
خاص دنيا الوطن – صلاح سكيك /كلّف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الدكتور محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة.
ومنذ أن قبِل الرئيس عباس، استقالة حكومة رئيس الوزراء رامي الحمد الله، نهاية شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، ظل اسم محمد اشتية، يتردد كثيرًا في الأوساط السياسية الفلسطينية، وكان هو المرشح الأول لشغل منصب رئاسة الحكومة، رغم أنه سبق وأن نفى أنباءً كثيرة، أفادت بأنه المرشح الأبرز والأوفر حظًا بين كل نظرائه في اللجنة المركزية لحركة فتح.
كان الحديث عن تنافس شديد، بين أعضاء مركزية فتح، فطرح اسم صائب عريقات، لكن سرعان ما نفى ذلك جملة وتفصيلًا، ثم قيل إن محمود العالول اقترب من رئاسة الحكومة، ولكن مقربين منه نفوا ذلك، ثم نفى جبريل الرجوب، في لقاء تلفزيوني، أن يكون له أي نية بشغل منصب رئاسة الوزراء.
أيضًا تم في أحيان كثيرة، طرح أسماء حسين الشيخ، وعزام الأحمد، وأيضًا صبري صيدم، لكن كل الطرق كانت تؤدي إلى أن اشتية، هو المرشح الأبرز، إلى أن وصلنا في نهاية المطاف، بالتكليف الرسمي، الذي انفردت به “دنيا الوطن” قبل كل وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، حيث أعلنت عند الساعة 11:17 من صباح الأحد، أن أبو مازن سيُكلف اشتية ظهر الأحد، بتشكيل الحكومة، وهذا ما حدث بالفعل.
وقبيل الخوض في هذا التقرير، لا بد من التعريج على مواقف بعض الفصائل الرئيسية على الساحة الفلسطينية.
قالت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح): “ان قرارالرئيس محمود عباس، تكليف عضو لجنتها المركزية، محمد اشتية، رئيساً للوزراء يشكل وثيقة وطنية حول أولويات العمل الوطني في المرحلة الراهنة”.
وأضافت فتح، في بيانها: “أن إشارة قرار التكليف في البند الأول منه إلى تكليف الحكومة الجديدة بالعمل على استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة غزة إلى الشرعية الوطنية، وتكليف الحكومة بالعمل على تنظيم انتخابات عامة في المحافظات الجنوبية والشمالية والقدس، يعكس إصرار الرئيس أبو مازن على إنجاز الوحدة الوطنية، وتنظيم الانتخابات”.
مريم أبو دقة، عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية، أكدت، أن موقف الجبهة، أنها ليست ضد أي شخص أو أن يكون مرتبطاً بشخص معين، وأنما خيارها المُفضل هو الذهاب نحو حكومة وحدة وطنية، تجهز لانتخابات شاملة، حسب الاتفاقات الموقعة.
وتقريبًا توافق هذا الموقف للشعبية، مع موقف الجبهة الديمقراطية، والتي قالت عبر محمود خلف، عضو اللجنة المركزية للجهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إنها مع تشكيل حكومة وحدة وطنية من كافة الفصائل، بسقف زمني محدد، للإعداد لانتخابات شاملة في الضفة وغزة والقدس.
لكن في ظل الوضع الحالي على الساحة الفلسطينية، والتراجع الذي طرأ على قضية الفلسطينية، نتيجة صراعات الإقليم، وتغير الأولويات في العالم، هل ستكون الحكومة الجديدة، بمثابة الخلاص لمشاكل الفلسطينيين، لا سيما الأزمات الاقتصادية، نتيجة العقوبات الأمريكية، والابتزاز المالي الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية؟.
وأيضًا، هنالك خطوط عريضة، لا بد من تناولها في هذا التقرير، أولها، هل ذاهبون إلى انفصال، وتحديدًا في قطاع غزة، ففي السابق، حركة حماس هددت بإعادة لجنتها الإدارية، ما دعا مسؤولين في حركة فتح للقول: إن هذا هو الانفصال الذي تعمل عليه حماس، إضافة للسير مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمعروفة إعلاميًا بـ (صفقة القرن).
وهنالك تساؤل مهم، وهو كيف سيتعامل الإقليم مع حكومة اشتية، وتحديدًا مصر التي تتولى رعاية ملف المصالحة ما بين حركتي فتح وحماس، والسؤال التالي، هل تبقى أي حديث عن المصالحة، وما هو أفق المصالحة في عهد اشتية؟
ويظل السؤال الأهم، كيف ستتعامل حركة حماس، “المسيطرة على قطاع غزة”، مع حكومة اشتية، وهل ستعطي لبعض وزرائها المفترضين من قطاع غزة، كامل الحرية ليعملوا في وزاراتهم، وماذا لو قرر اشتية، استلام مهامه من داخل القطاع، ماذا سيحدث؟
القيادي في حركة حماس، أحمد يوسف، أوضح أن حركة حماس في الضفة الغربية، ستتعامل مع حكومة اشتية، بنفس تعاملها مع حكومة الحمد الله.
