الرئيسية زوايا ثقافة وادب الجسد في العالم العربي .. ما بين الرقص والثورة والسياسة والمجتمع!

الجسد في العالم العربي .. ما بين الرقص والثورة والسياسة والمجتمع!


الايام – يوسف الشايب:”الجسد بالنسبة لي هو البوابة التي من خلالها أعبر عما في داخلي من مشاعر .. الجسد يتمتع بإمكانيات هائلة للتعبير، فعبر جسدي، وفي العمل الأخير لي حاولت، وربما نجحت، في التعبير عن ذاكرتي في الحرب، وما حدث معي أو معنا، هذه الذاكرة المترسبة والراسخة في أجسادنا التي هي بدورها لا تزال تحمل ترسبات الماضي، وكأن هذا الماضي مطبوع داخلها .. مع الوقت بت أؤمن بجسدي وقدراته أكثر فأكثر، وبتّ على قناعة بأن الجسد العربي قادر على إيصال صوت الشعوب إلى العالم من بوابة الرقص بمختلف أنواعه، ومنه الرقص المعاصر، بل يمكن أن يكون أكثر فعالية في خدمة المجتمع” .. هذا ما قاله الراقص الفلسطيني المقيم في باريس، نضال عبدو، خلال مداخلته في مؤتمر الرقص والمجتمع، الذي انتظم، مؤخراً، ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجان رام الله للرقص المعاصر، وتنظمه سرية رام الله الأولى، وناقش موضوع “الجسد في الوطن العربي”.

وفيما استعرضت الجزائرية نجمة الحاج بن شلبي، نماذج متعددة من الدول العربية على توظيف الجسد بأنماط مختلفة، وفائقة التجسيد والتعبير عن واقع معاش أو مفترض، سواء من مصممات ومصممي رقص أو فنانين من فلسطين، أو مصر، أو المغرب العربي أو غيرها، بشيء من التفصيل، وهي منتجة وقيمة فنية ودراماتورج تعيش ما بين الجزائر وبلجيكا، تناول مصمم الرقص المغربي خالد بنغريب الأمر من زاوية تجربته الغنية والتجارب التي عايشها.

من جهته، تحدث توفيق ازديو عن محاور عدة في هذا الموضوع، وهو صاحب كتاب “الجسد الراقص كإشكالية” بالشراكة مع ياسر بلهيبة.

وشكلت تجربة ازديو نموذجاً ملهماً لعديد الباحثين في موضوعة الجسد على خشبة المسرح، وخاصة فيما يتعلق باللوحات التي قدمها الراقص والمصمم المغربي في عديد أعماله التي تندرج في إطار الرقص المعاصر، الذي هو واحد من أبرز رواده في المغرب.

في الكتاب الذي كتبه وتناول تجربته، ثمة إثارة واضحة لهذا الموضوع حيث كتب “يطرح الجسد في الرقص المعاصر إشكالات تتجاوز الحركة والإيقاع، إنه التعبير الأفصح عن الجسد وتموجاته، بحضوره الفردي والجماعي، والذي يسعى إلى رسم صورة متناسقة حول العالم، ويترجم صراع الجسد الفرداني (المعبّر عن الأنا) مع الجسد الجماعي (المعبر عن النحن) في زمن الحداثة، حيث تطغى الفردانية كقيم وسلوك وكمحاولة للتحرر من عبء الجسد وإفراغه من مضمونه، من خلال فصل الجسد عن كينونته وعن المحيط”.

وحكاية ازديو منذ كان طفلاً، فمراهقاً، وطالباً فاشلاً كاد يفقد مقعده الدراسي ويعمل مساعداً لنجار في الحيّ الذي يقطنه، ومن ثم أكمل دراسته، وأبدع في مجال المسرح والرقص، تقوم بجلها على الجسد وحركته، التي تطورت بتطور تجربته ما بين أعماله الأولى، ومشروعه الأبرز حديثاً “نمشي”، وهي تجربة يمكن تلخيصها بتلقيح الموروث الفني بالرقص المعاصر ومحاولة النهوض به.

بدوره قدم الفنان الفلسطيني خالد حوراني ورقة بعنوان “ملحمة الجسد”، ومما جاء فيها: ما الذي يتعيّن على الإنسان فعله حتى يموضع جسده في إطار تقترحه منظومات السياسة والهندسة الاجتماعية، سواء تلك التي تصور الجسد ككيان منفصل عن العقل أو كتابع تسكنه الروح، أو تلك المفاهيم عن “الجندر”، والعرق، والممنوع، والمسموح، والتي تحكم تلك العلاقة، والكيفية التي تتم فيها التعاطي مع الجسد في الأزمنة والأمكنة والجغرافيات المتعددة، وكيف تقطع، وسط هذا الجدل، الثقافة والسياسة أيضاً الجسد، وتؤطره وتسيطر عليه، ولكن في المقابل كيف يعيش الجسد ويعبّر.

