل مع تجلي الضغط الأمريكي.
أما جمهورية الدومينيكان، فهي تحترم القانون الدولي فيما يتعلق بالحق الفلسطيني في القدس الشرقية ولكن خلال الأعوام السابقة ازدهرت علاقاتها مع اسرائيل بصورة كبيرة جداً وهذا بتطلب مزيداً من العمل في القارة اللاتينية لتوطيد العلاقات لخدمة مصالحنا الوطنية من خلال التصويت في هذا المجلس. أما البيرو فهي ملتزمة بالقانون الدولي وقرارات الجمعية العامة فيما يتعلق بالقدس وحل الدولتين إلا أن هناك أصوات برلمانية منحازة لاسرائيل. تبقى الكويت من الدول العربية الصديقة والتي تقف باستمرار في الساحات الدولية وفي مجلس الأمن بالتحديد من خلال تقديم مشاريع قرارات إلا أن الكويت حديثاً شاركت في مؤتمر وارسو بوجود اسرائيلي على الطاولة.
بالرغم من ذلك كله ما زالت دول العالم تصوت بغالبية عُظمى لصالح الحقوق الفلسطينية في الجمعية العامة مقارنة بمجلس الأمن الذي يحكمه الڤيتو الأمريكي. حان الوقت لنا كفلسطينيين أن ندرك بأن حقيقة الإنقسام الفلسطيني وعدم قدرة الفصائل على إعادة الوحدة تبقى عاملاً أساسياً ومهماً لنجاح نتنياهو الذي يقوم بتعميق وتغذية هذا الانقسام من خلال الأموال التي يسمح بدخولها لقطاع غزة مباشرة وبهذا عَكسَ نتنياهو للعالم أن الفلسطينيين غير قادرين على حل مشاكلهم الداخلية، دول العالم تجري وراء مصالحها وحان الوقت لنا أن نحقق مصلحتنا الوطنية من خلال إنهاء الانقسام.