وأضاف يوسف لـ”دنيا الوطن”: “لن يتغير الوضع كثيرًا على حماس وأنصارها في الضفة، بل سيبقى الوضع على ما هو عليه، مشيرًا إلى أن قيادة الحركة هنالك، ستلتزم الصمت، ولن تدخل في صراع مع النظام الحالي، ممثلًا بالسلطة الفلسطينية.
ومدح يوسف، اشتية، وأنه يشهد له بالاطلاع والتفوق والنجاح، ويمتلك الكثير من الوعي السياسي والفكري، مضيفًا: “اشتية شخصية من زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات، والجميع يشهد له، لكن التعيين بهذا الشكل غير الوحدوي، لن يعطي أي شرعية لهذه الحكومة.
وأضاف: “أعتقد أن هذه الحكومة ستخدم مصالح حركة فتح، ولن تعمل لصالح الكل الفلسطيني، لذا فحركة حماس لا تُعوّل عليها كثيرًا، بل خيار حماس الدائم هو الوحدة الوطنية، والشراكة السياسية، وعدم الإقصاء”، داعيًا اشتية، لضرورة استقدام، واستجلاب شخصيات جديرة، ولها ثقل سياسي، ولا تعمل على توتير الساحة الفلسطينية.
وعما إذا قرر اشتية زيارة قطاع غزة، ضمن مهام عمله الوزاري الجديد، وهل ستسمح له حماس بذلك، قال القيادي أحمد يوسف: “أهلًا بالأخ محمد اشتية في قطاع غزة، ونحن لا نمنع أحدًا من الدخول، وغزة ليست ضيعة، بل جزء من هذا الوطن”، مؤكدًا في الوقت ذاته، أن غزة وحماس رحبوا برئيس الوزراء السابق رامي الحمد الله، واستقبلته بالورود، فالعاطفية تغلب على أهل غزة، رغم آلامهم وجراحهم.
حكومة ليست مناطقية
القيادي في حركة فتح، عبد الله عبد الله، قال: كانت إسرائيل من جهة وحركة حماس، من جهة أخرى، يعملان لإسقاط حكومة الحمد الله، لذا ونتيجة التعقيدات التي وضعت أمام الحكومة السابقة، كان لا بد من الولوج إلى حكومة جديدة، يرأسها شخصية قوية من اللجنة المركزية لحركة فتح، وكان الخيار هو محمد إشتية.
وأشار عبد الله، خلال حديثه لـ”دنيا الوطن”، إلى أنه رغم أن حماس، لا تريد حكومة التوافق، ولا تريد حكومة وحدة وطنية، وكذلك تهاجم حكومة الفصائل حتى قبل تكليفها، إلا أن الحكومة الجديدة ستمثل الكل الفلسطيني في القدس، والضفة، وغزة، والشتات، ولا يمكن أن تمثل تنظيمًا واحدًا، أو منطقة بعينها دون الأخرى، بل هي حكومة الكل الفلسطيني، داعيًا حماس، لضرورة إفساح المجال لاشتية كي يعمل، ويخرج الوضع المأساوي الذي وضع فيه الغزيون، طوال 12 عامًا.
وعن فرص نجاح اشتية، في الوصول إلى بر الأمان في هذه الحكومة، أكد عبد الله، أنه من غير المنطقي، إصدار الأحكام واستباق الأمور، لكن المطلوب من كوادر فتح، والمجتمع المدني، والسياسيين، والاقتصاديين، وعامة الشعب الوقوف بجانبه.
وتابع: الموظفون عليهم أن يساندوا هذه الحكومة، ويقتنعوا بنصف الراتب الذي سيتم صرفه لهم خلال الأشهر المقبلة، لا سيما وأن الفلسطينيين الآن في دائرة الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي المباشر.
موقف مصر من حكومة اشتية
بدوره، أكد عضو مجلس النواب المصري، سمير غطاس، أن علاقات اشتية مع الإقليم، ستنعكس إيجابًا على حكومته، خصوصًا العلاقات مع جمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية.
وقال غطاس لـ”دنيا الوطن”: إن الرئيس الفلسطيني، اختار “التكامل”، فعلى حد تعبيره، اشتية، يمتلك كل جوانب الشخصية الناجحة المجتهدة، سياسيًا، واقتصاديًا، وتنظيميًا، وفصائليًا، وشعبيًا، وإقليميًا، مشيرًا إلى أن أعمال الحكومة الجديدة ستكون تحت ثلاث مهام، وهي: استعادة قطاع غزة، وإجراء انتخابات فلسطينية، بالقدس والضفة وغزة، والخروج من الوضع الاقتصادي شديد السوء، وتوفير شبكة أمان عربية؛ لعدم تدهور السلطة ماليًا.
وأضاف غطاس، أنه في مقابل ذلك، تقوم حركة حماس، بشيطنة أي شخص، وتخوّن أي قيادي من خارجها، فلا قبلت بحكومة توافق، ولا حتى بحكومة وحدة، وترفض المصالحة، من أجل حفنة من الدولارات.
