الرئيسية زوايا ثقافة وادب “بلا حدود” البريطاني .. مقاومة العنصرية بعرض راقص عميق!

“بلا حدود” البريطاني .. مقاومة العنصرية بعرض راقص عميق!


الايام – يوسف الشايب: في الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات “البريكست” تشغل الرأي العام البريطاني، ما بين مؤيد ومعارض، ومتحفظ على التأييد أو المعارضة، وما بين تأجيل، وتأجيل محتمل، جاء العرض الراقص “حكايات الحدود” للمصمم والمخرج لوكا سيلفستريني، وفرقته البريطانية الشهيرة “بروتين”، في خامس أيام مهرجان رام الله للرقص المعاصر، وتنظمه سرية رام الله الأولى.

ينطلق “حكايات الحدود” برقصة بين شخصين، تبدأ كمحاولة بلهاء ولربما خرقاء في التحية، مع تحول الإحراج تدريجياً إلى دفع كل منهما للآخر، في تجسيد راق ومعبّر دون الحاجة إلى كلمات، لكيفية إمكانية تغيير المواقف نتيجة لسوء الفهم، وهو مؤشر على المستوى الرفيع حقاً للرقص، وهو المستوى الذي حافظ راقصو “بروتين” عليه، طوال العرض، ما بين الحفاظ عليها في جميع أنحاء بقية الأداء.

وتتخلل “الكوريغرافيا” المعاصرة بعض التحركات التقليدية من الثقافات العديدة الممثلة والمتمثلة على خشبة المسرح، في عرض يبدو كمشرحة لتعاطي المجتمع البريطاني مع تكويناته ذات الأصول المتعددة.

على الرغم من أن البداية خلت من الكلمات، إلا أن هناك حواراً وتلقياً تعبيرياً مستمراً لخطوطهم الحركية مع الاستمرار في الروتين النشط، وأحياناً مخاطبة الجمهور مباشرة.

النقطة المهمة الأخرى هي موسيقى أندي بينك، وأداء الموسيقي الكولومبي أنثار كرانا الذي شارك أيضاً في الرقص على طول الطريق، حيث قدّم مرافقة مثالية.

يصف المنشور الذي تم توزيعه على الجمهور عرض “حكايات الحدود” بأنه تعبير جسدي عن تعليق مؤثر حول التفكير النمطي السائد تجاه المهاجرين الأجانب من قبل المواطنين المتعصبين.

إن شخصية آندي التي ترمز لـ”الوطن المتعصب”، وقدمت لنا في صورة كليشيهات لـ “بلوك نورثرن” الذي من الواضح أن لديه قضاياه الخاصة التي لم يتم استكشافها.. يبدو أن تمثيل آندي بهذه الطريقة يفعل الشيء ذاته الذي تنطلق منه “حكايات الحدود” لانتقاد تجارب بقية الشخصيات.

في بعض النواحي، يقدم سيلفستريني أيضاً آندي كضحية، من خلال هبوطه البطيء إلى اضطراب عقلي من صنعه، محاولاً، دون أن يوفق بتقديري، وربما عن قصد، في ذلك، فالتعصب المتأصل هنا توفق على ادعاء تقبل التعددية الثقافية والعرقية والدينية والذي بدا كابتسامة زائفة.

يستند العرض بشكل فضفاض على محورية حفل استضاف فيه آندي “مجموعة من الغرباء”، بحيث يظهر ضيوف الحفلات من الراقصين، ليتحدثوا للجمهور لفظاً وجسداً عن بعض السلوكيات التي عانوا جرّاءها .. يتضمن ذلك مجموعة من الأسئلة والتعليقات غير المبررة التي يخرج بها الأشخاص أحياناً، منها السؤال حول ما إذا كان أحدهم لندنياً حقاً أم لا، وكأنه تفسير لطبيعة ما قدمته الأجساد دون كلمات.

في النهاية، ثمة ما يكشف أن الافتراضات الخاصة بالآخرين تحملها كل شخصية من الشخصيات. لست متأكداً من أنها كانت مقصودة، لكنها أثارت تساؤلات حول مدى نبوءة تحقق ذاتها عن وعند التجارب السابقة.

ولكونها تأتي في زمن يتحول فيه البريطاني مع انفصال بلاده عن الاتحاد الأوروبي، إلى مهاجر في دول أوروبا التي لا تزال متحدة، فإن لوحات عرض “حكايات الحدود” تستحق المشاهدة بسبب قوتها، وبسبب تمثيل الموسيقى والرقص للأحداث والسلوكيات، ولكونها قابلة للإسقاط والتأويل على حالات عدة، لاسيما فلسطين، التي قدم إليها لوكا سيلفستريني أكثر من مرّة، ونهل من حكايات أهلها المهّجرين داخل وطنهم، ولاسيما في مخيمات اللاجئين، واستفاد منها في عرضه هذا، الذي قدم أمام مجموعة من الأجانب والفلسطينيين، لربما، أو حتماً كان بينهم مهجّرين يعانون التهميش ليس من أصحاب الوطن المتعصبين، بل من المهاجرين المغتصبين لأراضي ومنازل وحيوات أصحاب الأرض، ليبقى العرض واحداً من أبرز عروض المهرجان، وأكثرها عمقاً.

Exit mobile version