تتصاعد في الولايات المتحدة، رغبة جارفة من بعض الخبراء والمختصين بالسياسة الخارجية، من أجل إيجاد رؤية متطورة للاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، وعلاقاتها بدول العالم، لفترة ما بعد ترامب.
هذه الرغبة تستند أساساً إلى عقيدة لدى الكثيرين منهم، بأن تحافظ أمريكا على مكانتها كقائدة للعالم، وسط شواهد تشير إلى أن مركز القيادة الذي كانت تستحوذ عليه، يمكن أن يتراجع، لتُشاركها فيه، قوى أخرى صاعدة، نتيجة أسباب عديدة، من بينها أو آخرها، سياسات ترامب، التي أوجدت فجوة في العلاقات بين أمريكا وحلفائها، وسببت حالة من التباعد بينها وبينهم، نتيجة تكرار انتقادات ترامب لحلف الأطلسي، ومطالبته الدول الأعضاء بزيادة معدلات إنفاقها على الشؤون الدفاعية، بحجة أن أمريكا تتحملها نيابة عن هذه الدول. وهو ما جعل خبراء أمريكيين يقررون أن دول الحلف تمثل سنداً لتقوية وحماية المصالح الأمريكية، وإن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تواجه منفردة التحديات لأمنها القومي، سواء ما يخص التصدي للإرهاب، أو في قضايا كثيرة، مثل إيجاد تسوية للمواجهة طويلة المدى مع كوريا الشمالية، كما أن بلوغ هذه التسوية لا يتم إلا بمساعدة الصين، في حين أن الحرب التجارية من جانب ترامب في اتجاه الصين، من شأنها عرقلة وقوف الصين إلى جانبه في هذه المسألة.
وإن كانت سياسات ترامب لا تتحمل وحدها المسؤولية الكاملة عن قلق الخبراء الأمريكيين، لأنه قد سبقتها سياسات تلاحقت في عهود رؤساء سابقين، عقّدت هذه المشكلة.
وهناك زاوية أخرى، يطل منها الخبراء، من وقت لآخر، على انعكاسات سياسات ترامب على مصالح الأمن القومي، هي البدايات الأولى لخلق تيارات الإرهاب، التي تفشت في الدول الأوروبية، ووصلت كذلك إلى الولايات المتحدة، والتي كانت من تبعات الفوضى التي عمت دول الشرق الأوسط، وكان من نتائجها المثيرة للقلق، تدفق موجات اللاجئين من هذه المنطقة إلى أوروبا تحديداً. وهي ظاهرة تشغل بال دول أوروبا جميعها، وكذلك أمريكا.
وإذا كانت الدوائر الرسمية الأمريكية، قد تعمدت أن تنفي صلتها بتلك البدايات، وتصور الفوضى وكأنها نتاج ظروف داخلية في دول المنطقة، إلا أن دراسات أمريكية عديدة، سياسية وأكاديمية، تؤكد بالمعلومات الموثقة، أن زرع الفوضى في هذه المنطقة، قد تم بناء على سياسات جرى التخطيط لها، من أجل خدمة أهداف استراتيجية أمريكية. لتغيير أوضاع دولها، لتصبح تحت إمرة المصالح الأمريكية وفي خدمة أهدافها.
ولا ننسى ترديد كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في إدارة بوش، لعبارات «الفوضى الخلاقة»، كمبرر لتغيير المنطقة إلى الأفضل من وجهة نظرهم. وما كشفت عنه مصادر أمريكية موثوق بها، من أن أوباما استلهم بعض مكونات استراتيجية بوش، لاستمرار العمل بنظرية الفوضى، وتغيير الأنظمة.
وطبقاً لتقديرات جاكي سوليفان الذي كان مديراً للتخطيط السياسي بوزارة الخارجية، في إدارة أوباما، فإن بعض المراقبين استخلصوا من متابعتهم للأحداث، أن الفوضى في الشرق الأوسط، وما نتج عنها من أوضاع «اللانظام»، كانت بمثابة تحول يمكن أن يهدد النظام العالمي بكامله. وهو النظام الذي مازالوا يعتقدون بأهمية أن تظل قيادته للولايات المتحدة.
يرتبط بذلك أيضاً تقديرهم، بأن تحقيق هذا الهدف، يحتاج بالضرورة إلى إعادة تقييم ما تواجهه الولايات المتحدة من تحديات جديدة، ومن حقائق وفرص جديدة في مناطق العالم المختلفة، وهو ما يلزمها اتباع توجهات سياسية تراعي هذه المتغيرات، وتتواءم معها. وإن أخطار هذه التحديات لم تعد تنحصر داخل مناطقها الإقليمية، التي كانت قد نشأت فيها من البداية، بل صارت عابرة للحدود، وتصل تهديداتها إلى الجميع.
وإن مما ينبغي التنبه إليه، وعلاجاً لبعض ما ترتب على سياسات ترامب من تراجع ثقة الحلفاء والأصدقاء بالتزام أمريكا الوقوف إلى جانبهم، فإنه يستلزم بذلك جهود لإقناع الدول والحكومات والشعوب في أنحاء العالم، خاصة الحليفة والصديقة للولايات المتحدة، بأنها ملتزمة بأمن هذه الدول، في إطار تبادلية المصالح، وليس أولوية مصالح أمريكا على مصالح الآخرين.
هذه رؤية قطاع مهم مما يسمى بمجتمع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، لكن هذا لا ينفي أن هناك توجهات ثابتة للسياسة الأمريكية، جرت ممارستها على أيدي رؤساء مختلفين، وليست مقصورة على عهد رئيس بعينه، لعل أبرزها خطط الفوضى، وتغيير الشرق الأوسط من داخله.. وهنا نصبح نحن ملزمين بأن يكون لدينا وعي بما يتقرر هناك، وأن نعي ما يؤدي إليه كل ذلك حاضراً ومستقبلاً.
