الرئيسية زوايا ثقافة وادب “نداء أخير للركّاب” لأحمد القرملاوي .. رحلة بحث عن ذات وهوية ووطن!

“نداء أخير للركّاب” لأحمد القرملاوي .. رحلة بحث عن ذات وهوية ووطن!


الايام – بديعة زيدان:”كنت قد نسيت أن لي أباً حيّاً، لا زال يتنفس فوق بقعة من عالمنا مكوّر الشكل، حتى ذكرني موته .. مات أبي، تاركاً لي شعورين مبهمين يتناوبان الطرق على جدران قلبي، ارتياح، وقلق .. ارتحتُ لكوني قد تخلصتُ أخيراً من ذلك الرابط المتوهّم، الذي يساورني ويقلق راحتي، حتى ليجعل شعوراً غامضاً بالذنب يتسلل إليّ .. لكني من وجهة أخرى أصبت بقلق مزمن، مبعثه أني لم أبذل جهداً كافياً للتعرف إلى الرجل، حتى أن ذاكرتي لم تحتفظ ولو بصورة مشوهة لقسماته”.

هكذا انطلق الروائي المصري أحمد القرملاوي في روايته الأحدث “نداء أخير للركاب”، الصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب، والفائزة بجائزة أفضل رواية في الدورة الخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، بمقدمة جاذبة، تشعر معها بأن ثمة ما هو عميق ومهم ومثير في قادم الصفحات.

قد تبدو الحكاية عادية، أقرب إلى حبكة بسيطة مطروقة، عندما يموت أب بعيد عن أسرته، ويأتي الخبر من الأم للابن المقيم في أميركا بوفاته، فلا يتأثر كثيراً، ثم يتلوه خبر آخر من المحامي بأن ثمة “تركة” خلّفها الأب في كل من الكويت، حيث قضى جل سنيّ حياته، والنمسا، وسيوة في مصر، وأن على الابن أن يرحل وراءها للحصول عليها، وفق اشتراطات تتعلق بأفعال على الابن القيام بها تجاه بعض من كانوا يحيطون بالأب، ليحصل على أمواله، التي كان في أمسّ الحاجة إليها.

لكن القرملاوي هنا، أبحر بنا في أعماق عوالم نفسية ومجتمعية وسياسية عربية، وليست محلية فحسب، ما جعلنا نتناوب على حكايات الأب والابن في جغرافيات عدة، لم تخل من الحديث بجرأة عن واقع عربي مأزوم على مدار عقود.

بعد عودته من أميركا إلى القاهرة، انطلق الابن في رحلة جمع “تركة” والده، فكانت رحلته الأولى والأطول في الكويت، تلك التي انخرط فيها الأب، دون الأم، في تفاصيلها حتى المجتمعية، فبات كويتياً دون جنسية.

اكتشف الابن أن للأب رصيداً بنكياً في الكويت، وأن الحصول عليه مرتبط بالعثور على “كريشنا” الهندي، وتأمين مسكن لائق له .. و”كريشنا” هذا هو من مواليد الكويت، ومغرم بها كما الأب، بل وأكثر، وعاش فيها بشكل غير قانوني، حتى إنه تعرض للتعذيب على يد القوات العراقية الغازية للكويت، ورفض التوجه إلى المستشفى كي لا يتم ترحيله من “وطنه” المعشوق، وهو الذي تعرف إليه الأب حين كان مديراً للأمن في أحد فنادق الكويت، التي قاتل في صفوف مقاومتها للغزو العراقي، وكان له حضور لافت في ذلك، حتى أن الكويت كرّمته بعد التحرير، وتم تعيينه سفيراً للنوايا الحسنة، وعضوا في اللجنة الوطنية لشؤون الشهداء والمفقودين.

وكان الأب قد هاجر من مصر إلى الكويت، بعد أن كان ضابطاً في الجيش المصري، إثر رفضه لاتفاقية “كامب ديفيد”، والطريقة القمعية التي تعاطى بها الجيش مع ما عرف بـ”ثورة الخبز”، إبان حكم السادات.

وبالعودة إلى الغزو العراقي للكويت، والذي تعاطى معه القرملاوي بشكل إنساني بعيداً عن الأرقام والجمود، مسلطاً الضوء على الانتهاكات التي مارسها عناصر في الجيش العراقي ضد الشعب الكويتي، والأجانب، وبينهم “لاريسا” الفتاة القادمة من النمسا للعمل في التدريس داخل رياض الأطفال في الكويت، حيث اعتقلت من العراقيين، وتم التناوب على اغتصابها لشهر بأكمله.

بعد التحرير، التقى الأب بالضحية النمساوية، وكانا يعملان سوياً في اللجنة الوطنية لشؤون الشهداء والمفقودين، فنشأت بينهما قصة حب غير مكتملة من الناحية الجنسية، لفرط تأثرها بفظاعة ما حدث معها، حتى إنهما، وبعد أن يقررا الرحيل إلى “جوتزنس” في بلدها الأم، لعلها تشفى وسط أقاربها من شيء مما يصيبها، ينجبان عبر “التلقيح الصناعي”، وهنا يكتشف الابن أن لديه شقيقة هناك، ولا إرث له في هذا البلد الأوروبي، إلا حكايات لاريسا وشقيقته، والتي أوصى الأب بعرضها في فيلم للابن، الذي كان يتأكد في كل مرّة، أن والده كان مثالاً للإنسانية، وليس كما كان يخاله.

وكان لافتاً في الرواية، جرأتها في تطرقها لمناطق قد تبدو غير متاحة، خاصة حين تحدث عن تعذيب الخادمات الهاربات في الكويت، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وإقحامهن في تجارة الجنس .. بينما بعد عقد أو اثنين يكون الاغتصاب ضد أرض الكويت ونسائها، أو بعض من يقمن عليها.

أما في “سيوة” فيكتشف أن لوالده عشرات “الفدادين”، ومنزلا ريفيا جميلا يأسره، فيقرر أن يستقر فيه، وينقل كل المحيطين به وبوالده سابقاً إليها، دون أن يظهر من منهم قرر القدوم بالفعل، وما إذا كان هذا الطرح قابلاً للتحقق من عدمه، وكأنه يكتشف ذاته هنا، وينهي حالة ما مع الاغتراب، وإن بقيت الحالة ملتبسة ما بين الواقع وما بين الأمل أو الحلم.

الرواية متعددة الطبقات، هنا، ليست فقط بحثاً عن الذات، والهوية، وانعكاساً لحالة من التشظي العربية، والتعبير عن الهيمنة الأميركية المستمرة، وليست حكاية بحث عن “ثروة” ما فحسب، بل هي تحليل اجتماعي سياسي لأمة كان في يوم من الأيام يداعبها حلم الوحدة فإذا بها تتشظى حد التفتّت، لذا لم تخل الرواية من الحديث عن أحداث بعينها، كأحداث العام 1977 في مصر، ومن ثم اتفاقية كامب ديفيد، والانتفاضة الفلسطينية، ولو بشكل عابر، والغزو العراقي للكويت، وغيرها>

هي صرخة صيغت ببراعة سردية، ولغة عميقة دون تكلف أو تعقيد، في مناقشة لقضايا كبرى بأسلوب شيّق .. هي صرخة كانت أشبه بـ”نداء أخير للركاب” .. “ركّاب” هذه الحياة، وخاصة في أمّة باتت أمة (جارية) في عصرنا الحالي، تؤمر فترد بالسمع والطاعة من أسيادها الجدد القدماء.

Exit mobile version