وقال حوراني: أول ما يخطر في الذهن عند الحديث عن الجسد وهويته في العالم العربي وفي الملحمة المستمرة التي عاشها ويعيشها المواطن العربي هو الانتهاك الممارس ضده، وتكاد تكون صور قيصر، صور الشهيد التي سربها عسكري سوري منشق، وتعكس آلام الجثث العارية لمعتقلين قضوا تحت التعذيب، حتى أنها دارت في أروقة مجلس الأمن، وعلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة، قد تكون دليلاً أو كدليل مؤقت على بعض إجراءات بيروقراطية الموت.. تجلّى العريّ فيها، وضمور الأجساد بما هو دليل على العنف الممارس ضدها باسم الحفاظ على الجسد الوطني.

وأضاف حوراني: كما يخطر في الذهن أيضاً، الجسد كمساحة للتعبير والاشتباك في الميادين والساحات العامة، عندما خرجت هذه الكتل البشرية، هذه الأجساد في ميدان التحرير بالقاهرة، وفي تونس، وساحة الملايين في اليمن، والبحرين، وسورية، وفلسطين دائماً، وليبيا، وخرجت، وهي الآن تخرج، كما نرى ونراقب في الجزائر والسودان .. يحضر إلى الذهن أيضاً أجساد الجماهير وهي تهتف وترفع الشعارات المطالبة بالحرية والخبز، وهي تسير وتحتج بأجسادها كآخر سلاح تملكه، على وضعها المزري، ومن شدة اليأس، مثلما يحضر مشهد الانتهاكات المتكررة في محاولة لفرض سلطة الدولة وأيديولوجيتها على لحم الناس، مبرراً تعريض جسد المواطن للضرب، والسحل، وحتى الموت، بحجج واهية بينها مكافحة الإرهاب، بينما تمنح الشرطي ورجل الأمن حق ممارسة العنف على “الأعداء” كما يشاء، باسم فرض الأمن والقانون على العباد.

وأكد حوراني: انتهك الجسد في العالم العربي بلا حدود، وقدمت الصور عبر وسائل الإعلام عن سلوك الشبّيحة والبلطجية في الشوارع، وليس فقط في معسكرات الاعتقال وأقبية التحقيق المغلقة .. عنف علني ومباشر وغير منضبط ضد من يختلف مع النظام، لا بل استخدمت الجمال والجرافات والآليات العسكرية لسحق الناس وحرقهم، وانتهكت الأجساد في الميادين، في محاولة لهزيمة العقل، وتحولت أجساد المحتجين إلى مساحة سياسية ترى فيها السلطة تعبيراً لغوياً معطوباً لابد من إصلاحه، أو إخفائه، وتعريته، كونه يحتج ويهتف ضدها، فكلنا يتذكر صورة فتاة ميدان التحرير التي عرّاها الجيش المصري المحافظ بشكل كامل، كما نتذكر صور علياء المهدي كمعادل من الجهة المعاكسة للسلطة، وهي تتعرّى وتستخدم جسدها كوسيلة احتجاج أخيرة، كما هو شائع في حركات التعرّي التي رافقت أزمة الاختلال السياسي في العالم بأسره.

وتساءل حوراني: ماذا بقي للإنسان، وهو يفقد سلطته على جسده المباشر بحجة الحفاظ على الأمن العام؟ وماذا فعلت السلطات وهي تتفنن في تعذيب هذه الأجساد بوصفها مساحة للاشتباك، وشيء يشبه الفضلات التي لابد من نبذها ونفيها إلى أبعد حد؟ هل حسمت المعركة؟ بالتأكيد لا، وقد استنسخت هذه الممارسات في غير بلد، وكأن المتفق الوحيد عليه هو الانتهاك الصارخ للأجساد من قبل الشرطة، والجيش، وأدوات القمع المختلفة، بذريعة تأديب الأجساد، والجسد المنتفض والرافض للظلم على وجه التحديد، حيث وضعت هذه الأحداث الجسد في “بوز المدفع”، وبشكل ملحمي منقطع النظير، بغض النظر عن المآلات التي ستذهب إليها من الناحية السياسية والاجتماعية.

وختم حوراني: ستبقى لهذه الصور، التي أنتجتها السنوات العشر الأخيرة، منذ نزل الناس إلى الشوارع، صداها في الفنون، وفي التعبير الحر في الرقص والمشي والقصيدة واللوحة، وفي كل شيء .. صحيح أن الجسد لم ينتصر بعد، لكنه بالتأكيد لم يهزم، والدليل ما يحدث الآن في الجزائر والسودان، وهذا المهرجان.

Exit mobile version