وعن تمثيل قطاع غزة، في حكومة اشتية، أكد أن حماس ستمنع أي غزاوي من المشاركة بهذه الحكومة، وستفعل المستحيل لإسقاطه، متسائلًا: “إذا الحكومة التي خرجت من بيت إسماعيل هنية، وكانت مشاركة فيها، لم تُمكنها حماس، هل ستسمح بحكومة أخرى؟ هذا مستحيل أن يحدث وفق البرلماني المصري.
المصالحة في عهد اشتية
وفيما يتعلق بفرص المصالحة، بعد وصول اشتية لرئاسة الحكومة، قال الكاتب والمحلل السياسي، مخيمر أبو سعدة: إن المصالحة حتى قبل وصول اشتية، هي واصلة إلى طريق مسدود، وخاصة بعد فشل حوارات موسكو.
وأضاف أبو سعدة لـ “دنيا الوطن”، أن ملف المصالحة لربما ذاهب باتجاه الأسوأ، هذا لو كان أصلًا قد تبقى حديث عن المصالحة، متابعًا: من البداية، توقيت إقالة الحكومة السابقة، وتشكيل حكومة جديدة، لا يُبشر بخير”.
وعن إمكانية رجوع حماس، لتشكيل لجنتها الإدارية، أكد أن هذا الخيار ضمن خيارات كثيرة لدى حماس، مستدركًا: “لكن في حال عودة حماس للجنتها الإدارية، سيتم فرض إجراءات جديدة ضد قطاع غزة، ومن الأساس بدأت الإجراءات بغزة، في الأول من نيسان/ أبريل 2017، عندما قامت حماس بإعادة تفعيل لجنتها الإدارية”.
وتابع: سيُفهم من إعادة تفعيل حماس لهذه اللجنة، مزيدًا من الشرذمة والانقسام والفرقة، لذا فان حماس لا تريد أن تخسر بعض العلاقات التي قامت بترتيبها مؤخرًا مع الفصائل الفلسطينية من جهة، ومع جمهورية مصر العربية، من جهة أخرى؛ من أجل لجنة إدارية.
وعن كيفية تعامل مصر مع حكومة اشتية، قال أبو سعدة: إن القاهرة تتعامل مع عنوان الشرعية الفلسطينية، ممثلًا بالرئيس أبو مازن، لذا ستتعامل مع اشتية وحكومته، على أنها حكومة السلطة الفلسطينية، والرئيس عباس.
هل تقبل حماس إجراء انتخابات برلمانية فقط؟
وفي قضية تزامن تكليف اشتية بتشكيل الحكومة، مع حراك مشاورات إجراء الانتخابات، تحدث الكاتب والمحلل السياسي، ناصر اليافاوي عن ذلك، قائلًا: إن الرئيس أبو مازن، نجح في تنفيذ أحد الخيارات، وهو تكليف اشتية، ويريد تنفيذ الخيار الثاتي وهو الانتخابات البرلمانية، مرجحًا إجراء الانتخابات، وأن تُذعن حماس لها وتشارك بها، لأنه لا خيارات أمامها.
وذكر اليافاوي لـ”دنيا الوطن”، أنه رغم مماطلات حماس في تنفيذ ما هو مطلوب منها، إلا أن الانتخابات تمثل طوق نجاة لها، في ظل الوضع الراهن داخليًا، واقليميًا، مبينًا أنه لن يتفاجأ اذا ما قررت قيادة حماس، المشاركة في الانتخابات، بل وأن مصر ضغطت على الحركة كثيرًا من أجل أن تتماهى مع بعض المواقف.
ولفت إلى أن حركة حماس في الآونة الأخيرة، أعطت نوعًا من المرونة، في قضية الانتخابات، فقبل عامين، كان خليل الحية، مثلًا، يُشدد على أن انتخابات المجلس الوطني، هي الأهم، لدى حركته.
وأضاف اليافاوي، أن حماس اليوم تقول إنها تريد انتخابات برلمانية، ورئاسية، لكن مع تشدد موقف السلطة، واصرارها على انتخابات برلمانية فقط، فإن حماس سترضخ لذلك، وستذهب في النهاية لانتخابات برلمانية، وتقبل تأخير انتخابات الرئاسة.
وأشار إلى أن أي انتخابات قادمة، لن يكون فيها خاسر وفائز، وانما سيكون هنالك نوع من التوازن في النتائج، لا سيما بين الحزبين الأكبر على الساحة فتح وحماس، وسيدخل تيار ثالث، ربما يكون أكثره “مستقلون” وهؤلاء سيحملون أفكارًا علاجية، اقتصادية، أكثر من الجانب السياسي الجامد، معتبرًا أن نتائج انتخابات 2006، لن تتكرر، بل سنرى خليطًا سياسيًا تحت قبة البرلمان المقبل.
وعن تزامن تكليف اشتية، مع محاولة الاغتيال التي تعرض لها أحمد حلس، عضو مركزية فتح، يوم الجمعة الماضي، شدد اليافاوي، على أنه لا يوجد أي صلة بين الحدثين، فتكليف اشتية، كان متوقعًا، ومحاولة اغتيال حلس، ستزيد التعاطف معه، ومع القيادة الفلسطينية، على حد تعبيره.